آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

د. محمد فؤاد يكتب: الأسرى بين سادية السجّان وصمت العالم

سجون الاحتلال الإسرائيلي لم تعد مكانًا للاحتجاز بقدر ما صار مؤسسةً للعقاب الجماعي.مصنعًا منظمًا للإهانة، وآلةً لكسر الإرادة الوطنية الفلسطينية.من خلال التجويع، والحرمان من العلاج، والتعذيب، والعزل، والإذلال، والاقتحامات، ومنع الزيارات.

مشاركة:
حجم الخط:

حين تتحول السجون الإسرائيلية إلى مختبر للإذلال والموت

ليس ما يجري للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية مجرد “انتهاكات” بالمعنى البارد الذي تتداوله البيانات الدبلوماسية الميتة، ولا مجرد “تجاوزات” يمكن دفنها في هوامش نشرات الأخبار.

 هو نظام كامل، متكامل، واعٍ، مقصود، يجري تشغيله يوميًا من أجل سحق الإنسان الفلسطيني جسدًا وروحًا وذاكرةً ومعنى.

فسجون الاحتلال الإسرائيلي لم تعد مكانًا للاحتجاز بقدر ما صار مؤسسةً للعقاب الجماعي.

مصنعًا منظمًا للإهانة، وآلةً لكسر الإرادة الوطنية الفلسطينية.

من خلال التجويع، والحرمان من العلاج، والتعذيب، والعزل، والإذلال، والاقتحامات، ومنع الزيارات.

تحويل أجساد الأسرى إلى حقول اختبار لفاشيةٍ إسرائيليةٍ لم تعد تخجل من إعلان نفسها.

هذا ليس توصيفًا عاطفيًا؛ فـ“بتسيلم” وصفت المنظومة السجنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بأنها شبكة من المعسكرات المكرسة لإساءة المعاملة بوصفها سياسة
بينما قالت الأمم المتحدة إن التعذيب وسوء المعاملة بحق الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية باتا ممنهجين، وإن عشرات الفلسطينيين قضوا في الاحتجاز منذ ذلك التاريخ.

لأول مرة رواية (محاكمة المرايا) للدكتور محمد فؤاد

فاتحة “الراعي”: رقصة الظل فوق رمال الحكاية

ملف تحليلي: ليبيا بين الدولة والفراغ (6)

أولًا: بن غفير وصعود الفاشية إلى مستوى التشريع

من بين أكثر الوجوه وقاحةً في هذا الانحدار الأخلاقي والسياسي يبرز اسم إيتمار بن غفير، بوصفه ليس مجرد وزير أمن قومي في حكومة تطرف.

بل بوصفه التعبير السياسي الفج عن رغبة اليمين الإسرائيلي في الانتقام من الفلسطيني

لا باعتباره خصمًا سياسيًا فقط. بل باعتباره إنسانًا يجب إذلاله وكسره وإفناؤه معنويًا.

في عهده، لم تعد القسوة مجرد أثر جانبي لسياسة استعمارية

بل أصبحت برنامجًا معلنًا، وخطابًا شعبويًا.
مزايدةً انتخابية على أجساد الأسرى.

لذلك لم يكن مفاجئًا أن يقود بن غفير الدفع بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين المدانين في القضايا التي تصنفها إسرائيل “إرهابية”

وهو القانون الذي أقره الكنيست في 30 آذار/مارس 2026،

وسط انتقادات دولية واسعة لأنه قانون تمييزي يستهدف الفلسطينيين عمليًا.

يمنح المحاكم العسكرية في الضفة الغربية قدرةً مروعة على تحويل الاحتلال من سجن مفتوح إلى مشنقة قانونية.

ثانيًا: قانون الإعدام من السجن إلى المقصلة

هذا القانون ليس تفصيلًا تشريعيًا يمكن المرور عليه بخفة، بل علامة على لحظة إسرائيلية شديدة الخطورةز

لحظة انتقال اليمين الاستعماري من إدارة القهر إلى تقنين الإعدام.

من تعذيب الأسير إلى تأسيس حق الاحتلال في قتله باسم (القانون) 

وحين يصبح الإعدام جزءًا من الخيال التشريعي الرسمي في دولة الاحتلال، فهذا يعني أن كل الحديث الغربي عن “ديمقراطية إسرائيل” يتحول إلى نكتة سوداء.

فحتى الانتقادات الإسرائيلية الداخلية والأوروبية والدولية لم تركز فقط على قسوة القانونز

بل على طابعه التمييزي أيضًا، وعلى ما يخلقه من نظامين قضائيين بمعيارين مختلفين: واحد لليهود، وآخر للفلسطينيين.

لهذا حذرت أصوات حقوقية وأممية من أن تطبيق مثل هذا القانون يمكن أن يشكل خرقًا جسيمًا للقانون الدوليز

أنه يرسخ بنية أبارتهايد قانوني لا تكتفي بسلب الحرية، بل تريد احتكار حق الحياة والموت أيضًا.

ثالثًا: داخل الزنازين… هندسة الانهيار الإنساني

أما داخل الزنازين.

فالصورة أشد فظاعة من أي خطاب سياسي.

نحن لا نتحدث فقط عن الاكتظاظ وسوء الطعام ورداءة الشروط الصحية، بل عن هندسة مقصودة للانهيار الجسدي: تقليل الطعام، مصادرة الملح والسكر أحيانًا، إهمال طبي، انتشار الأمراض الجلدية.

الحرمان من الاستحمام، الضرب، تقييد الأيدي، الإذلال خلال التفتيش، العزل الطويل.

الاقتحامات الليلية التي تهدف إلى كسر الحد الأدنى من الشعور الإنساني بالأمان.

حتى مكتب الدفاع العام الإسرائيلي نفسه أشار في مطلع 2026 إلى أوضاع “غير ملائمة للبشر” في أماكن احتجاز فلسطينيين.
مع روايات عن عنف منهجي وتجويع وإهمال طبي وظروف قذرة.

بينما أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها ما تزال تطالب باستعادة القدرة على زيارة المعتقلين الفلسطينيين، في إشارة فاضحة إلى مستوى الإغلاق والتعتيم الذي تفرضه إسرائيل على ما يجري وراء القضبان.

رابعًا: الموت في الأسر… حين تتحول الزنزانة إلى قبر

لأن الاحتلال لا يكتفي باعتقال الفلسطيني، بل يريد محو أثره الإنساني بعد الاعتقال، فقد أصبحت الوفيات داخل السجون والاحتجاز علامةً إضافية على وحشية المرحلة.

الأمم المتحدة قالت في أيلول/سبتمبر 2025 إن 75 فلسطينيًا على الأقل قضوا في الاعتقال الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع دعوة عاجلة إلى وقف التعذيب وسوء المعاملة وحماية الحق في الحياة.

كما تعرضت حالات بعينها لاهتمام دولي صادم، بينها قضية الفتى الفلسطيني وليد أحمد، الذي أبرزت تقارير حديثة أن التحقيق في وفاته أُغلق رغم مؤشرات تشريح تحدثت عن سوء تغذية شديد وأوضاع صحية كارثية.

وحين يصل الأمر إلى موت القاصرين في السجن ثم إلى إغلاق الملفات، فإننا لا نكون أمام خلل إداري، بل أمام بنية إفلات من العقاب تعتبر الفلسطيني جسدًا فائضًا عن الإنسانية.

خامسًا: الأرقام التي تفضح الجريمة

الأرقام نفسها تصرخ بما يكفي لإدانة العالم بأسره

فبحسب “الضمير” بلغ عدد الأسرى السياسيين الفلسطينيين 9500 في 11 آذار/مارس 2026، من بينهم 3442 معتقلًا إداريًا و350 طفلًا و73 امرأة، إضافة إلى 1249 محتجزًا من غزة تحت ما يسمى قانون “المقاتل غير الشرعي”

أما “نادي الأسير الفلسطيني” فقد عرض على صفحته الرئيسية الرقم نفسه تقريبًا

بينما تبيّن إحصاءات “بتسيلم” أن مصلحة السجون الإسرائيلية كانت تحتجز في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025 9128 فلسطينيًا على خلفية ما تسميه “أمنية”، فضلًا عن 2062 فلسطينيًا آخرين بسبب “الإقامة غير القانونية”

وهو اختلاف يعكس تباين التعريفات الإسرائيلية والفلسطينية والحقوقية، لكنه لا يغير الحقيقة الأساسية: نحن أمام موجة اعتقال هائلة وغير مسبوقة تقريبًا في تاريخ الحركة الأسيرة المعاصر.

سادسًا: الاعتقال الإداري… قانون بلا عدالة

من أكثر الصفحات بشاعةً في هذا الملف الاعتقال الإداري، الذي يحوّل القانون ذاته إلى أداة بلطجة سياسية.

الاعتقال الإداري يعني احتجاز الفلسطيني بلا تهمة واضحة، وبلا محاكمة عادلة، وبناءً على “ملف سري” لا يعرفه هو ولا محاموه.

هذه ليست (عدالة) بل قناع قانوني للاستبداد الاستعماري.

وقد أفادت تقارير فلسطينية وحقوقية بأن أعداد المعتقلين إداريًا بلغت مستويات تاريخية غير مسبوقة بعد الحرب، بما في ذلك نساء وأطفال.
وهو ما يوضح أن الهدف لم يعد محصورًا في “منع خطر أمني”، كما تزعم إسرائيل، بل في توسيع دائرة الخوف الجماعي، وجعل كل فلسطيني مشروع اعتقال مؤجل.

سابعًا: المحاكم العسكرية… عدالة شكلية ونسبة إدانة شبه مطلقة

ثم تأتي المحاكم العسكرية لتكمل المسرحية السوداء.

فالضفة الغربية تعيش تحت نظام قضائي عسكري يُحاكم الفلسطيني بوصفه “موضوعًا أمنيًا” لا صاحب حق.

قد أشارت مواد إعلامية وحقوقية متداولة إلى نسب إدانة ساحقة في هذه المحاكم تلامس الاكتمال، بما يجعل المحاكمة أقرب إلى إجراء تصديقي على قرار سبق اتخاذه، لا مسارًا حقيقيًا لإحقاق العدالة.

وعندما يُساق الأسير الفلسطيني إلى هذا المسار القضائي، فهو يدخل إلى فضاءٍ صُمم أصلًا للإدانة، لا للإنصاف؛ ومن هنا يبدو قانون الإعدام الأخير امتدادًا منطقيًا لبنية موجودة أصلًا، لا شذوذًا طارئًا عليها.

ثامنًا: الأسرى الأقدم… الذاكرة التي لم تُكسر

في قلب هذا الجرح الكبير يبرز الأسرى الأقدم والأشهر بوصفهم الذاكرة الحية لزمنٍ كامل من القهر والصمود.

صحيح أن الأسير الأقدم تاريخيًا محمد الطوس خرج ضمن إفراجات 2025 بعد نحو 39 عامًا في السجن، وهو ما غيّر قائمة “عمداء الأسرى”

لكن بقاء 9 أسرى من ما قبل أوسلو في سجون الاحتلال حتى آذار/مارس 2026، وفق “الضمير”

يفضح حجم الجريمة التاريخية المستمرة.

وإلى جانب هؤلاء، يبقى مروان البرغوثي الاسم الأشهر سياسيًا بين الأسرى الفلسطينيين، فيما يبقى أحمد سعدات رمزًا آخر من رموز الحركة الوطنية الفلسطينية داخل الأسر.

تاسعًا: صمت دولي… حين يسقط الضمير العالمي

غير أن الفضيحة الأكبر لا تقتصر على إسرائيل، بل تمتد إلى المجتمع الدولي الذي يعرف، ويرى، ويوثق، ثم يكتفي بالتحذير وإبداء “القلق”.

منذ أشهر طويلة، تتراكم التقارير، وكلها تقول الشيء ذاته تقريبًا: هناك تعذيب ممنهج، وتجويع، وإذلال، وموت في الأسر.

ومع ذلك، لا عقوبات جدية، ولا مساءلة حقيقية. هذه ليست ازدواجية معايير فقط، بل انهيار أخلاقي كامل.

عاشرًا: العجز العربي… الصمت كسياسة

أما عربيًا، فالصورة أشد إيلامًا. لم تعد القضية نقص معلومات،

بل غياب إرادة. كل شيء مكشوف

ومع ذلك يبقى الفعل العربي أقل بكثير من مستوى الجريمة. أين الضغط؟ أين الفعل؟ أين تحويل القضية إلى معركة سياسية حقيقية؟
الأسرى ليسوا أرقامًا… بل اختبار أخلاقي

في “آخر الكلام”

نرى أن ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون ليس مجرد ملف حقوقي، بل اختبار حقيقي لإنسانية العالم وكرامة العرب.

إن استمرار هذه الجرائم دون رد يعني أننا أمام عالم يقبل بالتعذيب، ويتعايش مع الإذلال، ويصمت على القتل حين يكون الضحية فلسطينيًا.

ونؤكد أن السكوت عن هذه الممارسات هو شكل من أشكال المشاركة غير المباشرة في الجريمة.

سؤال الضمير

إن الأسير الفلسطيني اليوم لا يواجه السجّان وحده، بل يواجه أيضًا صمت العالم.

ومع ذلك، يبقى صموده شاهدًا على أن القهر لا يستطيع قتل المعنى.

والسؤال الذي يبقى معلقًا: ماذا بقي من ضمير هذا العالم؟

شارك المقال: