معركة التجنيد تضع إسرائيل أمام خطر “انهيار” تشكيلات الاحتياط
في وقت يمر فيه الجيش الإسرائيلي بأحد أشد المآزق البنيوية في تاريخه جراء النقص الحاد في القوى البشرية واستنزاف قوات الاحتياط.

صورة تعبيرية للتقرير
القدس المحتلة: آخر الكلام
تجاوزت أزمة تجنيد اليهود الأرثوذكس (الحريديم) في إسرائيل حدود الجدل السياسي داخل ردهات الكنيست، لتتحول إلى مواجهات ميدانية عنيفة في الشوارع.
وجاءت أحداث ليل الأحد – الاثنين في مدينة “بيت شيمش”، غربي القدس المحتلة، لتسلط الضوء على عمق الانقسام الاجتماعي والسياسي.
في وقت يمر فيه الجيش الإسرائيلي بأحد أشد المآزق البنيوية في تاريخه جراء النقص الحاد في القوى البشرية واستنزاف قوات الاحتياط.
تجميد المفاوضات الإيرانية الأمريكية يهدد ببركان إقليمي
ليلة ساخنة في “بيت شيمش”: اقتحام وتخريب
بدأ المشهد الساخن بعدما أوقفت الشرطة العسكرية شاباً ينتمي إلى الطائفة الحريدية لكونه مطلوباً للتجنيد الإلزامي ومدرجاً كفارّ من الخدمة.
ولم تمضِ ساعات قليلة على احتجازه حتى تدفق عشرات المحتجين الغاضبين من الحريديم نحو مركز الشرطة المحلي في مدينة “بيت شيمش” حيث نُقل المشتبه به بدايةً.
تطورت التظاهرة سريعاً إلى أعمال شغب عنيفة، حيث تمكن المحتجون من اقتحام الساحة الخارجية لمركز الشرطة.
وعمدوا إلى إشعال النيران في الأحراش والمزروعات المحيطة بالمبنى كخطوة تصعيدية. وأمام هذا التهديد المباشر للمنشأة الأمنية، استنفرت قيادة الشرطة قواتها والدعم التابع لحرس الحدود.
واستخدمت القوات الأمنية الهراوات وقنابل الصوت بشكل مكثف لصد الحشود وتفريقهم، وهي العمليات التي امتدت إلى الشوارع والأحياء السكنية المجاورة عقب استعادة السيطرة على محيط المركز.
وأكدت الشرطة الإسرائيلية في بيان رسمي أن الحادثة مثلت “إخلالاً عنيفاً بالنظام العام وتخريباً متعمداً” مشيرة إلى أن قائد منطقة “تسيون”، شلومي باخر، انتقل إلى الموقع لإدارة الحدث ميدانياً والسيطرة على الحرائق.
مناورات سياسية وروايات متناقضة
عكست الكواليس السياسية المرتبطة بالحدث حالة من التخبط، إذ أعلن “الفصيل المقدسي” -وهو الجماعة الحريدية الأكثر راديكالية والمحركة للاحتجاجات- عن تأجيل تظاهرات حاشدة كانت مقررة في البلاد لمدة 24 ساعة.
وبرر الفصيل هذا التراجع المفاجئ بوجود “قنوات اتصال متقدمة ومفاوضات جارية مع السلطات العسكرية الإسرائيلية” تهدف إلى الإفراج عن المعتقلين من طلاب المعاهد الدينية مقابل تهدئة الشارع.
لكن هذه الرواية جوبهت بنفي قاطع ومباشر من المؤسسة العسكرية.
فنقلت الصحافة العبرية، وفي مقدمتها صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن متحدث باسم الجيش قوله:
“خلافاً لما يتم تداوله من شائعات، لا توجد أي مفاوضات أو اتصالات مع أي جهة بشأن الإفراج عن الفارين من الخدمة العسكرية أو المتهربين المحتجزين داخل السجون العسكرية”
هذا التناقض يشير بوضوح إلى رغبة القيادات الدينية الحريدية في كسب الوقت، وممارسة أقصى درجات الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو لإنقاذ الائتلاف الحاكم من التفكك، خاصة أن الشركاء الحريديم يهددون علناً بإسقاط الحكومة إذا فُرض التجنيد قسراً.
الاستنزاف العسكري: أزمة قوى عاملة وعجز الاحتياط
تأتي هذه الاضطرابات الميدانية في توقيت بالغ الحرج للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
ووفقاً للبيانات الرسمية الأخيرة الصادرة عن شعبة القوى البشرية في الجيش والمنشورة أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست.
يواجه جيش الاحتلال عجزاً بشرياً حاداً يُقدّر بنحو 12,000 جندي في الخدمة الإلزامية من بينهم ما بين 6,000 إلى 7,500 جندي مقاتل في الوحدات الأمامية (المشاة، والمدرعات، والهندسة)
تتجلى أزمة الاستنزاف غير المسبوقة في صفوف قوات الاحتلال من خلال تضاعف عبء الخدمة على جنود الاحتياط الذين باتوا يخدمون ما بين 80 إلى 100 يوم سنوياً بدلاً من التخطيط الأصلي البالغ 55 يوماً فقط.
وهو ما يترتب عليه إنهاك بدني ونفسي حاد إلى جانب أضرار اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق، في وقت يعاني فيه الجيش من عجز بشري حاد يبلغ حالياً 12 ألف جندي في الخدمة الإلزامية.
مما يتسبب في تقلص حجم السرايا القتالية وضغط عملياتي مستمر بلا فترات تدريب، وسط مؤشرات خطيرة تؤكد أن هذا العجز البشري مرشح للارتفاع ليصل إلى 17 ألف جندي.
مما يهدد بـ “انهيار حقيقي في تشكيلات الاحتياط” بحلول عام 2027 في حال تم تقليص مدة الخدمة إلى 30 شهراً.
أمام هذا الاستنزاف غير المسبوق لقوات الاحتياط، أصبح إعفاء نحو 80,000 شاب حريدي (في سن التجنيد من 18 إلى 24 عاماً) من الخدمة بمثابة مستفز للمجتمع العسكري والعلماني في إسرائيل
حيث يرى جنود الاحتياط أنهم يدفعون ثمن الحرب بدمائهم واقتصادهم بينما تُعفى طائفة كاملة لأسباب سياسية ودينية.
محاولات الاحتواء الأمنية والمهادنة السياسية
لتفادي الصدام الشامل مع المجتمع الحريدي، بدأت القيادة العامة للشرطة الإسرائيلية بتبني سياسات مهادنة أثارت غضب الأوساط العلمانية.
وكشف المتحدث باسم الشرطة، شبتاي غربرتشيك، أن المفتش العام للشرطة، داني ليفي، عقد اجتماعاً لتقييم الأوضاع أصدر إثره توجيهات استثنائية تؤدي عملياً إلى “شرعنة” التغاضي عن القانون.
تقضي هذه التعليمات بعدم توقيف أي مطلوب حريدي للخدمة العسكرية إذا دخل مركزاً للشرطة لتقديم شكوى جنائية أو معاملات مدنية، وذلك تحت لافتة “ضمان الحق في الحصول على خدمات شرطية لائقة”
وتعكس هذه الخطوة حجم المعضلة؛ فالشرطة تفضل غض الطرف عن القانون على أن تخاطر بتوقيف مطلوب حريدي يتسبب في إشعال تظاهرات عنيفة كتلك التي شهدتها “بيت شيمش”.
الانسداد السياسي والكنيست على صفيح ساخن
تتزامن هذه التطورات الميدانية مع ذروة التصعيد السياسي؛ حيث صوت الكنيست بالقراءة التمهيدية على حل نفسه وسط سباق محموم لإقرار قوانين الموازنة والدعم المالي.
وتجد حكومة نتنياهو نفسها محاصرة بين فكي كماشة: ضغط قادة الجيش والمجتمع العلماني الذين يطالبون بتجنيد الحريديم فوراً لسد عجز القوات والاحتياط، وبين تهديدات الأحزاب الدينية بالانسحاب وتفكيك الائتلاف إذا أُجبر طلاب المدارس الدينية على ارتداء الزي العسكري.
إن أحداث “بيت شيمش” ليست سوى عَرَض سطحي لأزمة بنيوية عميقة تضرب أساس “جيش الشعب” الإسرائيلي وتضعه أمام معضلة وجودية غير مسبوقة.





