مقال بوك
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات يكتب: إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول (3)

كان سعد يبحث عن طريق مختلف للصعود. لم يكن المجد الذي ينشده محصورًا في أروقة المحاكم أو صفحات الصحف أو حتى دهاليز السياسة.

مشاركة:
حجم الخط:

الغريمان: طريقان إلى المجد

يحترف سعد زغلول المحاماة بعد أن خرج من محاكمات الثورة العرابية سالمًا، مستفيدًا من شبكة علاقاته واتصالاته.

وهناك، في ساحات القضاء، يلتقي مجددًا بغريمه القديم إبراهيم الهلباوي.

تتجدد المنافسة بين الرجلين، وتتشابك مصائرهما على نحوٍ يبدو وكأن يد القدر تصر على أن تجمعهما كلما افترقت بهما السبل.
وسيقول سعد زغلول لاحقًا واصفًا بداياته المترددة في المهنة:

“إني اشتغلت بالمحاماة متنكرًا عن أهلي وأصحابي، وكلما سألني سائل:

هل صرت محاميًا؟ قلت: معاذ الله أن أكون كقومٍ خاسرين”

صعود الهلباوي

أما الهلباوي، فيستأجر غرفة صغيرة في طنطا ويتخذها مكتبًا للمحاماة.

سرعان ما تستبد به حمى العمل؛ فلا يعرف راحةً ولا فتورًا. يجوب مدن مصر وقراها، ويتردد على محاكمها الجنائية والمدنية والشرعية، مدافعًا ومجادلًا بصوته الجهير وحضوره الطاغي.

وتتوالى نجاحاته حتى يغدو اسمه حديث الأوساط القانونية، ويحقق سلسلة لافتة من الانتصارات تجعله خلال سنوات قليلة أشهر محامي البلاد وأكثرهم طلبًا.

لم يكن الهلباوي رجل صالونات أو مجالس أدبية، بل رجل كفاح ومهنة. كان يؤمن بأن المجد يُنتزع بالعمل الدؤوب لا بالمجاملات والعلاقات، ولذلك بدا طريقه مستقيمًا وواضحًا منذ البداية.

سعد يبحث عن باب أخر

في المقابل، كان سعد يبحث عن طريق مختلف للصعود.

لم يكن المجد الذي ينشده محصورًا في أروقة المحاكم أو صفحات الصحف أو حتى دهاليز السياسة.

بل امتد إلى دوائر الأرستقراطية المصرية، وتحديدًا إلى مجلس الأميرة نازلي فاضل، الذي كان ملتقى النخبة الفكرية والسياسية في ذلك العصر.

وتناقلت الأوساط الاجتماعية أحاديث عن إعجاب الأميرة بالشاب الريفي الأسمر، الأنيق الحضور، ممشوق القامة.

ثم توسطت لدى مصطفى فهمي باشا حتى يقبل بزواج ابنته صفية هانم من سعد زغلول، وهي زيجة أسهمت لاحقًا في فتح أبواب جديدة أمام طموحاته الاجتماعية والسياسية.

أما الهلباوي، فقد حاول بدوره الارتباط بإحدى سيدات الطبقة الراقية، لكنه لم يحقق ما أراد.

كان وجهه الصارم، وشخصيته الجادة، ومنطقه الحاد، فضلًا عن أصوله الريفية المتواضعة، عوامل لم تساعده على الاندماج الكامل في ذلك العالم الأرستقراطي المغلق.\

محمد فرحات يكتب: إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول(2)

: محمد فرحات يكتب “الهلباوي وسعد” (1)

فإذا كانت الأميرة بعيدة المنال، فثمة خيارات أخرى أكثر واقعية.

تزوج الهلباوي من جارية تركية أو شركسية بيضاء كانت تعمل في قصر الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل، وعاد بها إلى طنطا ليبدأ معها حياة جديدة.

أبناء الهزيمة

ولا ينبغي أن يثير هذا المسار العملي المتجرد كثيرًا من الدهشة؛ فذلك الجيل بأسره كان ابنًا لهزيمة كبرى. لقد نشأ في ظل ثورة أُجهضت وأحلام تحطمت، فحملت نفوس أبنائه آثار الانكسار كما تحمل الأرض آثار المعارك.

ويصف صلاح عيسى حال ذلك الجيل بقوله:

“إن الجراح التي عانتها الأمة بهزيمة الثورة كانت تطرح نفسها على الجيل، وبدا لمعظم عناصره، خاصة المثقفين، أن شيئًا لا يمكن أن يصلح ما أفسده الدهر، فلا أمل في شيء.

كان معظمهم ينتمون إلى الطبقة الوسطى الصغيرة في المدينة والريف، وفي رحلة الصعود الشاق من أسفل السلم الاجتماعي إلى قمته – حيث النجاح والثروة والجاه – تحللت إنسانيتهم، وعاشوا انفصامًا مرعبًا بين ما يؤمنون به وما يفعلونه.

كانوا يؤمنون بالحرية والديمقراطية والتحرر الوطني ويسخرون مواهبهم في خدمة الطغيان أو ممالأة الاحتلال أو السكوت عنه”

دراسة القانون وصناعة المكانة

في تلك السنوات، تعلم الهلباوي وسعد زغلول اللغة الفرنسية معًا، ثم حصلا لاحقًا على ليسانس الحقوق.

وكانت المحاكم المدنية الحديثة، التي أُنشئت على النموذج الأوروبي، تتساهل في بداياتها في شروط القيد، فلم يكن الحصول على الليسانس شرطًا لازمًا لممارسة المهنة، فدخل الاثنان عالم المحاماة أولًا، ثم استكملا دراستهما القانونية بعد ذلك.

ومع اتساع نفوذ الهلباوي، فتحت له علاقات زوجته أبواب القصور والدواوين، فانتقل من طنطا إلى القاهرة، حيث شغل مناصب قانونية مهمة، وأصبح مستشارًا لديوان الأوقاف والخاصة الخديوية، كما توطدت صلته بالخديوي عباس حلمي الثاني حتى غدا من المقربين إلى مجلسه.

الوجه الآخر لسعد

أما سعد زغلول، فكان يسلك طريقًا أكثر تعقيدًا والتواءً.

وبينما كان الهلباوي يراكم انتصاراته المهنية، وينسج علاقاته داخل الدوائر الخديوية، أخذ سعد يتردد على مجالس الأرستقراطية المصرية، مستفيدًا من مكانته الجديدة بعد زواجه من صفية هانم، ابنة مصطفى فهمي باشا.

غير أن حياة سعد في تلك المرحلة لم تكن مستقرة أو مثالية كما ستصورها الذاكرة الوطنية لاحقًا.

فقد كشف بنفسه، في مذكراته الخاصة، عن جانب شديد الإنسانية والصدق من سيرته.

ففي الجزء الخامس من المذكرات، الكراسة رقم 28، الصفحة 1571، يعترف بأنه وقع أسيرًا لإدمان القمار وشرب الخمر، ويصف ذلك بأنه «مرض» استولى على إرادته.
فكتب:
«كنت أتردد بعد عودتي من أوروبا على الكلوب، فملت إلى لعب الورق، ويظهر أن هذا الميل كان بداية المرض، فإني لم أقدر بعد ذلك أن أمنع نفسي من التردد على النادي ومن اللعب، وبعد أن كان بقليل أصبح بكثير من النقود وخسرت فيه مبلغًا طائلًا.»

ثم يعود ليقول:

“كنت قبل اثنتي عشرة سنة أكره القمار وأحتقر المقامرين وأرى أن اللهو من سفه الأحلام واللاعبين من المجانينن ثم رأيت نفسي لعبت وتهورت في اللعب وأتى عليّ زمان لم أشتغل إلا به ولم أفتكر إلا فيه ولم أعلم إلا له ولم أعاشر إلا أهله، حتى خسرت فيه صحة وقوة ومالًا وثروة”

تتجاوز أهمية هذه الشهادة مجرد الاعتراف بالسقوط

فهي تكشف شجاعة نادرة في مواجهة الذات. فالرجل الذي سيصبح لاحقًا زعيم الأمة لم يتردد في تسجيل عثراته وأخطائه وهزائمه النفسية بصدق قاسٍ.

وقد عاد في الكراسات 26 و29 و30 إلى الحديث عن معاناته الطويلة مع هذه العادة ومحاولاته المتكررة للتخلص منها، مقرنًا ذلك بعهود صارمة قطعها على نفسه.

كان لهذه المرحلة أثرها المالي أيضًا؛ إذ تشير مذكراته إلى خسائر كبيرة تكبدها بسبب القمار، بينما اضطر لاحقًا إلى بيع بعض ممتلكاته لتسوية التزاماته، ومن ذلك بيع عزبته التي كان يملكها بناحية قرطسا في البحيرة سنة 1910.

بين النفوذ والانتظار

في تلك الأثناء كان الهلباوي يواصل صعوده بلا توقف. وبعد نحو عشرين عامًا من الكفاح والعمل، أصبح واحدًا من كبار ملاك الأراضي في مصر.

امتلك الإقطاعيات الواسعة والقصور الفخمة، وارتدى أفخر ما تنتجه دور الأزياء في باريس ولندن.

وقضى مواسم الصيف في المنتجعات الأوروبية الراقية، متنقلًا بين أملاكه ونفوذه كأحد رجال الخاصة الخديوية البارزين.

أما سعد، فبدا وكأنه ينتظر شيئًا ما؛ فرصة استثنائية أو منعطفًا تاريخيًا يعيد ترتيب الأوراق ويمنحه الدور الذي يبحث عنه.

لعل المفارقة أن الهلباوي كان آنذاك أقرب إلى النجاح بمعناه التقليدي: المال والنفوذ والمكانة الاجتماعية، بينما كان سعد ما يزال يصارع تناقضاته الداخلية ويبحث عن موقعه الحقيقي في الحياة العامة.

عندما استيقظ القدر

وهكذا بلغ الخصمان عتبة الخمسين من العمر، وكل منهما يسير في طريق مختلف تمامًا عن الآخر. بدا المستقبل مستقرًا، وكأن الأقدار قد حسمت أمرها أخيرًا.

لكنّ ظُهر الثالث عشر من يونيو سنة 1906 كان يتهيأ ليحمل ما لم يتوقعه أحد.

في الأفق كانت تلوح شرارة صغيرة، تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها ستتحول سريعًا إلى حريق هائل يلتهم المسارات القديمة، ويعيد توزيع الأدوار، ويبدل مواقع الرجال، ويغير مصائرهم إلى الأبد.

كانت قرية صغيرة في دلتا النيل تستعد لدخول التاريخ.

وكان اسمها: دنشواي.

شارك المقال: