مصطفي الجارحي يكتب: القصيدة وحدها تدافع عن نفسها (1)
هكذا توالت النسخ الكربونية وتراكمت في هذه الصالونات وغاب الجوهر، والأغرب، وسط كل هذا الزخم هو تخلي غالبية هذه الأصوات، إلا فيما ندر، عن المنجز المهم الذي حققته القصيدة،

جانب من ندوة مصطفي الجارحي في معرض الكتاب المصري
الشاعر المصري مصطفي الجارحي أحد أهم شعراء القصيدة المصرية في جيل الثمانينات وواحد من صناع الأغنية والقصيدة الراقية والمبدعة في هذا النص يطرح الجارحي رؤيته للقصيدة المصرية وقد نشره على صفحته علي فيسبوك وتنشر أخر الكلام هذه الدراسة في ثلاث مقالات متتالية لأهميتها وقيمة كاتبها، وينوي الجارحي نشر رؤيته في كتاب جديد تصدره هيئة الكتاب المصرية ، في هذا النص يفند الجارحي رؤيته كاملة ويقول :
قراءتي لمشهد القصيدة المصرية (اللي فات والحاضر والحلم بمستقبلها).. أنشرها قبل أن تُنشر في الكتاب المنتظر الذي يضم دراسات وشهادات وتوصيات مؤتمر (أفاق العامية) الذي انعقد اليوم بمعرض القاهرة الدولي للكتاب.. مثمنًا مجهودات وشغف وحماسة د. سيد إسماعيل ضيف الله.. وجميع الشعراء المشاركين بجدية في جلسات المؤتمر.. وبالتأكيد هناك بعض النقاط الخلافية سيأتي الوقت لطرحها.. لكن قبلًا ينبغي تصحيح معلومة وردت في الجلستين الأولى والثانية بأن الشاعر سيد حجاب (رحمه الله) هو أول من تحدث عن (شعر العربية المصرية)..
خبير الثقافة الشعبية
والحقيقة المطلقة هي أن هذه الجملة ممهورة بختم الشاعر الراحل صلاح الراوي (خبير الثقافة الشعبية) والذي تنازل وهو من هو وشارك العبد لله في نشر ديوان مشترك وأنا في مقتبل حياتي الشعرية.. أعتقد كان بين عامي 1988/ 1989.. وهو ديوان بعنوان (هناك.. الريحة ريحة موت هنا) وضم الجزء الأول ديوان (ريحة الموت) للدكتور الراوي، والجزء الثاني ديوان (الموتيات) لمصطفى الجارحي.
وحمل الغلاف جملة (أشعار بالعربية المصرية).. ثم مقدمة تحمل عنوان (مرج البحرين يلتقيان).. ودخل معنا سيد حجاب في جدل حول جملة (أشعار بالعربية المصرية) ولماذا لا تكون (بالعامية المصرية) حتى اقتنع بوجهة نظرنا.
وبعدها أجريت حوارًا مع سيد حجاب على صفحات جريدة (الحياة اللندنية) ولما انتهيت من أسئلتي قال لي: هناك شيء لم نتحدث عنه.. قلت وما هو؟ قال: لو سمحت قل على لساني إنني أكتب قصائدي بالعربية المصرية.. وضحكنا كثيرًا برغم ما كان بيننا من خلافات حول مفهوم القصيدة نفسها.
وحدها تدافع عن نفسها
لا بد منها:
أولًا وقبل أي شيء ينبغي الالتفات إلى أن غالبية من يشاركون في فعاليات تناقش أزمة الشعر؛ هم أنفسهم منذ أكثر من ثلاثة عقود: إما قياديون في وزارة الثقافة، أو كبار موظفين، ورؤساء تحرير ومديرو سلاسل، أو مسئولو خطط وبرامج وأنشطة ومؤتمرات وأمسيات.. أو مقربون من دائرة صنع القرار الثقافي.. أصدروا أعمالهم الإبداعية والنقدية في هيئات الوزارة المختلفة، وحصدوا الجوائز والمكافآت عينيةً ومادية، ونالوا منح التفرغ، وتمتعوا بكل شيء، وناصبوا الشعراء الحقيقيين العداء ومارسوا الإقصاء.
وبكل أسف؛ هناك مبدعون من الأجيال الجديدة ينتمون الآن للمؤسسة وأيضًا يسيرون على النهج نفسه.. وهكذا بعد احتكارهم القرار الرسمي يريدون الآن أن يحتكروا الشعر نفسه؛ فيقولون هذا شاعر ويمنحونه صك المرور، وينفون الشعرية عن الآخر.
مستويات الشعر
والنتيجة المنطقية أو الحتمية تتجلى فيما نراه الآن على الساحة.. لنصبح أمام ثلاثة مستويات لإنتاج الشعر:
ــ شعراء توسَّمنا فيهم الخير وبمجرد انتمائهم للمؤسسة اشتغلوا لأنفسهم فقط.
ــ شعراء قليلو الحيلة اكتفوا بالكتابة من دون نافذة مؤسسية شرعية تعرض إنتاجهم.
ــ أشخاص يكتبون ما يشبه الشعر، أو يحلمون بكتابة الشعر، هم الأكثر زحامًا وضجيجًا.
ومن ثمَّ يجد المتابع نفسه مشتتًا لا يعلم الفرق بين الجيد والرديء.. ليبقى السؤال: ماذا قدم أصدقاؤنا الشعراء للشعر بعد أن جلسوا وتربعوا واتكئوا على مقاعد صنع القرار طيلة ثلاثين عامًا؟ ولماذا اليوم يناقشون أزمة الشعر وهم أحد أسبابها، إن لم يكونوا السبب الرئيس فيما آل إليه الشعر (!)
تلك بداية لا بد منها قبل النظر إلى شيء آخر ملفت بوضوح؛ وهو أن هناك من ينزعج من كثرة الأصوات الشعرية؛ فنجده يتأفف ويقول (أصبحوا كثيرين بشكل مبالغ فيه)، وكأن هؤلاء الكُثر يغترفون من شعريته، أو كأنه يريد إيقاف حركة الحياةِ نفسِها، بل كأنه لا يدرك أن عمليات الإقصاء التي مارسها هو كانت سببًا رئيسيًا في تفشي ظاهرة الصالونات الأدبية حتى يجد هؤلاء المنفيون منابر بديلة يستأجرونها بأموالهم، لدرجة أن الإحاطة بأسمائهم وإنتاجهم أصبحت مستحيلة مهما كان الرصد دقيقًا.
بل وتتزايد أعدادهم يوميًا، مع غياب المشروع الأدبي نفسه. وهكذا توالت النسخ الكربونية وتراكمت في هذه الصالونات وغاب الجوهر، والأغرب، وسط كل هذا الزخم هو تخلي غالبية هذه الأصوات، إلا فيما ندر، عن المنجز المهم الذي حققته القصيدة، والتنازل عنه ببساطة؛ فإذا بنا نشهد ردَّة تسحب من رصيد القصيدة ولا تضيف إليه، بسبب اتساع رقعة النشر خارج سيطرة المؤسسة سواءً عبر (الصالونات) أو بعد انتقالها من القاعات إلى (فيس بوك)، مع تراجع دور المؤسسة المعنية وانسحابها، بحيث لم تعد تتلقف التجارب الحقيقية وتتبناها وتعمد إلى الاشتغال على تنميتها وتسييدها جماليًا وتدفعها إلى صدارة المشهد.
اليوم: يأتي الدكتور سيد إسماعيل ضيف الله بمبادرة طيبة (مؤتمر يناقش شعر العامية) بعد سنوات طويلة من مبادرة لا تقل جمالًا عنها.. حين انتبه الدكتور سمير سرحان (الرئيس الأسبق للهيئة المصرية العامة للكتاب) للأصوات الجديدة، فأصدرت الهيئة كتابًا بمقدمة للدكتور سرحان يُبشّر فيها بجيل ما بعد السبعينيات، وتضمن الكتاب قصائد لعدد لا بأس به من شعراء الثمانينيات، وهكذا تمهّد الطريق حينها لرأب صدع كان يتزايد يوميًا، وباطراد، جراء تغوّل نصوص رديئة تتعملق، ويتم تصديرها للمشهد وبوصفةً جاهزةً لكتابة قصيدة تنحاز للزخرف والطنين والإبهار على حساب الجودة والجوهر.
من الجلي الإشارة إلى أن ما يُكتب، تقريبًا منذ منتصف الثمانينيات، لا ينتمي لمجرد لهجة بسيطة سائدة في الشارع المصري، بل يتخطاه لما هو أبعد من ذلك مع الحفاظ بطبيعة الحال على أن الكتابة هي في جوهرها انعكاس وجداني مُحمّل بطموحات وهموم وأحلام.
بمعنى أن مفهوم الشعر نفسه تخطى ما تضمنته قصائد الرواد العظام (فؤاد حداد وفؤاد قاعود وصلاح جاهين ومجدي نجيب ومن جايلهم) وإن ظل تأثير هؤلاء الرواد شامخًا يظهر ويختفي في خلفية المشهد العام للقصيدة المصرية، وتوالت التجارب الشعرية الجديدة التي تحطم اليقينية ورؤى الشاعر النبي.
صحيح أن الأمر بدا كما لو أنه مغامرة لكنها محمودة في كل الأحوال، يكفي أن من أهم تجليات تلك التجارب أنها لا تقلد، وتمسكت رغم الإغراءات باختلافها الجوهري عن التجارب الكلاسيكية الراسخة لدى الرواد، حتى وإن بدت النصوص غريبة، أو مستهجنة، في نظر أولئك الذين اعتادت آذانهم لسنوات طويلة أن تتلقى نوعًا واحدًا من الشعر، مع اختلاف التناول بحسب كل شاعر.
ويدرك المهموم بالشأن الثقافي جيدًا تلك النقلة النوعية للقصيدة المصرية، بتخليها عن ملامحها المتوارثة، بعد أن استبدلت الجماليات القديمة بغيرها جديدة، فلم تعد تتكئ على الحيل الصوتية والإيقاعات الموسيقية، مثلًا، وذهبت إلى التدوين بما فيه من جماليات بصرية لم تكن مطروقة من قبل. ومن ثمَّ لم تعد القصيدة منبريةً فقط، وأصبحنا بإزاء قصيدة تتوسل المجازات المبتكرة والرمزيات ذات الدلالات المتعددة، ما يعني أنها تطورت بشكل ملموس، ولم تكن تحولاتها شكلية فقط، ولكن أيضًا في الموضوع.





