محمد جرامون يكتب: أنقذوا دعاة مصر قبل فوات الأوان
الازهر ليس مجرد جامعة أو مؤسسة تعليمية، وإنما أحد أهم مكونات الشخصية الدينية المصرية الوسطية عبر قرون طويلة.
الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف
لا شك أن حالة الإستياء و الجدل والتخوف التى سادت الشارع المصرى بمجرد الإعلان من قبل وزارة الأوقاف عن توقيع بروتوكول تعاون بين الوزارة ممثلة في الوزير أسامة الأزهري، ومؤسسة طابة، ممثلة في الداعية الحبيب على الجفري ومقرها دولة الإمارات، بهدف تأهيل و تدريب الأئمة المصريين وتجديد الخطاب الديني، مع عدم معرفة الجهة التى ستتحمل التمويل ومدي تأثير الممولون فى صياغة الفكر الدينى الذي سيتلقاه الدعاة، تستحق أن نتوقف أمامها بكل جدية.
فعندما يتعلق الأمر بالدين، وبدعاة مصر الذى يقفون على المنابر يُعلمون ويجهون ويُرشدون بصحيح الدين ويُتلقَى منهم علوم الدين السواد الأعظم من المصريين، فإن الأمر لا يحتمل الصمت.
ولا يصح أن نتعامل معه باعتباره مجرد بروتوكول تعاون عابر بين مؤسسات، لأن القضية أكبر من ذلك بكثير.
فالقضية هنا قضية هوية دينية، ومرجعية علمية، ومستقبل خطاب دينى يتوجه كل يوم إلى ملايين المصريين.
هنا نطرح عدة أسئلة تشغل بال الشارع المصرى
هل يصح أن يتلقى دعاة مصر وأئمتها برامج تدريبية أو فكرية من مؤسسة خارج الإطار المؤسسى للأزهر الشريف، والذى يُعد قبلة العالم الإسلامي بإعتبارة أعرق مؤسسة دينية سنية في العالم وبه أعظم وأفضل علماء العالم الإسلامى؟
نحن هنا لسنا ضد التعاون،وضد الاستفادة من الخبرات، ولسنا ضد الحوار مع مختلف المدارس والتيارات الفكرية، ولكن عندما يتعلق الأمر بتكوين الداعية المصري وتشكيل وعيه الدينى و العلمى والفكري، فإن المرجعية يجب أن تكون واضحة، والمنهج يجب أن يكون معلوماً، وبنود التعاون والبروتوكول يجب أن تكون معلنة أمام الجميع.
السؤال الاخر : إذا كنا نريد تأهيلاً وتدريباً للأئمة والدعاة، فلماذا لا يكون الأزهر الشريف هو صاحب الدور الرئيسى والأصيل في تدريب الدعاة وتأهيلهم ؟
فدعاة مصر ليسوا بلا علم، وليسوا بلا مرجعية، وليسوا بحاجة إلى البحث عن هوية دينية، فغالبيتهم من أبناء مؤسسة الأزهر، تخرجوا من مدارسها وكلياتها، ونهلوا من علومها، وتعلموا علوم القرآن والحديث والفقه وأصول الدين واللغة العربية.
فلماذا لا تكون كل عملية التأهيل والتطوير تحت مظلة الأزهر ووزارة الأوقاف، وبمشاركة علماء الأزهر وأساتذته؟

السؤال الذى يطرح نفسة: لماذا لم نسمع رد فعل الأزهر الشريف وإمامه الأكبر شيخ الأزهر؟
هل يرى الأزهر أن من حق أي مؤسسة أخرى أن يكون لها دور في تشكيل الوعى العلمى والفكري للداعية المصري، أم أن هناك ضوابط ومعايير محددة يجب أن تحكم هذا التعاون ؟
هذه الأسئلة، أسئلة مشروعة يتداولها ويطرحها الشارع المصرى لكون الأمر يتعلق بعقل الداعية المصري ولسانه ومنبره.
نحن هنا لا نشكك فى مذهبية وفكر، الحبيب علي الجفري أو مؤسسة طابة، ولكننا نطالب بوضوح وشفافية على أحقية المصريين أن يعرفوا ماذا سيتعلم دعاة مصر؟
ومن سيضع لهم المناهج؟ ومن سيختار المحاضرين؟
وما طبيعة المواد التي ستقدم لهم؟ وما الضوابط الدينيةو العلمية التي ستحكم هذه البرامج؟ فالشفافية والوضوح هنا ليسوا رفاهية إنما واجب وحق .
إذا كان البروتوكول هدفه تطوير مهارات الدعاة ورفع كفاءتهم، فليخرج لنا القائمون عليه ويشرحوا للرأى العام تفاصيله كاملة، حتى لا يترك الأمر للشكوك وللجدل والشائعات.
يا سادة، مصر بلد الأزهر الشريف منارة العلم والعلماء فى العالم الإسلامى منذ ألاف السنين
الازهر ليس مجرد جامعة أو مؤسسة تعليمية، وإنما أحد أهم مكونات الشخصية الدينية المصرية الوسطية عبر قرون طويلة.
ورغم مرور مصر بعهود حكم مختلفة، و بأفكار واتجاهات وجماعات ومدارس دينية متعددة، ولكن ظل الأزهر الشريف للغالبية العظمى من المصريين هو المرجعية الدينية الجامعة فى العلوم الشرعية واللغة والفكر.
لهذا فإن الحفاظ على خصوصية المدرسة الأزهرية لا يعني الانغلاق على الآخر، وإنما يعني أن يعرف الداعية المصري أولًا من أين يستمد مرجعيته العلمية والفكرية.
وما يخشاة المعترضون على هذا البروتوكول أن يتحول تدريب الدعاة إلى ساحة مفتوحة لتعدد المرجعيات دون ضوابط واضحة.
كما أن الداعية الذي سيقف على منبر مسجد مصري لن يقتصر علمة علية وحده، وإنما سيمتد إلى ألاف المواطنين من مختلف المستويات الفكرية والثقافات، ولذلك فإن تكوينه العلمي والفكري مسؤولية وطنية ودينية في الوقت نفسه.
فى النهاية أقول لمن وقع البروتوكول، نريد الشفافية والوضوح وأن تشرحوا للناس كل ما يتعلق به، ولا تتركوا الأمر للتخوفات والشائعات، قولوا لنا
ما طبيعة هذا البروتوكول؟
ما أهدافه؟
من يضع المحتوى التدريبي؟
من يختار المدربين؟
وما دور الأزهر الشريف فيه؟
هل ستظل المرجعية العلمية للداعية المصرى أزهرية خالصة، أم أن هناك مساحة أخرى من المرجعيات ستدخل على خط تكوينه ؟
إن مصر لا تحتاج إلى تعدد المرجعيات الدينية بقدر ما تحتاج إلى خطاب ديني راسخ، مستنير، قادر على التعامل مع العصر، وفي الوقت نفسه يحافظ على ثوابت الدين وثوابت المجتمع وهويته.
إذا كانت وزارة الأوقاف تريد تأهيل الأئمة والدعاة
فاجعلوا تدريبهم وتثقيفهم وتطوير أدواتهم، مسؤولية مؤسسات مصرية واضحة المرجعية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، وذلك لكى نحفظ للداعية المصري هويته ومرجعيته.
مصر التي حفظت عبر تاريخها توازنها الديني والاجتماعي، لا تحتاج اليوم إلى فتح أبواب الجدل حول المرجعيات.
يجب أن تظل المنابر المصرية مصريةً في هويتها، أزهريةً في مرجعيتها، وسطيةً في خطابها، ووطنيةً في رسالتها.
ومن يحاول تغيير هذه البوصلة، فلن ينجح في تغيير الشخصية المصرية التي تشكلت عبر قرون من العلم والتسامح والوسطية.
شاركنا برأيك