رواية علي محمد علي الجديدة: الراعي (1)
حين مرض، خرج من الفيلا من غير ضجيج، كما دخلها أول مرة: عاملًا، لا أثر له بعد الغروب، ظلّ يفكّر أيامًا طويلة، ثم قرّر أن يذهب، لا ليطلب عملًا، بل ليعرض واحدًا من أولاده للبيع،

حصريًا لموقع “آخر كلام”
مقدمة النشر
في عالم تحكمه الأرض والسلطة والعلاقات المتشابكة، تتكشف حكاية “الراعي”…
حكاية إنسان يتشكل تحت الضغط، حيث لا يوجد خير مطلق ولا شر مطلق، بل صراع دائم بين البقاء والضمير.
نقرأ معًا رواية “الراعي” في حلقات متتالية، تُنشر لأول مرة حصريًا على موقع “آخر كلام”.
الحلقة الأولى: بداية الحكاية
توضيح
إلى كل من قاد… أو ظنّ أنه يقود، إلى كل من أطاع… حتى نسي صوته، إلى من تعلّم أن الطاعة نجاة، فاكتشف أنها قيد، وإلى من ظنّ نفسه حرًا… وهو يسير في قطيع لا يراه.
إلى القلوب التي جُرّدت من نصفها، فصارت أقسى… وأضعف مما تتخيل، إلى العقول التي آمنت بالنظام، حتى صارت جزءًا منه دون أن تدري.
هذه الرواية ليست عن راعٍ… بل عن السلطة حين تُولد في الصمت، وتنمو في الخوف،
وتحكم… دون أن تُرى.
إليكم
حكاية من ظنّ أنه يقود القطيع، فاكتشف متأخرًا… أنه كان واحدًا منه.
علي محمد علي
في 19/03/2026 م
الحلقة الأولى
” هو و الله”
لم يكن مرجان فقيرًا بالمعنى البسيط للكلمة، كان مُنهكًا، جسده الذي انحنى مبكرًا لم يكن يشكو، لكنه توقّف عن الطاعة، الرجل الذي قضى عمره بين الأشجار، يزرع لغيره الظلّ، لم يعد قادرًا على الوقوف طويلًا، ومع ذلك، لم يتوقّف عن الإنجاب، كأن الحياة كانت تُلقي بأثقالها عليه وهو يردّ عليها بالمزيد من النسخ، أولاد كثيرون، صبيان وبنات، أسماء متشابهة، وجوع واحد.
حين مرض، خرج من الفيلا من غير ضجيج، كما دخلها أول مرة: عاملًا، لا أثر له بعد الغروب، ظلّ يفكّر أيامًا طويلة، ثم قرّر أن يذهب، لا ليطلب عملًا، بل ليعرض واحدًا من أولاده للبيع، اختار سامي، لم يكن أذكاهم ولا أضعفهم، كان فقط… الأكثر صمتًا.
إثنا عشر عامًا، عينان واسعتان، وكتفان لم يتعوّدا الحمل بعد، دخل خلف أبيه، كان البيت واسعًا على نحوٍ لا يُطمئن، ممرّاته نظيفة أكثر مما ينبغي، وصمته لا يُشبه صمت البيوت، بل صمت الأماكن التي يُمنع فيها الخطأ.
مرّ رجل يحمل صينية، لم ينظر إليهما، ثم آخر، يعبر من نهاية الممر إلى أوله، كأنه يعيد نفس الخطوة منذ زمن، حتى الصوت البعيد لشيء يُطهى، كان خافتًا… بلا رائحة.
توقّف سامي لحظة، لا ليرى، بل كأن شيئًا ما تأخر عن الحضور، شدّه مرجان من كتفه بخفّة، فأكمل السير.
وقف مرجان أمام “أبو الفضل بيه” وهو مطأطئ الرأس، لم يقل كثيرًا، لم يحتج إلى الشرح، الحاجة كانت واضحة على جلده.
“أبو الفضل بيه” لم يتفاجأ، الرجل الذي اعتاد تربية الحيوان، يعرف كيف يُقوَّم الطلب، وكيف تُحدَّد قيمته، نظر إلى الصبي نظرة قصيرة، ثم حوّل عينيه عنه كأن التقييم قد اكتمل، عرض دراهم معدودات، وراتبًا شهريًا صغيرًا، لا يكفي للعيش، لكنه يكفي لعدم الموت.
تردّد مرجان لحظة، نظر إلى الداخل… ثم أشاح بوجهه سريعًا، كأنه لا يريد أن يرى أكثر مما رأى، ثم وافق، ليس لأن العرض عادل، بل لأن المرض لا ينتظر عدلًا.
تعلّق سامي فجأة بجلباب أبيه، كأن الفكرة تأخرت ثم وصلت دفعة واحدة،
: خدني معاك… أنا هاجي معاك… نروح لماما
كان صوته مكسورًا، سريعًا، لا ينتظر ردًا، فقط يكرر ما يعرفه عن النجاة.
حاول مرجان أن يفك يده بهدوء، مرة… ثم أخرى… لكن الأصابع الصغيرة كانت مشدودة كأنها تعرف ما يحدث.
توتر جسده، نظر حوله للحظة، ثم إلى الأرض: سيب… سيب يا واد… لم يرفع عينيه.
يدٌ كبيرة دخلت بينهما، فصلت الصغير عن القماش بسهولة لا تُهين… لكنها لا ترحم، إنها يد الحارس عبد الجبار، لم يقاوم سامي طويلًا، هنا فقط أدرك أنه مجرد سلعة، فحل يده، المقاومة بقيت في صوته فقط
: بابا… طب استنى… أنا مش عايز…
نظر إليه مرة أخيرة، أو ظنّ أنه فعل، لكن مرجان لم ينظر.
سُحب سامي إلى الداخل، وكان البيت يبتلعه هذه المرة بلا تمهيد.

الغرفة كانت ضيقة بما يكفي لتُغلق الفكرة، جدار وسقف، ولا شيء بينهما يصلح للاحتماء، جلس سامي على الأرض، يبكي بصوت خافت، كأنه يخشى أن يُسمع.
بعد وقت لا يُقاس، فتح الباب، دخل “أبو الفضل بيه” بخطوات هادئة، كمن يعود إلى شيء يملكه، نظر إليه قليلًا، ثم قال:
– أنا زعلان عليك.
رفع سامي رأسه ببطء.
ثم أكمل أبو الفضل:
– عشان لسه ماسك في حاجات… مش هاتفيدك ولا هتفضل.
اقترب خطوة،
– أم… وإخوات … وأب… وبيت… دي مش حاجات بتتملك… دي بتعدي، مجرد مرحلة.
سكت لحظة، ثم أضاف:
– واللي يفضل… لازم تتعلّم تمسك فيه، زي ما أنت ماسك فيهم دلوقتي.
رفع الصغير رأسه إليه، كمن يحاول أن يفهم… ثم ترك الفهم، واستسلم لشيء لم يُسمَّ له بعد.
اليوم التالي
في اليوم التالي لم يُعلَن النظام، ولم تُكتب قواعده على جدار، ولم يُطلب من سامي أن يفهمه، لكنه بدأ في التعلم بلا وعي، كأنه وُلد من جديد داخل صمت البيت العظيم.
صمت يُراقب كل حركة قبل أن تحدث.
في الصباح الأول، أُيقظ قبل أن يستيقظ جسده، فتح عينيه على عجل، كأن النوم نفسه كان خطأ، صوته الداخلي تردد بين ركنين خافتين من المكان، فوجد أمامه قدر الماء، فشرب دون سؤال، ودون اختيار، وكأن الحياة أصبحت سلسلة من الفعل بلا تفسير، ثم وُضع الطعام أمامه، فالتقطه، أكل، لا لأنه شبع، ولا لأنه جائع، بل لأنه ببساطة لم يُسمح له بعدم الانصياع.
كان عبد القوي (السفرجي) يظهر حيث يجب أن يظهر، لا يتأخر، ولا يسبق، كأنه ساعة متحركة تحمل صرامة المكان، ويقيس الوقت بلا رحمة، في حين كان عبد الصمد (الطباخ) خلف قدره يخرج الطعام كميات صامتة، بلا رائحة، بلا حرارة، بلا تشويق، كأن الجوع نفسه أصبح واجبًا طقسيًا، لا تجربة إنسانية.
أما عبد الجبار، فقد كان موجودًا بلا فعل، مجرد صمت جسدي ضخم، يذكّر سامي دومًا بأن أي خطأ مهما بدا صغيرًا، لن يُغتفر.
وفي الحديقة، لم يُترك ظل شجرة أو غصن لنفسه، كل حركة محسوبة، كل خطوة مُقيّدة، كل عمل يطلب منه تنفيذه كان صامتًا، بلا شرح، بلا أي تفاعل، لكن سامي فهمه من التكرار، من صرامة اليدين التي أشارته، ومن صمت الحراس والطباخ، يحمل، يضع، يعود، بلا سؤال، بلا تعليق، وكأن المكان صار يقرأه قبل أن يفهم هو نفسه، وكأن كل خطأ محتمل مُسجَّل في الهواء ليطال جسده قبل عقله.
في الأيام التالية، صار سامي ينهض فور الإشارة، يضع جسده حيث يُوضع، يكرّر الحركة بلا شعور، بلا مقاومة، حتى صوته الداخلي بدأ يهدأ، وتلاشت الفوضى الصغيرة في روحه، وصار الصمت والانتظار جزءًا من كيانه، جزءًا من النظام الذي لا يُنطق، ولا يُشرح، بل يُفرض حضورًا، ويزرع الشعور بالعجز على كل مستوى.
لم يضرَبه أحد، ولم يُوبّخ، لكن الإحساس بالقيد، بالرقابة المستمرة، بالغياب التام لأي دفء أو رحمة، كان أعمق ألف مرة من أي ضرب جسدي.





