مقالات

السينما حكايات شعبية (3)

كل الصور المتحركة هي سينما بشكل ما وتحتوي علي دراما وايقاع حتي لو كانت نشرة اخبار تليفزيونية طالما هي صور متحركة مع احداث درامية سوي كانت مقصودة او عفوية تسجيلية او روائية من الخيال

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم : سرحانوف
يعجبه خاتمي رغم ان اصبعي يشير الي القمر

سوف تظل السينما دوما هي كل الموجودات المحيطة بنا السينما هي الموسيقي والشوارع والعمارات والاداء التمثيلي والمونتاج والتاريخ والجغرافيا واحاديثنا الصغيرة وطريقة حبنا ونفورنا والجدال ومعرضا للموضة وقصات الشعر وحتي اصبحت منبعا لبعض المصطلحات واللغة الشعبية في الشوارع، بل السينما صارت احدث فروع الفلسفة علي الاطلاق هذا الاختراع الفيزيائي الميكانيكي الرائع والذي نسميه سينما يحوي في داخله قانونه و في كل صورة فنية يقدمها ويعرضها بغض النظر عن اين وكيفية العرض.

دعنا نتفق مرحليا علي ان كل الصور المتحركة هي سينما بشكل ما وتحتوي علي دراما وايقاع حتي لو كانت نشرة اخبار تليفزيونية طالما هي صور متحركة مع احداث درامية سوي كانت مقصودة او عفوية تسجيلية او روائية من الخيال، ويتحكم في افلمة الحواديت التاريخية والمحتوي الفيلمي دائما صاحب رأس مال المنتج ومالكه الفني فقط وعلينا كجمهور ونقاد وفنانين قبوله او رفضه.
ايضا لنتفق علي ان كل محتوي مرئي هو في الاصل سيناريو تم ابداعه ليخدم غرضا ما حتي لو كان هذا الغرض اقتصادي عن طريق شباك التذاكر او الاعلانات اوغرضه الارشاد السياسي اذا قامت الحكومات علي بث محتوى ما في هذا الاطار الفني (الامثلة كثيرة في الدراما التليفزيونية)
علي جانب هام صنع تقابل السينما والتاريخ ثنائية تتوازي وهي تجمع بين الفكر والجمال من جهة ومتعة الفرجة من ناحية اخرى,اذ يشكل الفيلم التاريخي سواء كان يحكي عن عصر الماموث والديناصور او من عصرنا الذي نعيشه ، فقد شكلت الحواديت التاريخية مصدرا مهما لمبدعي السينما .وفي المقابل جذبت السينما المؤرخون من حيث اصبحت مصدرا ومرجعا تاريخيا لبعض الاحداث خاصا الافلام التي راعت في ابداعها عدم الشطط الدرامي وحافظت من وجهة نظر جماعية علي اتفاق تاريخي قليل الاختلاف في جوانبه التسجيلية مهما كان المحتوي.

لكن هناك ناقد ومشاهد يبحث كلاهما عن لحظات متعة في تصيد الاخطاء التاريخية عند عرض الفيلم متباهيا بقوة ملاحظته ومعلوماته التاريخية ساخرا من جهل صانعو الفيلم متناسيا ان هناك وجهات نظر اخرى لاتتفق مع التاريخ اصلا قبل ان تختلف مع معلومات هذا المشاهد الناقد الذي توقف عند نقطة او اثنين ولم يلحظ مثلا فنية التصوير او الاداء الفني العام بالفيلم،
فمثلا الكثيرين عكفوا علي تصيد افلام تاريخية بعينها مثل ما حدث مع افلام المصرى يوسف شاهين وخاصة فيلم الناصر صلاح الدين – اتفق الكثيرين واختلفوا حول بعض الاحداث والشخصيات وهاجوا وماجوا ولم يشير مرة واحدة هؤلاء المختلفون الي الممثل( حمدي غيث ) الذي ادي دور ريتشارد الاول ملك انجلترا الشهير بريتشارد قلب الاسد ظهر الممثل حمدي غيث بملامح كفار قريش في الافلام الدينية العربية الشهيرة (واسلاماه .. والشيماء كمثال ) وحتي مال الاداء التمثيلي الي نفس الحال من التفخيم والمبالغة في الاداء.

الممثل غيث اسمر عريض طويل وصوته مسرحي جدا وسنه اكبر من عمر ريتشارد قلب الاسد الذي قاد الحملة شابا فتوة في سن الثلاثين عيونه زرقاء كما عشيرته الانجلوسكسونية، اليس هذا عنصرا خاطئ يجب ان يتم النظر اليه ؟

لكن في الحقيقة هذا الاداء وهذه التركيبة التي ظهر عليها حمدي غيث من حيث الاداء والشكل عمقت الشعور بالرفض لشخصية ريتشارد وانحياز المشاهد التام ناحية الشخصية الاخرى بطل الحكاية صلاح الدين ( احمد مظهر )

اذن كانت هناك ضرورة درامية في اختيار الممثل الكبير حمدي غيث وقد اجاد فعلا، فالضرورة الدرامية بالاضافة لصاحب الملكية الفكرية يتحتم معها كسر الواقع التاريخي لصالح البعد الدرامي والخلق الفني الذي وصفه الفيلسوف هيجل بانه ليس الهاما بل يرى أن الخلق الفني هو ضرب من ضروب التفكير ولكن تفكيرا لا يستند إلى المفاهيم بل إلى الأشكال والخطوط والألوان، شخصيا اميل الي هيجل والي الضرورة الدرامية ولا اميل الي متصيد الهنات التاريخية من وجهة نظره فهو مثل الذي اشير له علي القمر فيصمم ان ينظر الي اصبعي مبتسما ومعجبا بخاتمي .

في السينما العالمية هناك افلام تاريخية في منتهي الرقة والجمال الفني والابداع السينمائي ولكنها بها كما احب ان اسميها مطبات درامية ملحة لتغيير حدث تاريخي لصالح التأثير الدرامي مثل فيلم القلب الشجاع – ميل جيبسون – والمصارع – راسل كرو –فمثلا في فيلم المصارع أتخيل أن الاغلبية المهتمة قد شاهدوه، احداثه زمنيا في عهد الإمبراطور أوريليوس وابنه كومودوس (القرن 2 الميلادي).

يحتوي هذا الفيلم على العديد من الأخطاء الرئيسية في البداية نرى عينة من معركة فيندوبونا ، صراع لم يحدث أبدا هذه المعركة يقال انها لم تحدث اصلا، خطأ كبير آخر في الفيلم ،حيث يقتل كومودوس الابن والده بوسادة في مشهد رائع من الممثل جواكين فينيكس علي مراي من اعضاء البلاط الأباطرة او علي علم بما يحدث ومع ذلك ، هذا خاطئ تماما ، لأن الملك مات بالفعل بسبب الجدري (على الرغم من أن مصادر أخرى تدعي أن وفاته كانت بسبب تناول تفاحة سيئة.

الفيلم الثاني الذي أود تسليط الضوء عليه هو القلب الشجاع ، ويحكي قصة البطل الاسكتلندي وليام والاس ، الذي شارك في حرب الاستقلال الاسكتلندية الأولى في القرن ال 13.

نرى في بداية الفيلم منطقة من اسكتلندا كانت تحت الحكم الإنجليزي لسنوات عديدة ، على الرغم من أن هذا ليس صحيحا وهذه حكاية اخرى ، يتم تصوير بطل الفيلم على أنه صبي فقير ، ابن فلاحين بالكاد لديهم ما يكفي من الطعام.

مع ذلك تشير المصادر إلى أن ويليام والاس كان ابن أحد النبلاء ، لذلك لم يعاني من أي من المصاعب التي تم تصويرها في الفيلم. كما أن تصويره النفسي مغشوش ، حيث يظهر كشخصية ذات أخلاق لا يرقى إليها الشك ، شخصية لا تريد أكثر من أن تعيش كفلاح متواضع. ومع ذلك ، تشير المصادر إلى أن والاس لم يكن جيدا كما تم تصويره في الفيلم.

حتى أنه يشتبه في أنه قاتل في ويلز كمرتزق للإنجليز، وهناك ايضا كاخطاء اخرى كما يحب ان يسميها المتصيد دون النظر للجودة الدرامية والفنية ومتعة الفرجة وانتعاش التطهر كما قال ارسطو عن فعل الفن فينا انظر الي القمر في لوحة ابداع الخالق الاكبر واترك اصبعي وخاتمي، فقد قاتلنا بعضنا البعض كثيرا وافترقنا وتخاصمنا حول تعريف الفن

فيلم الهروب الكبير إنتاج 1963

هل هو فن للفن؟ ام فن للمجتمع؟ ولكننا اجتمعنا في صالة السينما ولفنا الظلام واخذتنا الدهشة والوجد وغصنا في حالة الايحاء الفني وسالت منا في لحظات الانتشاء بالجمال الفني مياه كل النظريات الفنية التي دخلنا بها الفيلم وعندما افقنا من نشوة السينما اختلفنا كفريقين مرة اخرى، من يضمن التاريخ الحقيقي، فلتفعل الدراما السينمائية بوعيها الفني ما تشاء طالما انتجت جمالا فنيا راقيا.

فن السينما اصبح وسيلة تعريف الجماهير علي شخوص واحداث وقطع موسيقية وروايات واعمال فنية وضروب العمران والتاريخ والجغرافيا والفلسفة ولذلك سوف تبقي الدراما والسينما بشكل خاص بابا مفتوحاً لتاريخ أشخاص مميزين – وآخرين أقل تميّزاً أيضاً – قدَّمتهم السينما وأعادتهم إلى الحياة، معيدة قضاياهم نفسها إلى الواجهة، فالسينما عرفت كيف تحيي على شاشاتها، شخصيات ربما من دون السينما كانت ستصبح كما العدم لولا ما يمكن ان نسميه افلمة الحكايات والتاريخ كما شاءت الضرورة الفنية،

شارك المقال: