مقالات
سالم رخا
سالم رخا

كاتب صحفي

سالم أبو رخا يكتب: “سعار” الهجوم الخليجي على مصر

إن هذا الهجوم الممنهج ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج سنوات من "النفخ" في الذات وتصور أن القوة المالية وحدها يمكنها إزاحة الجغرافيا وتغيير سنن التاريخ.

مشاركة:
حجم الخط:

بين التاريخ والمأزق الأخلاقي

لا أعرف وأنا أتابع كل يوم سيلًا من الهجوم الخليجي على مصر، بسبب موقف مفتعل مفاده أن مصر تخلت عن الخليج.

لا أعرف هل أنصح الأشقاء في الخليج بإعادة قراءة التاريخ،

أم أنصح بني وطني في مصر ألا يلتفتوا إلى مثل هذه الترهات ويتعاملوا مع حالة “السعار” تجاه مصر والمصريين بمنطق الترفع، لأنهم يعلمون الحقيقة، ويعلمون المأزق السياسي وقبله الأخلاقي الذي سقط فيه هؤلاء.

أوهام “المركزية البديلة”

إن هذا الهجوم الممنهج ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج سنوات من “النفخ” في الذات وتصور أن القوة المالية وحدها يمكنها إزاحة الجغرافيا وتغيير سنن التاريخ.

لقد حاول البعض طوال العقود الماضية الترويج لنظرية “المركزية الجديدة”، مدعين أن العواصم التقليدية كالقاهرة وبغداد ودمشق قد استقالت من دورها، وأن “القرن الخليجي” قد بدأ فعلياً.

أتذكر هنا السجال الشهير الذي دار في عام 2019 بين الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله والأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى.

حينها، خرج علينا الأول بنبرة واثقة تتحدث عن تراجع الدور المصري وأن الخليج أصبح هو “حامي الأمن القومي العربي” لـ 16 دولة عربية.

يومها، لم يكتفِ موسى بالرد الدبلوماسي، بل صفع هذا الغرور بسؤال وجودي: “ما هو الدور الخليجي بالضبط فيما عدا شراء الأسلحة؟”

كان موسى يدرك أن “الأمن” ليس صفقة سلاح تُوقع، بل هو “ظهير بشري وجغرافي وتاريخي” لا يُشترى بالمال.

تقرير: ترامب يعيد تهديده بالحجيم

حمادة إمام يكتب: إيران الثورة والدولة (2)

د. أيمن خالد يكتب: لماذا الهدنة ليست في صالح إيران؟

المأزق الأخلاقي وسقوط الأقنعة

اليوم، وعند أول اختبار حقيقي ومواجهة مباشرة مع النفوذ الإيراني، سقطت الأقنعة. المأزق الذي يعيشه المهاجمون اليوم هو مأزق “أخلاقي” قبل أن يكون سياسياً.

فكيف تطلب من “القلب” المصري أن ينبض لحمايتك وأنت من حاولت طوال سنوات تحويله إلى مجرد “طرف” هامشي؟

وكيف تتهم مصر بالتقاعس وأنت من سعى لبناء تحالفات أمنية “منفردة” بعيداً عن التنسيق القومي الجماعي، ظناً منك أن الحماية تُستجدى من القوى الدولية أو تُشترى ببريق ناطحات السحاب؟

لقد ظن هؤلاء أنهم ملكوا زمام القوة، غافلين عن حقيقة “المأزوم” التي لخصها المعري قديماً حين قال:
يُثَنّي عَلَيْهِ العَجْزُ، وَهُوَ يَظُنُّهُ .. مِنَ القُوَّةِ المُزْجاةِ، فَهْوَ غَريرُ

نعم، هو “غرير” ذاك الذي ظن أن قوته “المزجاة” (أي الضعيفة المعتمدة على الغير) هي بديل عن الثقل المصري الأصيل.

إن اتهام مصر بالتقاعس هو في حقيقته “اعتراف بالعجز”؛ فلو كانت نظرياتهم عن “المركزية الخليجية” صحيحة، فلماذا يتباكون اليوم على “غياب مصر”؟

ولماذا يرتد صراخهم عويلاً يطالب القاهرة بالتدخل؟

مصر ليست “بنداً” في ميزانية

ما لا يفهمه المهاجمون، وربما لن يفهموه أبداً، هو أن مصر لا تتعامل مع أمن المنطقة كـ “مقاولات عسكرية” أو بنود في ميزانية.

السيادة المصرية تنطلق من “إرادة المكان” وعراقة الدولة التي تعرف متى تتدخل وكيف تحمي مصالحها القومية.

نحن لا نتحرك بأوامر، ولا نُستدعى في “وقت الضيق” لنُهمش في “وقت الرخاء”.
إن حالة “السعار” الإعلامي الحالية تعكس صدمة الواقع؛ صدمة أن السلاح الفائق لا يحمي سماءً مكشوفة استراتيجياًز

وأن التبجح بقدرة “الخليج وحده” على قيادة المنطقة كانت مبالغات بعيدة عن التحليل الواقعي، كما وصفها عمرو موسى تماماً.
رسالة إلى الداخل المصري

لذا، أقول للمصريين: ترفعوا عن الرد على من فقد بوصلته. إن الهجوم علينا هو وسيلتهم الوحيدة للهروب من مرآة الحقيقة التي كشفت هشاشة نظرياتهم السياسية.

هم يعلمون يقيناً أن مصر هي “الوتد”، وأنهم بدون هذا الوتد يبقون في مهب الريح الإقليمية، سواء جاء الخطر من الشرق أو من الشمال.
التاريخ لا يُقرأ من آخره، والسيادة المصرية ليست مجالاً للمزايدة أو الابتزاز العاطفي المفتعل.

فليراجعوا دروس “إعلان دمشق” وليفهموا أن الأمن القومي الذي ينقسم.. يسقط بكل أجزائه.

أما مصر، فستظل كما كانت، “المكان والزمان” التي لا تلتفت لمن يجهل قدرها حتى يقع في مأزقه.

شارك المقال: