مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: سيادة المعنى القاتل

ليست المسألة في ما إذا كانت الضربات على إيران تمهد لإنزالٍ أو لخطابٍ سياسيٍ، بل في أن هذا السؤال نفسه يعكس فهما قديما للحرب لم يعد قائما.

مشاركة:
حجم الخط:

ليست المسألة في ما إذا كانت الضربات على إيران تمهد لإنزالٍ أو لخطابٍ سياسيٍ، بل في أن هذا السؤال نفسه يعكس فهما قديما للحرب لم يعد قائما. ما يجري الآن يتجاوز فكرة “العملية” نحو مستوى أعمق، حيث تتحول الحرب من صراعٍ على الأرض إلى صراعٍ على الزمن، من يملك حق تحديد بدايته، إيقاعه، ونهايته.

الضربات التي استهدفت الرادارات في الأطراف، ثم الانتقال إلى قصف منشآتٍ محصنةٍ في العمق، لا تعني فقط تصعيدا عسكريا، بل تعكس انتقالا من “إرباك النظام الدفاعي” إلى “اختبار قابلية النظام للانكشاف”. هنا لا تكون الضربة هدفا بحد ذاتها، بل أداة لقياس شيءٍ أخطر، كيف يتصرف الخصم حين يُدفع إلى حافة فقدان السيطرة على مجاله الحيوي.

في هذا المستوى، لا تعود الحرب مجرد تبادل نيران، بل تصبح عملية تفكيكٍ تدريجيٍ لقدرة الخصم على تعريف الواقع. الولايات المتحدة، منذ تجربة حرب العراق عام 2003، أدركت أن السيطرة العسكرية الكاملة لا تضمن السيطرة السياسية، ولذلك أعادت صياغة هدفها، لم تعد تريد أن تملك الأرض، بل أن تملك “سردية النهاية”. أي أن تكون هي الطرف الذي يقول متى انتهت الحرب ولماذا انتهت، حتى لو لم تُحسم فعليا على الأرض.

لكن هنا تحديدا تكمن العقدة الإيرانية. طهران لا تنازع واشنطن فقط في الميدان، بل في هذا الحق الرمزي، حق تعريف النهاية. لذلك، فإن أي ضربة، مهما كانت دقيقة أو مؤلمة، لا تُقاس إيرانيا بحجم الخسارة المباشرة، بل بمدى قدرتها على التحول إلى “خاتمة”. إذا تحولت الضربة إلى إعلان نهاية، تكون إيران قد خسرت حتى لو احتفظت بقدراتٍ ماديةٍ. أما إذا نجحت في كسر هذا التحول، فهي تعتبر أنها لا تزال داخل المعركة، أي لم تُهزم.

من هنا نفهم لماذا يصبح الزمن هو ساحة الصراع الحقيقية. الولايات المتحدة تميل إلى ضغط الزمن، تكثيف الضربات، خلق ذروةٍ سريعةٍ، ثم الانتقال إلى إعلانٍ سياسيٍ، غالبا عبر خطابٍ يعيد تعريف الحدث كـ “نصرٍ مكتملٍ”. في المقابل، إيران تعمل على تفكيك هذا التسارع، إبطاء الإيقاع، امتصاص الصدمة، ثم إعادة توزيع الردود على زمنٍ أطول، بحيث تفقد الضربة الأمريكية قدرتها على أن تكون لحظةً حاسمةً.

لكن هذه المواجهة الزمنية تكشف عن مستوى أعمق من التناقض. الولايات المتحدة تفترض أن التفوق التكنولوجي يسمح لها بالتحكم بالإيقاع، بينما تفترض إيران أن القدرة على التحمل تعادل، أو حتى تتفوق، على القدرة على الضرب. هذا ليس مجرد اختلاف في الوسائل، بل اختلاف في فلسفة الحرب نفسها. الأولى ترى الحرب كحدثٍ يمكن هندسته، والثانية تراها كمسارٍ يمكن احتماله.

هنا تظهر حدود كل طرف. واشنطن، رغم قدرتها على توجيه ضرباتٍ دقيقةٍ وعميقةٍ، تعاني من ما يمكن تسميته “عجز الإغلاق”. تستطيع فتح الحرب، لكنها لا تضمن إغلاقها بالشكل الذي تريده. كل ضربة تحمل في داخلها احتمال الانزلاق إلى تصعيدٍ أوسع، خصوصا في بيئةٍ مترابطةٍ إقليميا. في المقابل، إيران، رغم قدرتها على امتصاص الضربات، تواجه “عجز الحسم”. تستطيع إطالة الحرب، لكنها لا تملك دائما الوسائل لفرض نهايةٍ واضحةٍ بشروطها.

هذا التوازن غير المكتمل هو ما يجعل فكرة “الطلقة الأخيرة” وهما تحليليا. لا توجد طلقة أخيرة في هذا النوع من الحروب، لأن كل ضربة تفتح احتمالا جديدا بدلا من أن تغلق المسار. حتى استهداف منشآتٍ نوويةٍ، والذي يُفترض أنه ذروة التصعيد، لا ينهي الصراع، بل يعيد تشكيله. البرنامج يمكن أن يُعطل، لكن الدافع السياسي لإعادة بنائه يتضاعف، والبيئة الإقليمية تصبح أكثر قابلية للاشتعال.

إذا عدنا إلى فرضية الإنزال الأمريكي، فإنها تبدو، في هذا السياق، كفكرة تنتمي إلى منطقٍ قديم، منطق الحسم عبر السيطرة المادية. لكن الواقع الحالي يشير إلى أن السيطرة لم تعد تُقاس بما تملكه من أرض، بل بما تفرضه من معنى. الإنزال قد يحقق مكسبا تكتيكيا، لكنه قد يفتح في المقابل أبوابا لا يمكن إغلاقها، من استنزافٍ طويلٍ إلى توسعٍ جغرافيٍ للصراع. لذلك، فإن كلفته الرمزية قد تكون أكبر من فائدته العملياتية.

الأخطر من ذلك أن أي إنزال سيمنح إيران ما تحاول تجنبه واشنطن، نقل الحرب من مستوى “الضربة المحدودة” إلى مستوى “الاشتباك المفتوح”. عندها، تفقد الولايات المتحدة القدرة على التحكم بالإيقاع، وتدخل في لعبة الزمن التي تفضلها إيران. وهذا تحديدا ما يجعل خيار الإنزال، رغم حضوره في الخيال التحليلي، ضعيفا في الحسابات الواقعية.

ما نراه إذن ليس اقترابا من نهاية، بل تعمقا في نوعٍ جديدٍ من الحروب، حرب لا تُقاس بنتائج فورية، بل بقدرة كل طرف على منع الآخر من تحويل الحدث إلى خاتمة. في هذا الإطار، تصبح كل ضربة سؤالا، لا جوابا. كل تصعيد احتمال، لا حسم. وكل إعلان نصر محاولة لتثبيت معنى، لا تعبيرا عن واقعٍ مكتملٍ.

وفي هذا النوع من الصراعات، لا ينتصر من يطلق الرصاصة الأخيرة، بل من يمنع خصمه من الادعاء بأنه أطلقها.

شارك المقال: