علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
سالم أبو رخا
سالم أبو رخا

كاتب صحفي

سالم أبو رخا يكتب: الأحزان العادية وطيف عبد ربه التائه

في هذه المرحلة من كتابة محفوظ، يبدو أن الحكمة أصبحت أكثر تكثيفاً. لا يحتاج إلى صفحات طويلة ليقول ما يريد، ولا يشرح الفكرة حتى نهايتها

مشاركة:
حجم الخط:

في لحظات الفقد، عندما يصبح الحزن ثقيلاً وممتداً، تضيق النفس بالكلمات الكثيرة والنظريات المعقدة.

في كل مرة يحدث لي ذلك، أجد نفسي أعود إلى كتاب صغير الحجم، لكنه يترك في النفس أثراً كبيراً:

«أصداء السيرة الذاتية» لنجيب محفوظ

لم أكن أبحث وقتها عن رواية طويلة تتبع مصائر أبطالها، بل عن شيء يخفف وطأة الحزن، عن كلمات قليلة تلمس الجرح من غير ادعاء.

هناك، في هذه الصفحات القصيرة، وجدت ما كنت أبحث عنه، لكنني وجدت أيضاً شيئاً آخر شغلني أكثر مما توقعت:

شخصية عبد ربه التائه، التي جعلتني أتخيل الحكاية التي كان يمكن أن يرويها نجيب محفوظ عنها لو اختار أن يمنحها رواية كاملة.

من كمال عبد الجواد إلى عبد ربه التائه

كانت شخصيات محفوظ، في كثير من أعماله، مشغولة بالبحث عن إجابات لأسئلة الحياة.

نتذكر كمال عبد الجواد في الثلاثية، وهو يتأرجح بين الدين والفلسفة، أو صابر في رواية «الطريق»، وهو يبحث عن أب يعتقد أنه قد يقوده إلى الطريق الذي يفتقده.

أما عبد ربه التائه، فقد بدا لي مختلفاً. لم أره مجرد رجل يمتلك الحكمة ويقدمها للآخرين، بل تخيلته إنساناً مر بتجارب كثيرة، وخرج منها بأسئلة جديدة، وربما ببعض الإجابات التي لا يمكن الوصول إليها من دون أن يدفع المرء ثمنها من عمره.

توقفت طويلاً أمام قوله:

«سُئل الشيخ عبد ربه التائه: كيف تخلصت من الدنس؟

فقال: غسلت نفسي في أنهار الحب»

أحببت بساطة الإجابة. لا موعظة طويلة، ولا محاولة لإقناع أحد بشيء.

مجرد جملة تترك لك أن تفكر في معناها، وأن تتساءل عن التجارب التي يمكن أن تجعل إنساناً يرى الحب بهذه الطريقة.
وفي موضع آخر، يقول عبد ربه:

«قيل للشيخ عبد ربه: إنك تدعو إلى حب الحياة وتحب الموت!

فقال: لأن الحياة تحب الموت، ولأن الموت يحب الحياة!»

لا أعرف إن كان عبد ربه قد وصل إلى يقين نهائي بشأن الحياة والموت، أم أنه تعلّم، مثل كثيرين، أن يتعايش مع الأسئلة التي لا تجد إجابات واضحة.

لكنني شعرت أن هذه الشخصية تحمل ما هو أكثر من الكلمات القليلة التي نقرأها عنها.

هنا بدأت أتخيلها في رواية كاملة.

رواية لم أستطع منع نفسي من تخيلها

تخيلت عبد ربه في حارة مصرية، بين أناس لهم مشكلاتهم اليومية وأحزانهم وأطماعهم.

تخيلته رجلاً يختلف معه البعض، ويلجأ إليه البعض الآخر، وربما لا يفهمه أقرب الناس إليه. تخيلت ماضيه، والأحداث التي مر بها، والأخطاء التي ارتكبها، واللحظات التي غيّرت نظرته إلى الدنيا.

كيف وصل إلى هذه الحكمة؟

هل كان دائماً هكذا، أم أن الحياة فعلت به ما تفعله بالناس، ثم تركته يحاول فهم ما حدث؟

بالطبع، لا أعرف كيف كان نجيب محفوظ سيكتب هذه الرواية، ولا إن كان قد فكر فيها أصلاً.

ربما لم يكن يريد لعبد ربه أن يكون بطلاً لرواية طويلة.

لكن الشخصية، كما ظهرت لي في «أصداء السيرة الذاتية»، دفعتني إلى تخيل عالم كامل حولها.

ربما كان هذا جزءاً من سحرها؛ أنها لم تقدم لي كل شيء، وتركت لي مساحة أملأها بخيالي.

حكمة في كلمات قليلة

في هذه المرحلة من كتابة محفوظ، يبدو أن الحكمة أصبحت أكثر تكثيفاً. لا يحتاج إلى صفحات طويلة ليقول ما يريد، ولا يشرح الفكرة حتى نهايتها.

يترك جملة واحدة، ثم يمضي، بينما يظل القارئ معها لبعض الوقت.

يقول عبد ربه التائه:

«سُئل الشيخ عبد ربه التائه: متى يصلح حال البلد؟

فقال: عندما تؤمن أهله بأن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة»

في عبارة أخرى، يقول:

«قال الشيخ عبد ربه التائه: رأيت الدنيا تفترّ عن ابتسامة، فقلت: لطيف!

فلما اقتربت منها اختطفتني، فقلت: أعوذ بالله من سوء الفهم!»

توقفت عند العبارة الأخيرة، ربما لأن فيها شيئاً أعرفه عن الحياة.

أحياناً نقترب من شيء نظنه جميلاً، ثم نكتشف أننا لم نفهمه جيداً.

وربما نحتاج إلى وقت طويل حتى ندرك أن ما حسبناه طمأنينة كان مجرد وهم، أو أن ما خشيناه لم يكن بالسوء الذي تخيلناه.

هذه المسافة بين ما نتصوره وما نعيشه هي التي تجعلنا نعيد النظر في أشياء كثيرة، وربما تجعلنا أكثر تفهماً لأنفسنا وللآخرين.

لا أريد أن أقول إن عبد ربه التائه كان يحتاج بالضرورة إلى رواية كاملة، أو إن نجيب محفوظ فوّت على الأدب العربي عملاً عظيماً لمجرد أنه لم يكتبها.

فربما كانت هذه النصوص القصيرة هي الشكل الذي أراده لها، وربما كان تحويلها إلى رواية سيضيف إلى الشخصية أشياء، لكنه قد يغيّر أيضاً طبيعتها التي أحببتها.

كل ما أعرفه أنني، وأنا أقرأ «أصداء السيرة الذاتية» في لحظة حزن، وجدت في هذه الشخصية ما جعلني أتوقف عن القراءة أحياناً، وأسرح في الحكاية التي تخيلتها لها.

عدت إلى الكتاب بحثاً عن عزاء، فوجدت ما يخفف عني

ووجدت أيضاً شخصية ظلت معي بعد أن أغلقت صفحاته، وربما لهذا أحب القراءة؛ لأن الكتاب لا ينتهي دائماً عند آخر صفحة فيه.

أحياناً يترك لنا شخصية أو جملة أو سؤالاً يظل معنا، ويأخذنا إلى حكايات لم يكتبها المؤلف، لكنها تصبح، بطريقة ما، جزءاً من تجربتنا معه.

هكذا ظل عبد ربه التائه بالنسبة إليّ أكثر من شخصية تقرأ حكمتها وتمضي.

ظل رجلاً أتخيل حكايته، وأتساءل عن حياته، وأتمنى لو عرفت عنه أكثر.

وربما كانت هذه هي الحكاية التي احتجت إليها في تلك اللحظة، حكاية لم أجدها مكتوبة، لكنني وجدتها في المسافة بين كلمات محفوظ وخيالي.

شارك المقال:

شاركنا برأيك