علي الأفريقي يكتب: أيامنا الحلوة مش حلوة أوي (8) تليفون الجيران
أما إذا لم يكن لديك تليفون في المنزل فعليك الذهاب إلى السنترال بنفسك لاجراء المكالمة من داخل كابينة زجاجية.
كان التعامل مع التليفون الأرضي إذ وجد صعب جدا خاصة لو تلييفون لمحافظات أخرى
الوووو الفيوم كابينة رقم 3
زمان كان الحصول على خط تليفون أرضي شئ نادر، فقوائم الانتظار تمتد عشرات السنوات.
لذلك من كان يمتلك تليفونا في منزله يعامل وكانه باشا، وكان وجود خط تليفون في الشقة تعتبر ميزة كبيرة ترفع من قيمتها وسعرها عند البيع ولهذا كنت تري إعلانات الشقق تكتب للبيع: “شقة 3 غرف وبها تليفون”
كان من المالوف ان تجد عمارة كبيرة بها عشرات الشقق، ومع ذلك لا يوجد فيها تليفون إلا في شقة واحدة بالعمارة كلها
هنا كانت تظهر طيبة المصريين زمان وتظهر معها صورة من أجمل صور الجيرة والشهامة المصرية فالشقة التي بها التليفون تتحول وكانها سنترال لكل سكان العمارة بل واحيانا لسكان العمارات المجاورة.
فكان كل الجيران يأخذون رقم هذا التليفون ويعطونه لأهلهم وأصدقائهم ولزملائهم في العمل.
فإذا جاءت مكالمة لأحد الجيران، يخرج ابن صاحب التليفون الي السلم وينادي باعلي صوته: “يا عم فلان، ليك تليفون”
او “يا خالتي فلانة جالك تليفون من اختك”
اما الاغرب من ذلك فكان اذا اراد احد الجيران اجراء مكالمة ضرورية بنفسه كان يطرق باب الشقة التي بها تليفون ويستاذن في استخدامه.
فيرحب به اصحاب الشقة قائلين: “اتفضل خد راحتك”
ويتركون له الغرفة او الصالة التي بها التليفون لتوفير الهدوء والخصوصية اللازمة لإجراء المكالمة.
الأجمل في هذه الصورة المدهشة من صور التعامل بين الجيران زمان أن أصحاب الشقة لم يكونوا يشعرون أنهم يقدمون خدمة استثنائية فلا يحسون بالضيق او التبرم علي الاطلاق.
كان نظام الاتصالات التليفونية زمان لا يسمح لك بالاتصال إلا بالأرقام الموجودة داخل مدينتك فقط
اذا أردت الاتصال بمدينة أخرى حتي لو كانت في نفس المحافظة فكانت حكاية مختلفة تماما.
فمثلا لو كنت في القاهرة وتريد الاتصال بشخص في الإسكندرية لابد ان تتصل بالسنترال اولا كي تحول المكالمة الي منزلك حيث تذكر رقم الشخص الذي تريد الاتصال به واسم المدينة التي يسكن فيها وتحدد مدة المكالمة.
ثم تجلس بجوار التليفون الي ان تسمع رنين له صوت مختلف فتصيح فرحا: “ترنك” (اي المكالمة الخارجية وصلت).
أما إذا لم يكن لديك تليفون في المنزل فعليك الذهاب إلى السنترال بنفسك لاجراء المكالمة من داخل كابينة زجاجية.
والسنترال عبارة عن صالة بها مقاعد خشبية للمواطنين، وشبابيك للموظفين، وكبائن صغيرة متجاورة لكل كابينة باب زجاجي وعليه رقم الكابينة.
هناك تسجل اسمك أمام موظف السنترال ورقم الهاتف واسم مدينة الشخص الذي ترغب في الاتصال به ومدة المكالمة وتدفع الرسوم ثم تنتظر علي المقاعد الخشبية إلى أن يحين دورك.
طوال فترة انتظارك وأنت في صالة السنترال تستمع إلى أصوات متداخلة
صوت موظف السنترال وهو يقول بصوت مرتفع للجالسين: “اللي عايز “اسيوط” يروح كابينة رقم واحد.
اللي عايز “بنها” كابينة رقم خمسة.
اللي عايز “اسكندرية” كابينة رقم اربعة” وهكذا.
ومن يسمع اسم المدينة التي طلبها ينطلق الي الكابينة باقصي سرعة ويرفع السماعة فتسمع صوته يجلجل في أنحاء السنترال.
فقد كانت الكبائن ضيقة، والصوت داخلها مرتفعا، ولذلك كانت الأسرار التي يفترض أن تكون خاصة تصل إلى آذان الجميع.
وبما أن الجميع يجلسون في انتظار أدوارهم، فإن المكالمة تتحول إلى مادة مسموعة لكل الموجودين فتعرف المشاكل العائلية والزواج والطلاق.
وأن فلانا مريض، وأن فلانة ولدت، وأن ابن العم سافر، وأن فلان تزوج علي زوجته، وأن الاشقاء مختلفون على الميراث.
كانت المشكلة الأكبر في مدة المكالمة
ثلاث دقائق فقط وكل دقيقة لها ثمن لذا عليك ان تتحدث بسرعة وتختصر في الكلام.. ومع ذلك كنت تجد ان المكالمة انتهت قبل ان تدخل في الموضوع.
كانت احيانا لا تتم المكالمات اصلا بسبب فشل الاتصال.
هنا أتذكر موقفا حدث ايام الجامعة
كان لي زميل بالكلية من مدينة الفيوم ويسكن معي في غرفة مشتركة بالمدينة الجامعية بالقاهرة، وكانت والدته مريضة.
فأراد الاتصال بمنزل اسرته في الفيوم ليطمئن عليها، فطلب مني أن أرافقه إلى سنترال “الجيزة” حتي نؤنس بعضنا خلال ساعات الانتظار.
ذهبنا إلى السنترال حيث سجل اسمه ورقم الهاتف والمدينة، ودفع الرسوم وحجز دوره.
ثم جلسنا ننتظر.. مرت ساعة.. ثم ساعة أخرى..إلى أن سمعنا النداء: “اللي عايز الفيوم.. كابينة رقم تلاتة”
قفز صديقي من مكانه فرحا ودخل الكابينة مسرعا
رفع السماعة لكن لم يسمع شيئا فلا صوت ولا اتصال.
خرج من الكابينة، وتوجه إلى الموظف يخبره بالمشكلة.
فقال له الموظف: اصبر فيه مشكلة في الاتصال بسنترال الفيوم بنحاول نحلها.
عدنا إلى المقاعد الخشبية، وجلسنا ننتظر مرة أخرى.
وبعد ساعة من الانتظار قالوا لنا إن الاتصال فشل.
تعالوا يوم تاني، ذهبنا في اليوم الثاني فقالوا لا تزال المشكلة قائمة
خرج صديقي محبطا.. استيقظنا مبكرين في اليوم الثالث وتوجهنا الي السنترال.
لكن قبل ان ندخل من باب السنترال وجدت صديقي يتوقف فجاة.
ثم نظر لي وقال: يا لا بينا على موقف الميكروباص في الهرم أنا حاسافر الفيوم لامي أسهل واسرع من المكالمة.
هكذا كان التليفون زمان
قد تنتظر ساعات وايام من أجل اجراء مكالمة وقد لا تتم، لكن مع ذلك كان التواصل الحقيقي بين البشر كثيرا ودافئا، وكان الناس أقرب إلى بعضهم، والزيارات كانت عامرة، والبيوت مفتوحة، والجيران يعرف بعضهم بعضا، والأهل يلتقون وجها لوجه.
الاصدقاء يتقابلون كثيرا ويتسامرون معا
وكنت تذهب بنفسك إلى من تريد، وتراه بعينيك، وتجلس معه، وتسمع صوته مباشرة بلا سماعة ولا شاشة.
أما اليوم اختفت الزيارات وحلت محلها المكالمات واختفت جلسات السمر وحلت محلها المحادثات علي الواتس.
حتى داخل البيت الواحد أصبح كل فرد يعيش مع نفسه داخل هاتفه.
فتجد الإخوة الذين يعيشون في بيت واحد كل منهم في عالم مختلف مع هاتفه، يتحدث مع أشخاص بعيدين، بينما لا يعرف شيئا عن شقيقه الذي بجواره.
كانت الاتصالات التليفونية اصعب لكن الناس لبعضها كانت اقرب.
شاركنا برأيك