معصوم مرزوق يكتب: مساحة المناورة المفقودة
إن الحكومتين عزيا أنفسهما بإعتقاد أنه إذا لم تحقق المنحة الأصلية غرضها في إستمالة عبد الناصر، فأن المرحلة التالية سوف تجعل مصر معتمدة ماليا بشكل أساسي عليهما

جمال عبد الناصر (وسائل التواصل)
كانت مصر تتنفس آنذاك هواء جديدا ، بعد أن أبرمت أخيرا إتفاقية الجلاء التي أفنت أجيالا من الدبلوماسيين المصريين
وفي كتابه ( الدبلوماسية ) كتب كيسنجر مفسرا الموقف الأولي الذي اتخذته كل من أمريكا وبريطانيا في عرض تمويل بناء السد العالي في مصر ، وقال :
” لقد كان قرارا عجيبا ، أن تقوم الحكومتان بإلتزام بمشروع ضخم، رغم أنهما كانا يفضلان خلع عبد الناصر من حكم مصر، خاصة بعد إزدياد تعميق علاقاته مع الإتحاد السوفييتي “
قال : “إن الحكومتين عزيا أنفسهما بإعتقاد أنه إذا لم تحقق المنحة الأصلية غرضها في إستمالة عبد الناصر، فأن المرحلة التالية سوف تجعل مصر معتمدة ماليا بشكل أساسي عليهما ، بنفس ما حدث عند بناء قناة السويس وما تسببت فيه من سيطرة الغرب ماليا علي مصر طيلة القرن التاسع عشر ”
معصوم مرزوق يكتب: لماذا هزمتنا إسرائيل ؟
معصوم مرزوق يكتب: هل تقترب الحرب من مصر ؟
أن عبد الناصر لم ينخدع بإغراء منحة التمويل السخي
وكدارس ( ومدرس) للإستراتيجية، بدأ يناور بمهارة ، فهو يعرف أن إقترابهما ليس نوعا من غزل طارئ ألم بهما، وإنما محاولة لإبعاده عن مواصلة خطه التحرري سواء في عدم الإنحياز، أو التسلح، أو تطوير العلاقات مع السوفييت، أو دعم حركات التحرر.
وبالتالي بدأ ناصر يلاعبهم بطريقته بالتفاوض الشرس لتخفيف الشروط المالية للقرض، وفي وعيه التاريخي مآساة بلاده التي ترتبت علي قروض مشابهة في عصر إسماعيل، ورفض محاولات واشنطن لدفعه إلي سلام بشروط إسرائيلية، وعرض عليهم شروطه وهي إنسحاب إسرائيل من صحراء النقب كي يستعيد التواصل بين شرق وغرب العالم العربي، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلي مدنهم وقراهم . . إلخ .
وفي نفس الوقت واصل ناصر مهاجمة حلف بغداد ، مما أدي إلي فشل بريطانيا في ضم الأردن إليه، حين انتفض الشعب الاردني هاتفا بشعارات ناصر، فتراجع الملك حسين، بل واضطر تحت الضغط الشعبي أن يطرد القائد الإنجليزي للجيش الأردني جلوب باشا في مارس 1956.
وفي 16 مايو 1956 يقوم ناصر بسحب إعتراف مصر بحكومة شيانج كاي شيك، وينشئ علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية، مما أثار حفيظة وزير الخارجية الأمريكي فوستر دالاس، وفي شهر يونيو وصل إلي القاهرة وزير خارجية السوفييت الجديد ديمتري شبيلوف وقدم عرضا سوفييتيا ليس فقط لتمويل السد، وإنما أيضا لبنائه.
وعلق كيسنجر علي مناورات ناصر أنه كان يمارس بنجاح هوايته المفضلة في ضرب القوي العظمي في بعضها البعض.
لذلك قرر دالاس ……..،. ………، …..
(فصل ما قبل الإنفجار / كتابي -تحت الطبع-” دبلوماسية السويس “)






