سعيد علام يكتب: غزة، قربان الشرق الأوسط النيوليبرالي
خطة ترمب في حقيقتها ليس لإنهاء الحرب على غزة، بل لإنهاء المقاومة المسلحة في غزه وكل المنطقة
كان طوفان الاقصى رغم كون ما حمله من تدمير نقطة جديدة في عالم المنطقة
على مدى ثلاثة أعوام، تعددت التحليلات السياسية التي تناولت أهداف الحرب على غزة، وبالرغم من تنوعها وكثرتها، إلا أنه من المدهش أنها جميعاً لم تتناول أحد أهم الأهداف الاستراتيجية لهذه الحرب، بخلاف أهدافها الأخرى!.
على مدى حوالي ثلاثة عقود بدءًا من أوائل النصف الثاني من القرن الماضي، فشلت كل محاولات التطبيق الكامل للنظرية النيوليبرالية الاقتصادية في العديد من دول العالم، بدءًا من بلد المنشأ الولايات المتحدة الأمريكية.
في عام 1983، اكتشف ميلتون فريدمان وصبيانه من جامعة شيكاغو، اكتشفوا في تشيلي تحت حكم الديكتاتور الجنرال بينوشيه، القانون الحاكم الحتمي “القاعدة” لتطبيق النظرية النيوليبرالية تطبيقاً كاملاً غير منقوص “القاعدة” المتمثلة في ضرورة أن تسبق “الصدمة الاقتصادية” الناجمة عن التطبيق الكامل للسياسات النيوليبرالية الاقتصادية المصممة للأثرياء على حساب مصالح باقي الشعب، بأنه لابد أن تسبقها “صدمة أمنية” كبرى، تجعل السكان في حالة خوف وهلع، غير مؤهلين لمقاومة الصدمة الثانية “الصدمة الأقتصادية”
صدمة تطبيق السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، تطبيقاً كاملاً، تلك الصدمة الأولى التي جعلت جل أهتمام السكان في تشيلي، يتركز في الحفاظ على حياتهم وحياة أبنائهم، بعد أن رأوا جثث أكثر من 30 الف ناشط أغلبهم من اليساريين، تركهم الجنود بعد قتلهم ملقين في الشوارع حتى يراهم السكان وهم ذاهبون لأعمالهم في الصباح، فتحدث “الصدمة الأمنية” الكبرى، وقد نجحت بالفعل، ولم تحدث أي مقاومة للصدمة الثانية “الصدمة الأقتصادية النيوليبرالية”
(هذه “القاعدة” هى بالضبط ما سمحت للسيسي أن يطبق “الصدمة الأقتصادية” بعد أن رأى وعاش السكان “الصدمة الأمنية” الكبرى، خلال الفترة من ٢٥ يناير ٢٠١١، الى ما بعد ٣ يوليو ٢٠١٣، دون مقاومة تذكر)
هذا بالضبط أحد الأهداف الأستراتيجية بعيدة المدى للمحرقة في غزة على مدى ثلاثة أعوام، بخلاف الأهداف الأخرى، لقد أنجزت في جانب منها، “الصدمة الأمنية” الكبرى، الخطوة الحتمية لأجل تمرير “الصدمة الاقتصادية النيوليبرالية”
وقد انُجزت “الصدمة الأمنية” الكبرى لكل شعوب الشرق الأوسط، وخاصة شعوب المنطقة العربية بالذات، فقد ظلوا يشاهدون المحرقة على مقربة منهم، على على الهواء مباشرة، ليلاً ونهاراً 24 ساعة 7 أيام.
وحينئذ أصبحوا في حالة رعب وهلع شكل البنية التحتية النفسية التي مكنت أنظمة دول المنطقة من قمع أي حراك ولو جنيني لنصرة غزة.
وفي نفس الوقت، وعلى المدى الأبعد، أصبحت شعوب المنطقة مؤهلة لعدم القدرة على مقاومة تمرير الصدمة الثانية “الصدمة الاقتصادية النيوليبرالية” لتمر دون مقاومة تذكر، لا مسلحة ولا غير مسلحة.
ووفقاً لقانون النظام الرأسمالي العالمي، الذي ينص على أنه عند كل أزمة دورية للنظام الرأسمالي العالمي لا يمكن حلها على حساب خزائن الأثرياء، يمكن حلها فقط، على حساب الشعوب.
ومع اشتداد تضخم وتمركز رأس المال المالي العالمي في حوذة حفنة من الأسر الثرية من بعد الحرب الأمبريالية الثانية، أشتدت ازمة النظام المالي العالمي، لتصبح الحاجة أكثر إلحاحاً لإخضاع المنطقة التي تأخر إخضاعها كثيراً للسياسات الأقتصادية النيوليبرالية، منطقة الشرق الأوسط، فوجب إخضاعها لهذه السياسات، والتي شكلت محرقة غزة فرصة ذهبية لإحداث “الصدمة الأمنية” الكبرى الحتمية لتمرير “الصدمة الاقتصادية النيوليبرالية”، لكل منطقة الشرق الأوسط دفعة واحدة، بمن فيها دول الخليج.
في هذا السياق فقط:
1– في هذا السياق فقط يمكن تفهم، حالة الشلل والوجوم والهلع “الصدمة والرعب” التي شاعت على مدى ثلاثة أعوام من المحرقة، بين العرب والمسلمين جيران غزة، بالطبع، هذا لا ينفي مساهمة قمع الأنظمة لهذه الشعوب، ولكن هذا القمع بمفرده، ما كان له ان يحدث هذا الشلل الكامل والشامل على مدى مدى ثلاثة أعوام متتالية لمحرقة تبث على الهواء مباشرة 24 ساعة، تحرق الجيران وهم أحياء، وهم عرب ومسلمين أيضاً
ففي أحوال أقل من بشاعة هذه المحرقة، وأقل من ثلاثة أعوام كاملة، تحركت نفس هذه الشعوب مرات عديدة، ولأسباب عديدة، عندما لم يكن هناك ما يشلها، لم تكن هناك “الصدمة الأمنية” االكبرى، لا في الواقع ولا في بث حي مباشر،
اذا ما ثبتنا كل عوامل واقع القهر والقمع التي تعيشه هذه الشعوب، يكون العامل المتغير الوحيد هو “الصدمة الأمنية” الكبرى، “الصدمة والرعب” التي سببها مشاهدة المحرقة بشكل مباشر في بث حي على الهواء مباشرة 24 ساعة على مدى ثلاثة أعوام كاملة.
2- في هذا السياق فقط يمكن تفهم، حالة الإجماع الوحشي لتكتل أنظمة دول حلف اللصوص العالمي، التي تأتمر بأمر تحالف رأس المال المالي العالمي، ضد مقاومة محدودة، بالرغم من شجاعتها الغير محدودة، ولممارسة إبادة وحشية غير مسبوقة على مدى ثلاثة أعوام لشعب أعزل في بقعة صغيرة بحجم غزة، ليجعل منها تحالف اللصوص القتلة، عن وعي لأثرها على سكان المنطقة، ليجعل منها عرض تراجيدي بشع على بشر حقيقين على الهواء مباشرة لأحداث “الصدمة الأمنية” الكبرى، على مشاهدي كل سكان المنطقة. صدق ذلك
3- في هذا السياق فقط يمكن تفهم، حالة السعار لنزع سلاح المقاومة، كل مقاومة مسلحة في المنطقة، حتى لا تتحول الى نموذج يحتذى به لدى شعوب العالم، فليس هناك من سبب لتكاتف كل تجار الموت، مصاصي دماء الشعوب، ضد المقاومة الفلسطينية بهذا الشكل الغير مسبوق، وتخليهم، هذه المرة، عن حيادهم الشكلي السابق، ليس من سبب لذلك السعار الجماعي، سوى رعبهم وفزعهم الشديد من ان يؤدي هذا “النجاح” الفريد الذي حققته المقاومة البطولية في غزه فلسطين، من تحوله الى “نموذج” يحتذى به لدى كل مقاومي شعوب الأرض المنهوبة والمقهورة. واذا ما كان المطلوب شرق أوسط نيوليبرالي، فإن تنفيذ سياسات نيوليبرالية تزيد أفقار الشعوب، لا يمكن تمريرها في وجود مقاومة، فما بالك لو كانت مقاومة مسلحة، لذا يجب نزع سلاحها.
4- في هذا السياق فقط يمكن تفهم، حالة العداء المستمر والغير مبرر لإيران، بسبب عدم خضوعها لتطبيق السياسات الإقتصادية النيوليبرالية، وإنتهاجها لسياسات التنمية المستقلة من ناحية، كما عبد الناصر من قبل، ومن الناحية الأخرى، دعمها المستمر لكل قوى المقاومة المسلحة التي تقاوم الإستعمار في المنطقة.
5– في هذا السياق فقط يمكن تفهم، البند 22 المخفي في خطة ترمب الخبيثة، الشرط المخفي من الخطة ومؤداه، من كانوا يدعمون المقاومة، عليهم أن يتوقفوا عن دعمها، فالحرب انتهت!. وعليهم ان يقتنعوا بأن المقاومة لا تفيد وأن يتوقفوا عن دعم مقاومة أي شعب واقع تحت الأستغلال، أجنبي أو محلي، لأن كل جرائم المستغل سنحمل مسئوليتها للمقاومين أنفسهم، وفقاً لسردية اللصوص العالميين، والتي يرددها وكلاؤهم الأقليميين والمحليين، نظاميين وقوادين ثقافيين ولتأتي خطة ترمب في حقيقتها ليس لإنهاء الحرب على غزة، بل لإنهاء المقاومة المسلحة في غزه وكل المنطقة، الخطة التي ليس بها سوى بند واحد محدد الموعد وهو تسليم الاَسرى الأسرائيليين لدى المقاومة خلال 72 ساعة، أما باقي البنود “الوعود الوهمية”، فموت يا مصدق!.
6- في هذا السياق فقط يمكن تفهم، البداية المبكرة لخناقة الضباع المفترسة على جثة غزه وشعب غزه، على مقاولة غزه التريليونية، كحجر أساس لـ”ريفيرا الشرق”، وفقاً لقانون رأس المال المتوحش “يجب البدء في جني الأرباح، قبل أن تجف الدماء على الأسفلت”.، فقد بدأ الصراع يشتد مبكراً بين مقاولتي “ريفيرا الشرق” بقيادة رأس المال الأمريكي، وبين مقاولة “أعادة الأعمار” لرأس المال الأوروبي، الصراع الذي تجسد في تراجع وزير الخارجية الأمريكي عن حضور مؤتمر باريس، مؤتمر “تعمير غزة”، المؤتمر الذي عقد حتى قبل إعلان وقف إطلاق النار في غزة!.
نقد النقد التجريدي
الى حزب “انه فشل، وسوء ادارة، وخلل في الاوليات”!:
ليس فشل او سوء ادارة، او خلل في الاولويات،
انه مستهدف ومخطط له،
أنها النيوليبرالية الأقتصاية المصممة للأثرياء،
انه صراع مصالح طبقية متناقضة متضادة.
داخلياً وخارجياً.
هذه هى السياسة.
شاركنا برأيك