مقالات

د. محمد الغمري يكتب: ترامب “الكابوي” حين تتحول الأسطورة إلى ترند

هذا النموذج لم يختفِ من الوعي الأمريكي، بل أعاد إنتاج نفسه في صور متعددة، كان أبرزها في شخصية الرئيس الأمريكي ترامب، الذي بدا - في كثير من مواقفه- كابويًا معاصرًا يتحرك داخل نظام دولي

مشاركة:
حجم الخط:

في المخيال الشعبي الأمريكي، لم يكن “الكابوي” مجرد راعٍ للبقر، بل نموذجًا ثقافيًا متجذرًا للفرد الذي يحسم، يغامر، ويتصرف بثقة تتجاوز أحيانًا حدود المؤسسات.

رجل يدخل البلدة وحده، يفرض إيقاعه، ويغادر بعد أن يعيد ترتيب موازينها.

لا ينتظر توافقًا، ولا يُغريه التعقيد، بل يرى العالم في ثنائيات واضحة: صديق أو عدو، ربح أو خسارة، مواجهة أو انتصار.
هذا النموذج لم يختفِ من الوعي الأمريكي، بل أعاد إنتاج نفسه في صور متعددة، كان أبرزها في شخصية الرئيس الأمريكي ترامب، الذي بدا – في كثير من مواقفه- كابويًا معاصرًا يتحرك داخل نظام دولي شديد التعقيد بعقلية الحسم السريع.
ففي تعامله مع أزمات دولية، لم يخفِ ترامب ميله إلى منطق المواجهة المباشرة.

إعادة حبس أحمد دومة يثير موجة تضامن حقوقي

تقرير الجارديان: مجنون مختل عقلياً

د. محمد الغمري يكتب: هم الحرب البرية ضد إيران

في ملف فنزويلا، أعلن أن “كل الخيارات مطروحة” بما فيها طبعا اقتحام القصري الرئاسي واعتقال الرئيس الشرعي للدولة، واضعًا الخيار العسكري ضمنيًا على الطاولة.

وفي كوريا الشمالية، انتقل من التهديد بـ “النار والغضب” إلى لقاء مباشر مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ إيل، في تحوّل حاد يعكس عقلية “المبارزة” أكثر من الدبلوماسية التقليدية.

وفي لحظات التوتر مع إيران، برزت تصريحات لافتة حملت طابعًا استعراضيًا واضحًا، مثل التهديد بضرب (52 موقعًا) داخل إيران في إشارة رمزية إلى أزمة الرهائن.

أو التلويح باستهداف مواقع ثقافية، وهو ما أثار موجة واسعة من الانتقادات والتفكيك والسخرية.

كما قُدِّم اغتيال سليماني باعتباره خطوة “لمنع حرب” لا لإشعالها، في مفارقة لفظية تحولت سريعًا إلى مادة تحليل وسخرية في آن واحد.
لكن التحول الأهم لم يكن في طبيعة الفعل، بل في طبيعة التلقي.

الكابوي في زمن الميمز

لم يعد الجمهور الأمريكي مجرد متلقٍ للقرار، بل أصبح مشاركًا في إعادة إنتاجه. فمع صعود المنصات الرقمية، تحولت تصريحات ترامب إلى ما يعرف بـ “الميمز” – (Memes) –

أي صور ومقاطع ساخرة يعيد المستخدمون تداولها وتحويرها، لتتحول السياسة نفسها إلى مادة للتفاعل الجماعي السريع.

لم يعد الحدث يروى فقط… بل يعاد تشكيله، وتضاف إليه طبقات من السخرية والتأويل.

ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك قوله: “أنا عبقري مستقر جدًا” (I am a very stable genius)،

وهي عبارة لم تستقبل كتصريح دفاعي بقدر ما تحولت إلى رمز ساخر يستخدم في مواقف يومية تعكس التناقض بين الثقة المعلنة والواقع.

لقد خرجت الجملة من سياقها السياسي، لتدخل فضاء أوسع، حيث لا تقاس الكلمات بصدقها فقط، بل بقابليتها للتحول إلى نكتة جماعية.
فبدل أن تعزز مثل هذه التصريحات صورة الحسم، أصبحت – في كثير من الأحيان – مدخلًا لإعادة تفسير السلطة نفسها.

وهنا تحديدًا، لم يعد الكابوي فقط من يفرض حضوره، بل من يعاد إنتاجه رمزيًا، أحيانًا بوصفه بطلًا، وأحيانًا أخرى بوصفه مادة للسخرية.
ولم يغب هذا البعد عن تحليل المعلقين الأمريكيين أنفسهم، الذين استعادوا مفهوم “دبلوماسية الكابوي” لوصف هذا النمط من القيادة، لكنهم أشاروا أيضًا إلى أن أدوات العصر – وفي مقدمتها وسائل التواصل – جعلت هذا النموذج أكثر عرضة للتفكيك وإعادة التأويل.

في هذا السياق، لم يعد الكابوي يركب حصانًا ويرتدي قبعة، بل طائرة رئاسية، ولم يعد يحمل مسدسًا، بل حسابًا على تويتر (Twitter)، ولم تعد البلدة مجرد مساحة جغرافية، بل نظامًا دوليًا مفتوحًا على التفاعل الفوري.
غير أن المفارقة الأعمق تكمن في أن هذا التحول الرقمي لم يُلغِ الكابوي، بل أعاد تعريفه:
فهو لم يعد فقط من يفرض حضوره بالقوة، بل من يمكن أن يتحول – في لحظة – بعد أن خلع القبعة إلى “ترند”، موضوعًا للتداول… ثم لإعادة الإنتاج، ثم للسخرية.
وهكذا، حين تتحول تصريحات الزعيم إلى مادة للسخرية الجماعية، فإن الكابوي لا يفقد حضوره… بل يفقد هيبته.

شارك المقال: