من محراب القلب والحجر (2)
ندما زار السلطان العثماني السلطان عبد العزيز مدينة الإسكندرية عام 1863م، كان في استقباله استقبالًا حافلًا من الوالي آنذاك إسماعيل باشا (قبل حصوله على لقب الخديوي).* زار السلطان القاهرة، وصلى في مسجد محمد علي بالقلعة

في رحاب بيوت الله، حيث يلتقي الحجر بالإيمان، وتتناغم العمارة مع الروح، نقترب اليوم من مسجدٍ سطّر التاريخ بين جدرانه، وجعل من محرابه قبلة علمٍ وعبادة… لنقرأ أثره بعين الباحث، ونستشعر نوره بقلب المؤمن.”
المسجد الذي أُقيم على رفات الموت .. مسجد العظام بالعتبة
في قلب القاهرة، وعلى مقربة من ميدان العتبة الخضراء، يقف مسجدٌ بلا قبة شاهقة ولا مئذنة مهيبة، لكنه يحمل بين جدرانه قصة من أغرب قصص مساجد القاهرة… إنه مسجد العظام.
وفي ليالي رمضان، حين تمتلئ العتبة بالحركة، وتتلألأ الأنوار فوق المحال، وتختلط أصوات الباعة بنداءات المصلين، تشعر أن المكان صفحة من تاريخٍ حيّ، وأن هذا المسجد الصغير يقف كقلبٍ نابض وسط صخب الحياة.

الحكاية السياسية التي غيّرت ملامح المكان
عندما زار السلطان العثماني السلطان عبد العزيز مدينة الإسكندرية عام 1863م، كان في استقباله استقبالًا حافلًا من الوالي آنذاك إسماعيل باشا (قبل حصوله على لقب الخديوي).
* زار السلطان القاهرة، وصلى في مسجد محمد علي بالقلعة، وجال في الأهرامات، واستمرت الزيارة نحو أحد عشر يومًا، أظهرت فيها مصر مظاهر الاحتفاء والعظمة.
وبعد مرور عام تقريبًا، أنعم السلطان عبد العزيز على إسماعيل بلقب الخديوي، وهو لقب منح صاحبه قدرًا أكبر من الاستقلال الإداري والسياسي عن الباب العالي.
وتخليدًا لهذه الزيارة، أمر الخديوي إسماعيل بشق شارع واسع يمتد من ميدان العتبة إلى قصر عابدين، وحمل الشارع اسم السلطان عبد العزيز (شارع عبد العزيز).
* لكن المنطقة كانت آنذاك مقابر قديمة…
ولم يكن من اللائق أن يكون الشارع المُهدى إلى السلطان محفوفًا بشواهد القبور، فأُزيلت المدافن، وجُمعت الرفات والعظام، ودُفنت في موضع واحد، ثم أُقيم مسجد فوقها.
ومن هنا جاء الاسم الشعبي الذي لازمه حتى اليوم: (مسجد العظام).
رواية أخرى للاسم
تذكر رواية شعبية أن المسجد كان يُعرف باسم مسجد سيدي عبد القادر، وكان به ضريح لأحد الأولياء، ومع توسع العمران كان الأهالي يعثرون على هياكل عظمية أثناء البناء، فيتم جمعها ودفنها داخل نطاق المسجد، حتى غلب عليه اسم “مسجد العظام”.
ومهما اختلفت الروايات، يبقى أن المكان تحوّل من أرض مقابر إلى بيت من بيوت الله.

العمارة بين الثبات والتجديد
▪ من الخارج :–
واجهة حجرية بطابع أثري واضح، جدرانها متراصة في نظام معماري بسيط لكنه مهيب، يعكس روح عمارة القرن التاسع عشر في القاهرة.
▪ من الداخل:–
الداخل يغلب عليه الطابع الحديث نتيجة أعمال الصيانة المتكررة
– منبر من الرخام الأبيض مدمج بالحائط.
– محراب رخامي بزخارف هندسية.
ويرجّح أن وجود المسجد داخل منطقة تجارية نشطة — خاصة شارع عبد العزيز الذي تحوّل إلى مركز كبير لتجارة الهواتف المحمولة — جعل التجار يحرصون على تجديده وصيانته باستمرار، فاختفت كثير من ملامحه القديمة من الداخل، بينما بقي الخارج محتفظًا بطابعه التاريخي.
روح المكان في رمضان
في رمضان، حين تمشي من ميدان العتبة الخضراء بعد الإفطار، والأنوار تتدلى فوق الرؤوس، ورائحة القطائف والكنافة تملأ الأجواء، ثم تدخل هذا المسجد الصغير…
تشعر أنك تعبر فجأة من ضجيج الدنيا إلى سكينة الآخرة.
تفكر أن تحت قدميك رفات أناسٍ عاشوا هنا يومًا ما،
وأن المكان الذي كان صامتًا بالموت،
صار عامرًا بالحياة والذكر.
هنا يتجلى المعنى العميق:
أن الله يحيي الأرض بعد موتها…
وأن بيوت الله قد تُقام فوق العظام،
لكنها تُشيَّد لتُحيي القلوب.

مسجد العظام ليس مجرد مسجد بلا قبة شاهقة أو مئذنة عالية
بل هو شاهد على تحوّل المكان من مدافن إلى محراب،
ومن صمتٍ إلى أذان، ومن تاريخٍ منسيّ إلى ذاكرةٍ نابضة في قلب القاهرة.–
اللهم احفظ مصر بحفظك، واكلأها بعين عنايتك التي لا تنام،
اللهم اجعلها آمنةً مطمئنةً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم بارك في أهلها الطيبين، وفي قلوبهم العامرة بالإيمان، وفي أيديهم الساعية للرزق بالحلال.
اللهم كما أحييت هذه الأرض بعد موتها، فأحيِ فينا روح الطمأنينة، وأدم علينا نعمة الأمن،
وارفع عن بلادنا كل سوء وبلاء.
اللهم اجعل ليالي رمضان في مصر نورًا ورحمةً ومغفرة،
واكتب لها دوام العزة والاستقرار إلى يوم الدين






