إبداع

الغريب صاحب حدوتة مصرية

قدم منصور لمنير نحو 35 أغنية خطت طريقا مختلفا للأغنية المصرية وانطلقت نحو أفق أرحب بعيدا عن الموضوعات التقليدية للحب والهجر والفراق دمجت بين المشاعر الإنسانية والعاطفية وحولت الطبيعة بمفرداتها المتنوعة إلى شريك فاعل في المشاعر

مشاركة:
حجم الخط:

ربما كان من حسن حظ جيل “عبد الرحيم منصور” أن كان الرابط بين الصحافة والثقافة أشد قوة وكان المشروع الثقافي من أهم عناصر قوة الدولة التي أدركت قيمة ودور الثقافة في تشكيل وعي مواطنيها. 

اكتشاف ومجيء إلى القاهرة 

لعب الكاتب الصحفي لويس جريس دورا مهما في اكتشاف كثير من المواهب الشعرية التي صارت فيما بعد من أعلام الشعر في مصر منذ نشر بمجلة صباح الخير،تحقيقا صحفيا تحت عنوان “المعذبون بالفن” جال خلاله بعض مدن الصعيد وواكتشف أثناء جولته الشاعر عبد الرحيم منصور، بقصائده العامية التي تحمل نظرة مختلفة وفلسفة عميقة لمفردات الكون.
اهتم الوسط الثقافي بالأصوات الشعرية الجديدة التي فرضت حضورها بقوة الموهبة وجدة الفكر والتعبير وانتقل عبد الرحيم منصور في ذلك الوقت من بلدته “دندرة”إلى القاهرة التي استقبلته فاتحة ذراعيها

بدأ مع نخبة من الشعراء الشباب آنذاك في تأكيد تواجدهم ومد جسور التواصل مع الجمهور فبثت الإذاعة قصائد ل”منصور”و مجدي نجيب وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب ووجدت قصائدهم طريقها للقلوب؛ بلغتها التي تجمع بين العمق والبساطة واستلهام التراث الشعبي بطرق مختلفة.
يمتاز بها كل شاعر عن قرينه كما أدت في كثير من الأحيان وظيفة اجتماعية بمعالجتها لقضايا تمس المواطن وتشتبك مع همومه .

جاء عبد الرحيم منصور إلى القاهرة متأخرا بضع سنوات عن عبد الرحمن الأبنودي الذي كان قد نال شهرة كبيرة آنذاك ونشأت بينهما حالة من عدم الارتياح استمرت حتى النهاية، ربما أسهم في ذلك إضافة للمنافسة في مجال الشعر إقدام “منصور” على الزواج من طليقة “الابنودي” فنانة تحريك العرائس “نعيمة”

وجد فيها المأوى في مستهل رحلته للقاهرة غريبا وحيدا ورغم أن الزواج لم يستمر طويلا استمرت حالة العداوة المكتومة بينه وبين الابنودي لكن تلك المشاعر السلبية لم تمنع صديقا مشتركا هو الشاعر الكبير أمل دنقل من استمرار صداقته بمنصور ومؤازرته في غربته.
كما كان الشاعر الكبير مجدي نجيب من أقرب الأصدقاء لقلب “عبد الرحيم” عرفه عن قرب وأحس بأثر يتمه المبكر الذي جعله يشعر بالأبوة تجاه أصدقائه رغم صغر سنه ويفيض حنانا وبراءة لم تنتقص منها المدينة شيئا وتحدث عنه في الكتاب الذي صدر عام 2001ضمن إصدارات مكتبة الأسرة بعنوان “من صندوق الموسيقى.. زمن الغناء الجميل”
وقال فيه “كان الشاعر عبد الرحيم منصور أحد الذين أضافوا إلى العامية الكثير من المفردات الخاصة ، سواء فى القصيدة أو غنائياته كان المجنون بالكلمات، وقد تقمص شاعرنا القديم قيس وبالطبع هو دائم الغناء لنفسه 

وسط الأصدقاء يعرف جيدا كيف يخطف نفسه من وسط الناس والزحام ويناجيها مثل الصوفى فى خلوته ، وكان فى نفس الوقت مثل العصفور الصغير الصامت الذي تعلم لغة التمرد! يكره النهار والنوم .. ولا يحب المنازل ، ويفضل الشوارع والسير على الأقدام مسافات طويلة، يكتب أشعاره وأغانيه على المقاهى ، ومن خلاله تعرفت على أماكن فى القاهرة لم أكن أعرفها أو سمعت بها.”

الرقص على الحصى

برغم كثرة المصاعب المادية في بداية الرحلة وجدت أشعار عبد الرحيم منصور طريقها لقلوب الجمهور الذي تلقاها مغناة بأصوات شهيرة عذبة وكان الملحن الكبير بليغ حمدي في مقدمة الداعمين لـ “منصور”والمؤمنين بتفرد إحساسه وقاموسه اللغوي.
وربما كان هذا الانتشار عبر الأغنية سببا وراء عدم حرص “عبد الرحيم” فيما بعد على نشر أشعاره في دواوين واكتفى بنشر ديوانه الأول “الرقص على الحصى- رباعيات الميلاد الحب الموت” الذي صدر في أواخر الستينات عن “مكتبة مدبولي” وكتب في مستهله إهداء مطولا لأمه يعترف فيه بدورها في تنشئته ابداعيا قال فيه: “إلى أمي بنت الشيخ اسماعيل الخلاوي من دندرة نجع الرد- بندر قنا، تعلمت على يديها الشعر فحينما كنت صغيرا كنت أجلس بجوارها وهي تخبز على نيران شجر السنط وأشعر أن الانشادات التي تقولها أمام النار كأنها نقش الفراعنة على المعابد القديمة وأن هذه الانشادات هي التي تطيب الخبز وليس شجر السنط”
ومن بين هذه الرباعيات:
عرفت عتبات بيوت لكن ما خطيتهاش
ودقت ياما الموت والقلب برضك عاش

مثل كل من عايش فترة الستينيات بأحلامها الكبيرة مثلت نكسة 1967 صدمة كبرى لعبد الرحيم منصور خاصة أنه كان من بين الشعراء الذين أبدعوا بغزارة إبان الحرب وتغنت بأشعاره الوطنية أهم الأصوات العربية مثل: عبد الحليم حافظ، وردة ، شادية، فايزة أحمد لكن سرعان ما أفاق عبد الرحيم من صدمته ، وظل يكتب طوال فترة حرب الاستنزاف ، حتى نصر أكتوبر 1973 محفزا بقلمه الهمم مؤكدا ايمانه بحتمية الانتصار واستعادة الأرض.
باسم الله ..الله أكبر
سطر عبد الرحيم منصور في تلك المرحلة مجموعة خالدة من الأغنيات الوطنية التي لاتزال تحرك المشاعر وتتسلل إلى الوجدان جيلا بعد جيل بمفرداتها الجديدة وطريقة معالجتها للقضية نفسها التي كتب عنها كل الشعراء ولكن من زاوية مختلفة تكشف عن المشاعر الصادقة أكثر مما تنتصر لصوت الهتاف وترى في الوطن الحبيبة والأم.
وكانت الأغنيات الأكثر نجاحا من بين 225 أغنية وطنية كتبها “منصور” تلك التي تجاورت فيها كلماته مع ألحان “بليغ” كاشفة عن لآليء إبداعية خالدة منها أغنية العبور “باسم الله .. الله اكبر” للمجموعة، “يا أم الصابرين” و”عبرنا الهزيمة” لشادية، “وأنا على الربابة باغني” لوردة و”قومى يامصر” لعبد الحليم حافظ وكلها أغنيات غارقة في الشجن والحماس والمحبة الصافية كتبت بإحساس صادق ضمن لها الخلود.
أما في ” أوبريت تمر حنة” للفنانة وردة وعزت العلايلى الذي لحنه ايضا بليغ حمدى فقد انتقل “منصور” لنوع آخر من الإبداع شارك فيه “بليغ” حلم تأسيس مسرح غنائى جديد للخروج من خندق الأغنية الفردية، كما كتب “منصور” لاحقا سيناريو فيلم الزمار للمخرج عاطف الطيب وكان كذلك يمثل تجربة جديدة استخدم فيها الشعر كعنصر رئيسي من عناصر الدراما السينمائية.
كتب عبد الرحيم منصور تقريبا لكل مطربي عصره فكتب لوردة 22 أغنية منها لو سألوك، بكرة يا حبيبي، سلام على الناس الحلوين، وكتب لأحمد منيب
وكتب لفايزة أحمد 6 أغنيات أشهرها “حبيبي يا متغرب”، وكتب لنجاة 8 أغنيات منها “سكة العاشقين”، ” بحلم معاك”، “أنا باعشق البحر”، وأربعة أغنيات لوليد توفيق أشهرها “انزل يا جميل في الساحة”.
وهناك مطربين آخرين لم يغنوا ل”منصور” الا أغنية أو أكثر لكنها تعد من بين أفضل ما شدوا به مثل الأغنية الوحيدة التي كتبها لصباح “ع الجسر العالي”، “يا عيني ع الصدف” لأنغام، “تسلم لي عيونه الحلوين” لهاني شاكر
حدوتة مصرية

برغم تميز ما كتبه “منصور” من أغنيات لكبار المطربين والمطربات إلا أن ثمة تجربتين شكلتا بصمة في تاريخ الغناء العربي وقد خرجتا متزامنتين تقريبا؛ الأولى مع المطربة عفاف راضي والثانية مع المطرب محمد منير
كان عبد الرحيم منصور من أوائل الذين آمنوا بموهبة منير وكان يشعر نحوه بأبوة فنية وانسانية واستطاع أن يقدمه كصوت مختلف تماما يحمل أصالة التراث النوبي وخصوصية في طريقة الغناء دعمتها كلمات منصور التي شق من خلالها طريقه نحو الأضواء .
قدم منصور لمنير نحو 35 أغنية خطت طريقا مختلفا للأغنية المصرية وانطلقت نحو أفق أرحب بعيدا عن الموضوعات التقليدية للحب والهجر والفراق دمجت بين المشاعر الإنسانية والعاطفية وحولت الطبيعة بمفرداتها المتنوعة إلى شريك فاعل في المشاعر التي ترصدها الأغنية فكتبت لتلك الأغنيات الخلود ومهدت الطريق أمام منير ليكون صاحب مشروع غنائي مختلف .

من أبدع ماكتب “منصور” لمنير: اتكلمى، أشكى لمين، افتح قلبك، أكلم القمر، الحقيقة والميلاد، الحياة للحياة، الرزق على الله، الكون كله بيدور، أمانه يا بحر، برئ، بنتولد، أمانه يا بحر، حاضر يا زهر، حدوتة مصرية، دنيا رايحة، دور ع الناس، هون يا ليل، هيلا هيلا، يا أماه، يا عذاب النفس، يا ليله عودي تاني، شجر الليمون، شمس المغيب، ضل الطريق، في عنيكي، فين الحقيقة يا خال، قمر الرحيل، قول للغريب، يا صبية، ع المدينة، عروسة النيل، عطشان، علموني عنيكي، عنيكى تحت القمر، مدى أيدك، مزامير.

الصوت الفيروزي

أما التجربة الثانية الأبرز في تاريخ “منصور” فهي الثنائي الذي شكله مع المطربة عفاف راضي وكان ثالثهما دوما الملحن المبدع بليغ حمدي الذي تبنى “عفاف “فنيا منذ كانت طالبة في الكونسرفتوار وقدمها لأول مرة عام 1970 في حفل عيد الربيع الذي أحياه عبد الحليم حافظ بأغنية من كلمات سيد مرسي هي “ردوا السلام” لكن الخطوات التالية لعفاف في الساحة الغنائية كان الصوت الشعري الأبرز فيها هو صوت عبد الرحيم منصور.
كتب “منصور” ل”عفاف” نحو 16 أغنية هي: أم الشهداء، المواني، المواويل، بالأحضان خدينا، تساهيل، تعالى جنبى، جرحتنى عيونه السودا، دورى بينا، يمكن على باله، يا حمام السلام، عشاق الليل، عطاشى، غنوة حب عربية، قضينا الليالى، لمين يا قمر، ليالى المسا”
وتعد عفاف راضي من أجمل الأصوات المصرية ذات الطابع الخاص نشأت في المحلة الكبرى ثم انتقلت مع عائلتها إلى القاهرة، ورشحها صوتها الرقيق للمشاركة في برامج الأطفال.

حالة وجودية

لوتأملنا الكلمات التي تغنت بها عفاف راضي ل”منصور” لوجدناها تطرق قضايا وحالات انسانية غير مألوفة في الأغنية العربية عموما والمصرية على وجه الخصوص وكأنها تثبت الزمن لتتعمق في لحظة إنسانية خاصة أو تتأمل حالة وجودية تشارك المستمع حيرتها وتساؤلاتها
يقول منصور بصوت عفاف راضي في أغنية”المواني” التي يرى أصدقاء “منصور” أنها تتحدث عنه شخصيا:

كله فى الموانى يابا آه على الموانى يابا

يا لقا الغريب على صدر الحبيب
يا شوق المسافر للمرسى القريب
يا وداع الصحاب وعودة اللى غاب
وفراق الأحباب وحيرة الأغراب
كله فى الموانى يابا آه على الموانى يابا

تجاهل إعلامي

الملفت أنه على الرغم من كثرة الأغنيات الشهيرة التي حملت بصمة خاصة لعبد الرحيم منصور لم ينل القدر الكافي من الحفاوة الإعلامية ربما لأن العمر لم يمهله فقد رحل في عام 1984عن عمر ناهز الثالثة والأربعين وربما لأنه لم يكن يجيد الترويج لنفسه ولأشعاره.

لكن الجهد الذي بذلته ابنة اخيه مي منصورفي جمع اشعاره وصدور اعماله الكاملة عن الهيئة العامة للكتاب مؤخرا رد لهذا المشروع الشعري المضيء بعضا مما يستحق من تكريم وتقدير لشاعر كبير عانى في صباه من اليتم وانطفأ نجمه على حين غرة تاركا من زيجته الثانية التي وجد فيها الاستقرار أخيرا ابنة وحيدة -“علياء”- ساندتها الأم حتى تخرجت في كلية الآداب وعينت بها معيدة لتفوقها الدراسي لكن المأساة اكتملت بعد وفاة الأم لتصاب “علياء” باكتئاب حاد ينتهي برحيل مباغت حزين مشابه لرحيل الأب.
وكأن الموت الذي فرض سطوته كثيرا على قصائد عبد الرحيم منصور فرض أيضا سطوته على حياته وحياة كل من أحب.

شارك المقال: