ملف تحليلي: ليبيا بين الدولة والفراغ (8)
على الساحل، تنطلق قوارب الهجرة , ليبيا أصبحت نقطة عبور رئيسية نحو أوروبا , مهاجرون يهربون من جحيم آخر، فيجدون أنفسهم بين البحر ومراكز احتجاز

هجرة غير شرعية كانت تزداد من ليبيا هربا من الانقسام
الكواش مواطن ليبي خمسيني انهكته الحروب كان يقف منذ السادسة صباحًا أمام المصرف , لم يكن يريد قرضًا، ولا استثمارًا، ولا تحويلًا خارجيًا , كان يريد راتبه فقط , في الطابور، لا أحد يتحدث عن مجلس النواب، ولا عن مسار جنيف، ولا عن لجنة 5+5 , الحديث يدور حول سؤال واحد: هل ستتوفر السيولة اليوم؟
خلف أبواب المصرف المركزي، تتقاطع السياسة بالاقتصاد، لكن أمام الشباك، يقف الناس بوجوه متعبة، يحملون بطاقاتهم المصرفية كأنها بطاقات نجاة.
هذه هي ليبيا بعد الحرب، بلد نفطي يعيش أزمة سيولة،بلد يملك احتياطات ضخمة، لكن مواطنيه ينتظرون أموالهم في طوابير.

طرابلس… مدينة بين حكومتين
بعد وقف إطلاق النار عام 2020، لم تعد طرابلس إلى حياتها الطبيعية، بل دخلت مرحلة إدارة التوازنات , حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج خرجت من الحرب منهكة .. ثم جاء مسار جنيف، وولدت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في 2021، بوعد الانتخابات.

لفترة قصيرة، بدا المشهد وكأنه يستعيد بعض التماسك: رحلات جوية تعود، مشاريع تعلن، لقاءات دولية تنعقد , لكن الانتخابات لم تُجرَ .. الخلافات حول القوانين، شروط الترشح، صلاحيات المؤسسات، فجّرت التفاهم الهش.
البرلمان في الشرق كلف حكومة موازية، ثم تعاقبت تسميات وتكليفات. . طرابلس عادت إلى وضع الحكومتين، لا عبر حرب شاملة، بل عبر صراع بارد، يتخلله اشتباك مفاجئ هنا وهناك.
العاصمة لم تعد تُقصف بالطائرات، لكنها تُدار بتوازنات مسلحة
المصرف المركزي… حين انقسم المال كما انقسمت البلاد
من أخطر تجليات الانقسام كان انقسام المصرف المركزي بين طرابلس والبيضاء منذ 2014.
شرق يدير ميزانيته، وغرب يدير احتياطاته، ومؤسسة مالية يفترض أن تكون عمود الدولة صارت جزءًا من الصراع , تقارير دولية تحدثت عن إنفاق مزدوج، ديون متراكمة، واتهامات متبادلة بإساءة استخدام الأموال العامة.
النفط يُضخ من الجنوب والشرق، لكن العائدات تُدار من طرابلس، والتوزيع يتحول إلى أداة ضغط سياسي , في الخلفية، تتراكم الأرقام، وفي الأمام، يتراكم الغضب الشعبي.
الكواش الذي يقف في طابور المصرف لا يعنيه الانقسام المؤسسي، يعنيه أن راتبه يتأخر، وأن الأسعار ترتفع، وأن الكهرباء تنقطع، الاقتصاد لم يعد مجرد ملف مالي، بل صار ساحة معركة موازية.
سيف الإسلام… حين يعود الماضي من بوابة الاقتصاد والسياسة
في هذا المناخ، عاد اسم سيف الإسلام القذافي في 2021. ترشحه لم يكن حدثًا معزولًا، بل نتيجة منطقية لحالة الانسداد , في بلدٍ انقسم مصرفه المركزي، وتعاقبت حكوماته، وتعطلت انتخاباته،يصبح الماضي خيارًا نفسيًا .. هناك من رأى في سيف الإسلام رمزًا للدولة المركزية التي كانت قادرة على إدارة المال والقرار.

وهناك من رآه استدعاءً لمرحلة لا يمكن العودة إليها دون عدالة.
لكن الأهم أن ظهوره كشف شيئًا أعمق: فشل النخبة الجديدة في إنتاج بديل مقنع , حين يفشل الحاضر اقتصاديًا وسياسيًا، يعود الماضي ولو كظل.
مصر والإمارات معادلة الحسم
في هذا المشهد، لم تكن ليبيا وحدها،مصر التي تنظر إلى شرق ليبيا كعمق استراتيجي، دعمت معسكر الشرق سياسيًا وعسكريًا منذ 2014 , الحدود الطويلة بين البلدين جعلت الملف الليبي ملفًا أمنيًا مباشرًا للقاهرة.
الإمارات كذلك دعمت رؤية الحسم العسكري، معتبرة أن استقرار ليبيا يمر عبر إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة , لكن على الأرض، كل تدخل خارجي كان يعني تعقيدًا إضافيًا.
القرار الليبي لم يعد خالصًا، والسيادة أصبحت موضوع تفاوض دائم.
اغتيالات في الظل .. في بنغازي، في طرابلس، وفي مدن أخرى، تكررت الاغتيالات .. قاضٍ يُقتل في وضح النهار .. ناشط يُختطف ولا يعود .. ضابط يُستهدف بعبوة ناسفة. .الرسالة كانت واضحة:لا أحد خارج دائرة الخطر .. الخوف صار ثقافة يومية .. الناس يتحدثون همسًا، ويختارون كلماتهم بحذر.
المقابر الجماعية… ذاكرة لم تُغلق
ترهونة كشفت عن وجه آخر للصراع , مقابر جماعية، جثامين مجهولة، وعائلات تنتظر الحقيقة .. ليبيا لم تُنجز مصالحتها مع ماضيها , والعدالة الانتقالية ما زالت شعارًا أكثر منها واقعًا.

البحر… الوجه الآخر للأزمة
على الساحل، تنطلق قوارب الهجرة , ليبيا أصبحت نقطة عبور رئيسية نحو أوروبا , مهاجرون يهربون من جحيم آخر، فيجدون أنفسهم بين البحر ومراكز احتجاز .. الاتحاد الأوروبي ينظر إلى ليبيا كحاجز أمام موجات الهجرة , لكن المأساة الإنسانية تتكرر كل عام .. وفي مشهد أكثر إيلامًا، بدأ بعض الشباب الليبي نفسه يفكر في الرحيل.

الخلاصة قبل الحلقة التاسعة
ليبيا اليوم ليست فقط بلدًا منقسمًا سياسيًا , بل بلدًا منقسمًا ماليًا، نفسيًا، ومؤسساتيًا.
حكومتان، مصرفان، ذاكرتان، وتدخلات خارجية متشابكة.
والسؤال لم يعد: من يحكم؟ بل: من يملك القدرة على إعادة بناء الدولة؟
هل يمكن توحيد المصرف المركزي قبل توحيد الجيش؟
هل يُصلح الاقتصاد ما أفسدته السياسة؟
وهل يمكن إجراء انتخابات في ظل انقسام مالي ومؤسسي؟
ومتى يتوقف الليبي عن الوقوف في الطابور؟
في الحلقة التاسعة، سندخل إلى قلب المعادلة الاقتصادية:
النفط، الاحتياطي النقدي، سعر الصرف، والديون… وكيف تحدد هذه الأرقام مصير الدولة.؟
القصة الآن لم تعد فقط عن الحرب
بل عن من يملك مفاتيح الخزائن.؟






