تقرير: التليفزيون المصري وعمالته المؤقتة مشاكل لا تنتهي (3-3)
معاناة العاملين بماسبيرو مستمرة منذ سنوات، بين رواتب متأخرة، علاوات مجمدة، ومكافآت نهاية خدمة تحوّلت إلى حلم مؤجل آلاف الموظفين يضطرون لإنفاق أموالهم الخاصة لتسيير العمل

مبنى الهيئة الوطنية للإعلام
تقرير: منى عبيد
المؤقتون: جيل يعمل بلا أمان وظيفي
ابتداءً من عام 2014 دخل ملف التعيينات في ماسبيرو مرحلة أكثر تعقيدًا، وتحديدًا في نوفمبر من نفس العام، عندما صدرت توجهات حكومية من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، بوقف تعيينات العمالة المؤقتة في اتحاد الإذاعة والتليفزيون سابقًا، الذي كان يترأسه وقتها عصام الأمير.
في 24 نوفمبر 2014، تلقى عصام الأمير، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون والقائم بأعمال وزير الإعلام آنذاك، مرسومًا رسميًا من الجهاز القومي للتنظيم والإدارة يقضي بإيقاف أي قرارات خاصة بالتعيينات في ماسبيرو لأجل غير مسمى، على أن يتم تجديد عقود العمالة المؤقتة بشكل سنوي كما هي، وأوضح الجهاز في المرسوم أن القرار جاء لعدم وجود وظائف شاغرة تسمح بفتح باب التعيينات الجديدة، لكنه تضمن أيضًا تحديد 640 درجة وظيفية شاغرة تشمل مديري العموم ووكلاء الوزارة والدرجة الأولى في جميع قطاعات ماسبيرو، على أن يتم الإعلان عنها بين جميع العاملين وفتح باب الاختبارات الرسمية للتعيين فيها.
شكّل عصام الأمير وقتها، لجنة برئاسته تضم كلًا من مجدي لاشين، رئيس التلفزيون، وعبدالرحمن رشاد، رئيس الإذاعة، بالإضافة إلى رؤساء قطاعات الأخبار والإنتاج والإمانة العامة، لتولي إجراء الاختبارات للمتقدمين، على أن تنتهي اللجنة من عملها قبل يناير 2014، وتقدم قائمة كاملة بالترقيات قبل بداية الشهر ذاته.
وأعلن الدكتور أشرف العربي، وزير التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري الأسبق، أن «ماسبيرو» يعاني من عجز مالي بقيمة 6.3 مليار جنيه، مشيرًا إلى أن النفقات الخاصة برواتب الموظفين تصل إلى نحو 1.2 مليار جنيه سنويًا، أي ما يعادل حوالي 220 مليون جنيه شهريًا، وهو ما يوضح الضغوط الاقتصادية التي ساهمت في اتخاذ قرار وقف التعيينات والاكتفاء بتجديد عقود العمالة المؤقتة
جُمدت التعيينات الجديدة على الدرجات الدائمة، مع الاكتفاء بتجديد عقود القائمين بالفعل، على رأس العمل بنظام مؤقت وفق الحاجة، هذا التوجه جاء في سياق أزمات مالية كان يعانيها الاتحاد، ووجود أعداد كبيرة من العاملين، مقارنة بحجم الإنتاج والإيرادات، إضافة إلى خطط لإعادة الهيكلة وتقليل الأعباء المالية.
ترتب على هذا القرار، أن أصبح النمط السائد، هو استمرا ر العمالة المؤقتة، عبر تجديد سنوي أو دوري للعقود، من دون إعلان فتح باب تعيينات واسعة على درجات دائمة،هذا الوضع خلق حالة من عدم الاستقرار الوظيفي لدى كثير من العاملين، إذ ظل مستقبلهم المهني مرتبطًا بقرار التجديد كل فترة، رغم أنهم يؤدون أعمالًا أساسية لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.
كما أن الفروق بين المؤقتين والمثبتين ظهرت في جوانب متعددة، مثل الأمان الوظيفي، بعض البدلات، مسارات الترقي، وأحيانًا في نظم التأمينات والمزايا الاجتماعية.
كشفت إحدى محررات الأخبار بالتلفزيون المصري عن جانب قاسٍ من واقع العاملين بعقود مؤقتة، قائلة إن بعضهم، بعد مرور نحو عشرة أيام فقط على صرف الراتب، يجدون أنفسهم مضطرين، إلى طرق أبواب زملائهم داخل مكاتب الهيئة، طلبًا لمساعدات مالية بشكل شهري، في مشهد يلخص عمق الأزمة المعيشية داخل المبنى
استمر الحديث خلال السنوات التالية، عن خطط لإصلاح أوضاع ماسبيرو ماليًا وإداريًا، وتضمنت هذه الخطط في بعض الأحيان، برامج للخروج المبكر على المعاش، وإعادة توزيع العمالة، ومحاولات لضبط التعاقدات الجديدة.
هذه المحاولات، لم يبرز مسار واضح وثابت يضمن تسوية شاملة ونهائية لوضع جميع العمالة المؤقتة، بل ظل التعامل مع الملف، يتم حالة بحالة أو عبر إجراءات جزئية، مع استمرار القيود العامة على التعيينات الحكومية.
في عام 2019، ومع إعلان الهيئة الوطنية للإعلام، حصرًا شاملًا للعاملين تمهيدًا لإعادة الهيكلة، تصاعدت حالة القلق الوظيفي، لا سيما بين العاملين المؤقتين، ورفعوا مذكرات جماعية إلى مجلس النواب، وتقدمت مجموعات من العاملين بشكاوى رسمية، محذرين من أن الحصر، قد يتحول إلى أداة للاستغناء عن العمالة، دون ضمانات اجتماعية أو قانونية.
أزمة المؤقتين في ماسبيرو، مستمرة إلى اليوم، وهو ما يعكس معادلة صعبة بين احتياجات التشغيل الفعلية لمؤسسة إعلامية كبيرة، وبين القيود المالية والإدارية المفروضة على التعيين في الجهاز الإداري للدولة. النتيجة كانت بقاء شريحة من العاملين لسنوات، في وضع وظيفي غير مستقر، مع مطالب مستمرة بالتثبيت أو تحسين الأوضاع، في مقابل سياسات رسمية تميل إلى الحد من التعيينات الدائمة، والاعتماد على صيغ تعاقدية مرنة.
معاناة العاملين بماسبيرو مستمرة منذ سنوات، بين رواتب متأخرة، علاوات مجمدة، ومكافآت نهاية خدمة تحوّلت إلى حلم مؤجل آلاف الموظفين يضطرون لإنفاق أموالهم الخاصة لتسيير العمل، ويواجهون تمييزًا واضحًا بين القطاعات، ويعيشون في غياب الحد الأدنى للأجور والرعاية الصحية.
ماسبيرو اليوم يقف على حافة اختبارٍ مزدوج: البقاء في قلب المشهد الإعلامي الوطني، أو الاستسلام لضغط الديون وتأخر المستحقات، واستقرارًا وطيفيًا بعيد المنال. المبنى الذي حمل أصوات أمة لعقود، صار رمزًا لمعركة صامتة بين التاريخ والواقع، بين الصوت المسموع والأفق المغلق، بين المهنية والإمكانيات المحدودة.
يبقى السؤال قائمًا: كيف سيعيد الإعلام الحكومي بناء نفسه وسط هذه التحديات؟! وكيف سيجد العاملون فيه صدى لحقوقهم المتأخرة، قبل أن يصبح كل مجده مجرد ذكرى؟ ومن المسؤول عن هذا الواقع المؤلم؟ من ترك مؤسسة تحمل تاريخًا وطنياً عريقًا، تواجه الضغوط وحدها؟ لماذا توجب التوجيهات الرئاسية؟ وإلى متى ستظل حقوق العاملين حبيسة الوعود والخطط المعلقة؟
المصدر: الموقف المصري
رابط المقال المختصر:





