مقالات

ما بعد وهم المحاور

الإقليم اليوم لا يحتمل محاور صلبة، ولا يملك شروطها. ما يوجد فعليا هو شبكات علاقات متقاطعة، متناقضة أحيانا، تدار ببراغماتية باردة لا بعقائد صدامية

مشاركة:
حجم الخط:

خاص آخر الكلام

حين تتحول الجغرافيا إلى ساحة استنزاف 
معتز منصور – كاتب وباحث سياسي

الحديث المتكرر عن اعلان محاور جديدة في المنطقة، خصوصا حين يصدر عن بنيامين نتنياهو، لا ينبغي قراءته كخبر سياسي بقدر ما يجب تفكيكه كأداة إدارة وعي. هذا النوع من الخطاب لا يصف واقعا قائما، بل يسعى الى دفع الخصوم والأطراف المترددة الى مواقع دفاعية مسبقة، وإجبارهم على التفكير بمنطق الاصطفاف قبل التفكير بمنطق المصلحة. هنا بالضبط يبدأ الخلل.

الإقليم اليوم لا يحتمل محاور صلبة، ولا يملك شروطها. ما يوجد فعليا هو شبكات علاقات متقاطعة، متناقضة أحيانا، تدار ببراغماتية باردة لا بعقائد صدامية. إسرائيل نفسها، على عكس ما يوحي خطابها، لا تعمل بمنطق التحالفات الكلاسيكية، بل بمنطق تفتيت البيئات الثقيلة من حولها، وإدارة التفوق عبر علاقات ثنائية غير قابلة للتركيب في محور واحد متماسك.

لنأخذ ما يروج له باعتباره “محور نتنياهو”. العلاقة مع الامارات ليست علاقة خندق وسلاح، بل علاقة نفوذ وتكنولوجيا وامن ناعم. الامارات لا تدخل حروبا وجودية، ولا تبني سياساتها على صراعات صفرية. هي دولة شبكات، تتحرك بين الخصوم، لا معهم ولا ضدهم بالكامل. تحويلها الى طرف في محور صدامي قراءة كسولة للواقع.

اثيوبيا، التي يجري الزج بها في هذا التصور، غارقة في ازماتها الداخلية، وتحالفها مع إسرائيل تقني وامني محدود، مرتبط بالمياه وبناء الدولة لا بمواجهة إقليمية كبرى. اثيوبيا اليوم عبء على نفسها، فكيف تكون ركيزة محور.

اما اليونان وقبرص، فالعلاقة مع إسرائيل محكومة بشرق المتوسط والطاقة والغاز، لا بمستقبل السودان او اليمن. هذه شراكات ملفية، تنتهي بانتهاء الملف، وليست اصطفافا استراتيجيا طويل النفس.

حتى الهند، التي تبدو اقرب حلفاء إسرائيل عسكريا، لا ترى نفسها جزءا من معركة داخل الشرق الأوسط. الهند قوة عالمية صاعدة، تتعامل مع إسرائيل كما تتعامل مع روسيا وأميركا، بمنطق تنويع مصادر القوة، لا بمنطق الانخراط في محور يقيد حركتها.

والمغرب، رغم حساسية تطبيعه، يظل تحركه محكوما باعتبارات الصحراء الغربية وعلاقته بواشنطن، لا برغبة في الاصطفاف ضد مصر او الجزائر او تركيا. قراءة التطبيع كإعلان حرب إقليمية مبالغ فيها وتخدم الخطاب الإسرائيلي اكثر مما تخدم التحليل.

في الجهة المقابلة، ما يسمى بالمحور السني الجديد لا يقل هشاشة. مصر والسعودية وتركيا تجمعهم مصالح ظرفية، لكن تفصلهم تناقضات عميقة في القيادة والرؤية والنفوذ. لا عقيدة امنية مشتركة، ولا تصور موحد لطبيعة التهديد. قطر تلعب دور الوسيط لا القائد، وتستثمر في التناقضات لا في حسمها. باكستان ثقلها رمزي في الشرق الأوسط اكثر منه عملياتي. اما الجزائر، فهي خارج هذا التصنيف أساسا، عقيدتها قائمة على تجنب الاحلاف، والاحتفاظ بهامش سيادي عال، والتحرك ببطء محسوب لا بانفعال محوري.

من هنا، يصبح الحديث عن مواجهة بين محورين تبسيطا مخلّا. الصراع الحقيقي يدور حول تفكيك المجال الحيوي للدول الثقيلة، تلك التي تمتلك جغرافيا صلبة، جيشا تقليديا، ذاكرة سيادية، وعمقا سكانيا. المطلوب ليس هزيمتها عسكريا، بل استنزافها، تفريغ بيئتها الإقليمية، وتحويل محيطها الى عبء دائم.

الساحات الملتهبة مثل اليمن وسوريا والسودان والصومال ليست ميادين حرب بين محاور، بل مختبرات اختبار لأدوات التفكيك، الحروب بالوكالة، الفاعلين المحليين، الاقتصاديات الرمادية، وتدوير الفوضى تحت سقف محسوب.

التحذير المتعلق بالجزائر مفهوم اذا وضع في هذا الاطار. الجزائر ليست هدفا لضربة مباشرة، ولا لسيناريو شبيه بإيران. الخطر الحقيقي يكمن في محيطها، في الساحل الافريقي، في الطاقة، في محاولات إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها. الاستنزاف البطيء اخطر من الحرب السريعة، لأنه لا يطلق صافرات انذار واضحة.

الخلاصة ان وهم المحاور اخطر من المحاور نفسها. حين تصدق الدول انها في معركة صفرية، تستنزف ذاتها ذاتيا، وتقدم خصومها خدمة مجانية. المعركة الحقيقية اليوم هي معركة الحفاظ على تماسك الدولة، وعلى وعي استراتيجي يرفض الانجرار خلف خرائط مصممة في غرف غير غرفنا.

معتز منصور
كاتب وباحث سياسي
شارك المقال: