ترجمات

بلومبرغ: مسيّرات إيران الرخيصة تستنزف صواريخ باتريوت الأميركية في الخليج

مسيّرات بـ20 ألف دولار تواجه صواريخ بـ4 ملايين.. تقرير بلومبرغ يكشف معادلة الاستنزاف بين إيران والدفاعات الأميركية في الخليج.

مشاركة:
حجم الخط:

في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في تكتيكات الحروب الحديثة، كشف تقرير حديث لوكالة “بلومبرغ” الأميركية عن معضلة عسكرية واقتصادية معقدة تواجه الولايات المتحدة وحلفاءها في منطقة الخليج؛ حيث تحولت المواجهة مع إيران إلى “حرب استنزاف” قاسية، سلاحها الأبرز: مسيّرات رخيصة التكلفة تتحدى منظومات دفاعية بمليارات الدولارات.

بعد أيام قليلة من اندلاع شرارة الصراع المباشر والضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت إيران، وجدت الدفاعات الجوية الممتدة من البحرين إلى الإمارات نفسها تحت ضغط هائل جراء موجات متتالية من الطائرات المسيّرة الإيرانية، مما يطرح تساؤلاً مصيرياً: أي طرف سينفد مخزونه من الذخيرة أولاً؟

معادلة التكلفة غير المتكافئة: “شاهد” مقابل “باتريوت”

سلط التقرير الضوء على مفارقة أثقلت كاهل المخططين العسكريين الغربيين منذ اندلاع حرب أوكرانيا، وتتكرر اليوم في الشرق الأوسط. وتتجلى هذه المفارقة في الأرقام التالية:

  • تكلفة الهجوم: تعتمد إيران على طائرات مسيرة انتحارية (مثل شاهد-136) لا تتجاوز تكلفتها 20 ألف دولار للوحدة.

  • تكلفة الدفاع: تضطر واشنطن وحلفاؤها لاستخدام صواريخ “باتريوت” الاعتراضية التي تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد منها نحو 4 ملايين دولار.

ورغم أن دولة الإمارات أعلنت عن نجاح صواريخ “باتريوت” الأميركية في تحقيق نسبة اعتراض تجاوزت 90% ضد مسيّرات “شاهد” والصواريخ الباليستية، إلا أن استخدام أسلحة اعتراضية باهظة الثمن لإسقاط أهداف رخيصة يُعد استنزافاً خطيراً للموارد المخصصة أصلاً لمواجهة تهديدات أكثر تعقيداً.

استراتيجية الاستنزاف.. تكتيك إيراني مدروس

واصلت مسيّرات “شاهد-136” الانتحارية دكّ أهداف متنوعة شملت قواعد أميركية، وبنى تحتية نفطية، ومنشآت مدنية.

وفي هذا السياق، توضح “كيلي غريكو”، الباحثة البارزة في مركز ستيمسون للأبحاث، أن “استراتيجية الاستنزاف الإيرانية تبدو منطقية جداً من الناحية العملياتية”. وتضيف: “طهران تراهن على نفاد الصواريخ الاعتراضية لدى المدافعين، وانهيار الإرادة السياسية لدول الخليج، مما سيشكل ضغطاً هائلاً على واشنطن وتل أبيب لوقف العمليات العسكرية قبل نفاد ترسانتهما”.

أزمة المخزونات: سباق مع الزمن

تُشير التقديرات إلى أن مآل هذا الصراع سيتحدد بمن يمتلك “طول النفس” العسكري. وفيما يتعلق بالمخزونات، كشف التقرير عن المعطيات التالية:

  • الترسانة الإيرانية: أطلقت طهران أكثر من 1200 مقذوف منذ بداية النزاع، أغلبها من طراز “شاهد”. وبحسب “بيكا واسر”، رئيسة قسم الدفاع في “بلومبيرغ إيكونوميكس”، تحتفظ إيران بنحو 2000 صاروخ باليستي، مع قدرة عالية على تعويض مسيرات “شاهد” التي تُنتج بكميات ضخمة (كما تفعل روسيا بإنتاج مئات منها يومياً). ويُعتقد أن طهران تدّخر صواريخها الباليستية الأكثر تدميراً لمراحل لاحقة.

  • الترسانة الغربية والخليجية: على الجانب الآخر، تشير تقديرات واشنطن (التي توافق معها الرئيس دونالد ترامب) إلى أن الذخائر الأميركية المنقولة للمنطقة قد تكفي لأربعة أسابيع فقط.

وقد أشار تحليل داخلي اطلعت عليه “بلومبيرغ” إلى مخاوف بشأن وتيرة استهلاك صواريخ “باتريوت” في قطر، زاعماً أنها قد تكفي لأيام معدودة بالوتيرة الحالية. ومع ذلك، نفى المكتب الإعلامي الدولي لدولة قطر هذه الأنباء في بيان رسمي، مؤكداً أن “مخزون القوات المسلحة القطرية من صواريخ باتريوت لم ينضب ولا يزال بحالة جيدة”.

أزمة إنتاج وبحث عن بدائل

تعتمد الدفاعات الإقليمية بشكل رئيسي على صواريخ (PAC-3) الخاصة بمنظومة باتريوت، والتي تنتجها شركة “لوكهيد مارتن”. ورغم مساعي البنتاغون، إلا أن الشركة لن تتمكن من إنتاج سوى حوالي 600 صاروخ بحلول عام 2025، وهو رقم ضئيل مقارنة بآلاف الصواريخ الاعتراضية التي يُرجح أنه تم إطلاقها في الشرق الأوسط مؤخراً.

البدائل المطروحة وتكلفتها:

  1. منظومة “ثاد” (THAAD): تستخدمها السعودية والإمارات لاعتراض الصواريخ المتطورة خارج الغلاف الجوي، لكن تكلفتها باهظة جداً (12 مليون دولار للصاروخ) ولا تُستخدم ضد المسيرات.

  2. المقاتلات الجوية: تلجأ واشنطن لاستخدام طائرات حربية تطلق صواريخ دقيقة التوجيه بتكلفة تتراوح بين 20 إلى 30 ألف دولار، يُضاف إليها التكلفة العالية لتشغيل المقاتلات نفسها.

  3. أسلحة الليزر: تبرز الحاجة لأنظمة منخفضة التكلفة (مثل المدافع الآلية أو الليزر) لحماية المنشآت وتوفير الصواريخ الباهظة. ورغم تطوير إسرائيل لنظام “الشعاع الحديدي” (Iron Beam) الليزري، إلا أن الجيش الإسرائيلي أكد عدم دخوله الخدمة في هذا الصراع حتى الآن.

مآلات الصراع: نحو جمود تكتيكي

يحذر مطلعون من أنه في حال استمرار الكثافة النيرانية الإيرانية، فإن مخزونات صواريخ (PAC-3) في الشرق الأوسط قد تصل لمستويات حرجة خلال أيام.

ويختتم “أنكيت باندا”، الباحث البارز في مؤسسة “كارنيغي”، التقرير بقراءة المشهد قائلاً: “إذا تراجعت مخزونات الأسلحة الهجومية والدفاعية، فقد ندخل في حالة من الجمود. قد ينخفض مخزون إيران من المسيرات والصواريخ، لكن النظام سيتمكن من البقاء متماسكاً رغم الفوضى، وهي النتيجة الأكثر ترجيحاً بناءً على مجريات الساعات الستين الأولى من هذه الحرب”.

شارك المقال: