محمد حماد يكتب: ما بعد الحرب تحولات حثيثة لا زلازل مفاجئة
إيران لن تتخلى عن أوراقها، لكنها ستعيد ترتيب استخدامها بما يقلل الكلفة ويزيد الفاعلية.وإسرائيل لن تتوقف عن السعي لتوسيع نفوذها، لكنها ستفعل ذلك داخل حدود تفرضها بيئة إقليمية معقدة، لا تسمح بهيمنة مطلقة.

لا تخلو الحروب الكبرى من أوهامها الخاصة. فمع كل توقف، يتسرع البعض في إعلان نهاية مرحلة وبداية أخرى، وكأن التاريخ يقفز قفزًا، لا يتحرك ببطء ثقيل.
في هذا السياق، يُطرح تصور يرى أن ما جرى لن يمر دون أن يقلب خرائط القوة رأسًا على عقب، وأن الإقليم والعالم على أعتاب تحولات جذرية.
هذا التصور، في اتجاهه العام، لا يخلو من وجاهة.
الحروب بالفعل تعيد توزيع الأوزان، وتهز البنى القائمة، وتكشف حدود القوة والقدرة. غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ التغيير، بل في طبيعته وحدوده: هل نحن أمام زلازل تقلب كل شيء دفعة واحدة، أم أمام تحولات حثيثة داخل توازنات لم تنكسر بالكامل؟
لا غالب ولا مغلوب
القراءة المتأنية لما جرى تقول إن الحرب لم تُنتج غالبًا واضحًا يفرض شروطه، ولا مغلوبًا خارج المعادلة.
إيران، رغم ما لحق بها من خسائر وضغوط وتضحيات، لم تنكسر، بل أثبتت أنها قادرة على إعادة إنتاج نفسها وبرهنت على قدرتها على امتصاص الصدمة.
الولايات المتحدة، التي بدت كأنها تمضي إلى مواجهة مفتوحة، وجدت نفسها تبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه أكثر مما يسعى إلى فرض إرادة كاملة.
إسرائيل اصطدمت بحدود القوة
إسرائيل، التي اندفعت إلى الحرب بوهم الحسم، اصطدمت بحدود القوة، حين لم تتحقق الأهداف المعلنة، وبقيت البيئة الإقليمية عصية على إعادة التشكيل وفق تصور أحادي.
لا زلزال مفاجئ
هنا تحديدًا تتبدد فرضية “الزلازل المفاجئة”. فهذه النتيجة، بكل ما تحمله من إنهاك متبادل، لا تؤسس لانقلاب جذري بقدر ما تؤسس لمسار إعادة تشكيل بطيء، تتبدل فيه الأوزان تدريجيًا دون أن تنهار البنية دفعة واحدة.
طرح سيناريو انكسار إيران الذي يفتح الباب لهيمنة إسرائيلية، تكذبه الوقائع في الميدان، تبدى بوضوح أن هذا الانكسار لم يحدث، وأن افتراضه كقاعدة تحليلية يقود إلى استنتاجات تتجاوز الممكن إلى المحتمل البعيد.
ازدحام قوى بعد الحرب
الأرجح أن ما بعد الحرب لن يشهد فراغًا تملؤه قوة واحدة، بل ازدحامًا لقوى متقاربة في القدرة، مختلفة في الأدوات.
الولايات المتحدة لن تغادر موقعها، لكنها ستعيد تعريف دورها، من الانخراط المباشر إلى الإدارة من الخلف.
إيران لن تتخلى عن أوراقها، لكنها ستعيد ترتيب استخدامها بما يقلل الكلفة ويزيد الفاعلية.
وإسرائيل لن تتوقف عن السعي لتوسيع نفوذها، لكنها ستفعل ذلك داخل حدود تفرضها بيئة إقليمية معقدة، لا تسمح بهيمنة مطلقة.
مرحلة انتقالية طويلة
بهذا المعنى، لسنا أمام “حقبة جديدة” تُحسم فيها التوازنات، بل أمام مرحلة انتقالية طويلة، عنوانها إدارة الصراع لا حسمه.
الصراع على الشرق الأوسط يتغير في الشكل لا في الجوهر، ينتقل من المواجهة بالسلاح إلى أدوات أكثر تعقيدًا: نفوذ مقابل نفوذ، وضغط مقابل ضغط، وتوازنات دقيقة تُدار يومًا بيوم.
الخطر الحقيقي في هذه المرحلة لا يكمن في استمرار الحرب، بل في وهم انتهائها.
حين تتوقف النيران، تميل الأطراف إلى التعامل مع اللحظة كاستقرار، بينما هي في حقيقتها مجرد انتقال إلى نمط آخر من الصراع. وهنا تتشكل مفارقة ما بعد الحرب: توقف بلا تسوية، وهدوء بلا ضمانات.
مسار أطول وأعقد في التحولات
ما أريد التركيز عليه هنا: أن ما بعد الحرب لا يفتح باب الزلازل، بل يطلق مسارًا أطول وأعقد من التحولات، حيث تتغير الموازين تدريجيًا، دون أن ينهار البناء دفعة واحدة.
النظام الدولي يتأكل لا ينهار
نحن أمام لحظة يتآكل فيها النظام أكثر مما ينهار، وتُعاد فيها صياغة معادلات أكثر تعقيدًا، لا مكان فيها للمترددين، أولئك الذين أخرجوا أنفسهم من التاريخ والتأثير.
تراكمات دقيقة في التحولات
التحولات التي نعيشها لا تشبه الانفجارات، ولا تقاس على وحدة الزلازل، بل هي تراكمات دقيقة، تغيّر الموازين تدريجيًا وتعيد ترتيب أوراق النفوذ في المنطقة والعالم.
قوانين الميكانيكا لا تصلح لإسقاطها على حركة التاريخ الذي يتحرك وفق تفاعلات بشرية وسياسية متشابكة، حيث التدرج غالبًا أكثر تأثيرًا من القفزات المفاجئة، والفعل الجماعي أكثر قدرة على صياغة المستقبل من أي إرادة فردية كانت أو وهم الهيمنة المفترضة.






