آراء و تحليلات
جيهان منصور
جيهان منصور

أعلامية مصرية

دراسة جيهان منصور: اليسار الشعبوي لماذا لا يصل لكرسي الرئاسة؟ (2-3)

قد يستطيع مرشح اليسار أن يفوز بالشباب، والعمال، وقطاعات من المدن الكبرى، والأقليات، والمثقفين، والناخبين الغاضبين من التفاوت الاقتصادي، لكنه لا يصل إلى كرسي الرئاسة

مشاركة:
حجم الخط:

استعرضت الإعلامية المصرية المتميزة: جيهان منصور أوجه التشابة في تجارب أربعة مرشحين للرئاسة ممثلين لليسار في أربع دول مختلفة.

المرشحون الأربعة حققوا نجاحا جماهيريا لكن صندوق الانتخابات لم يصل بهم إلى كرسي الرئاسة، وفي الجزء الثاني تقدم رؤى المرشحين الأربعة في قضايا مختلفة. 

آخر الكلام 

فلسطين حين تلتقي طرق شديدة الاختلاف

ثم تأتي فلسطين لتجعل المقارنة أكثر إثارة.

ليس لأن الرجال الأربعة يحملون الموقف نفسه من إسرائيل؛ فهم لا يفعلون، ومن الخطأ الصحفي مساواة مواقفهم.

صباحي يأتي من الناصرية، ومن تاريخ سياسي عربي يرى الصراع مع إسرائيل أيضًا من منظور التحرر الوطني والقضية الفلسطينية واستقلال القرار المصري.

وفي حوار أثناء حملته عام 2012، قال إن إلغاء كامب لن يكون أولويته إذا أصبح رئيسًا، لأن معركته الأولى ستكون ضد الفقر في الداخل.

وفي الوقت نفسه تعهد بوقف تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل.

أما ساندرز، فالمفارقة أكثر تعقيدًا.

إنه يهودي أميركي يؤكد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وأدان هجوم حماس في 7 أكتوبر، لكنه تحول إلى واحد من أبرز معارضي حرب حكومة بنيامين نتنياهو داخل المؤسسة السياسية الأميركية.

ولم يبق اعتراضه خطابًا أخلاقيًا.

قدم قرارات في مجلس الشيوخ لمنع مبيعات أسلحة هجومية أميركية لإسرائيل.

وفي يوليو/تموز 2025، أيدت غالبية أعضاء الكتلة الديمقراطية في مجلس الشيوخ إحدى جهوده لوقف شحنات أسلحة.

وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه ذهب أبعد من ذلك ووصف ما ترتكبه إسرائيل في غزة بأنه إبادة جماعية وطالب بإنهاء مبيعات الأسلحة الهجومية لحكومة نتنياهو.

كوربن جعل التضامن مع الفلسطينيين جزءًا معروفًا من تاريخه السياسي، وميلانشون جعل القضية الفلسطينية بدوره واحدة من القضايا البارزة في خطاب اليسار الفرنسي.

وهنا لا يصنع الدين الموقف السياسي بصورة آلية.

قومي عربي مسلم، واشتراكي ديمقراطي يهودي أميركي، ويساري بريطاني، ويساري جمهوري علماني فرنسي يمكن أن يصلوا، من طرق فكرية مختلفة، إلى الدفاع عن حقوق الفلسطينيين وانتقاد السياسات الإسرائيلية، حتى مع اختلافهم العميق حول إسرائيل نفسها وطبيعة الصراع ووسائل حله.

وربما تكون هذه إحدى الأفكار التي تجمعهم أكثر من أي تصنيف ديني:

العدالة في الداخل لا تنفصل تمامًا، في تصورهم السياسي، عن العدالة خارج الحدود.

لماذا يحب الشباب رجالًا أكبر من آبائهم؟

دراسة: مرشحوا اليسار لماذا يصنعون الأحلام ولا يصلون إلى قصور الحكم؟ (1-3)

هناك مفارقة أخرى.

هذه الحركات التي تتحدث عن المستقبل قادها في أحيان كثيرة رجال كبار السن.

ساندرز كان في السبعينيات عندما تحول إلى أيقونة لدى ملايين الشباب الأميركيين.
كوربن تجاوز الستين عندما أصبح زعيمًا لحزب العمال.

ميلانشون خاض سباق 2022 في السبعين من عمره.

وصباحي لم يكن ابن جيل ثورة يناير، لكنه استطاع أن يجذب قطاعًا كبيراً من أبنائها ويصبح رمزاً من رموزها.

لماذا؟

لأن العمر البيولوجي للسياسي ليس بالضرورة عمر فكرته.

قد يكون المرشح في السبعين، بينما يبدو خطابه لناخب في العشرين أكثر تمردًا من خطاب سياسي في الأربعين.

والدليل على ذلك التفاف الشباب حول بيرني ساندرز في 2016  وعدم تصويت كثير منهم لهيلاري كلينتون عندما اختارها الحزب الديمقراطي مرشحة للرئاسة بدلا من ساندرز.

وعندما يشعر جيل شاب بأن امتلاك المنزل أصعب، والتعليم أغلى، والوظائف أقل أمانًا، والثروة مركزة في أيدي نسبة صغيرة من المجتمع، يصبح السؤال الذي يطرحه المرشح أهم من سنة ميلاده.

لكن لماذا لا يفوزون؟

هنا نصل إلى السؤال الحقيقي.

التفسير السهل هو القول إن «المؤسسة» تمنعهم.

وفي بعض الحالات تلعب المؤسسات الحزبية والإعلام والمال السياسي وهياكل النظام الانتخابي أدوارًا حقيقية.

لكن ذلك وحده لا يكفي.

لأن الرجال الأربعة عملوا في أنظمة مختلفة جذريًا.

مصر ليست الولايات المتحدة.

والولايات المتحدة ليست فرنسا.

وفرنسا ليست بريطانيا.
مصر خاضت انتخابات 2012 في مرحلة انتقالية مضطربة أعقبت سقوط نظام دام ثلاثة عقود.

أميركا لديها نظام رئاسي وحزبان يهيمنان على السياسة، وساندرز نفسه مستقل يخوض السباق الرئاسي عبر الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.

فرنسا لديها نظام شبه رئاسي وانتخابات على جولتين.

وبريطانيا نظام برلماني يعتمد الدوائر الفردية ونظام الفائز الأول.

إذا انتهت تجارب متباينة إلى نتيجة متشابهة، فربما يوجد جزء من الإجابة داخل طبيعة الائتلاف الانتخابي لليسار نفسه.

الفقراء وحدهم لا يصنعون رئيسًا

هنا تكمن المفارقة القاسية.

السياسة الانتخابية ليست مسابقة في تحديد من يمثل الأكثر معاناة.

إنها عملية بناء أغلبية.

وقد يستطيع مرشح اليسار أن يفوز بالشباب، والعمال، وقطاعات من المدن الكبرى، والأقليات، والمثقفين، والناخبين الغاضبين من التفاوت الاقتصادي، لكنه لا يصل إلى كرسي الرئاسة إذا أخفق في إضافة طبقات أخرى إلى هذا التحالف.

يحتاج إلى جزء من الطبقة الوسطى القلقة على مدخراتها.

يحتاج إلى الناخب الأكبر سنًا الذي يريد التغيير لكنه يخشى المغامرة.

يحتاج إلى العامل المحافظ اجتماعيًا.

يحتاج أحيانًا إلى الريف والضواحي.

ويحتاج قبل كل شيء إلى إقناع الناخب الذي يتفق معه في تشخيص المرض لكنه يخشى الدواء.

وهنا يتحول ما يمنح اليسار قوته أحيانًا إلى ما يضع له سقفًا انتخابيًا.

فالخطاب الراديكالي يحشد المؤمنين، لكنه قد يخيف المترددين.

والوعود الكبيرة تصنع الأمل، لكنها تمنح الخصوم فرصة السؤال: من سيدفع؟

والهجوم على النخبة الاقتصادية يجذب من يشعرون بأن النظام ظلمهم، لكنه يسمح للخصوم بتقديم المرشح باعتباره خطرًا على الاستقرار الاقتصادي.

الرسالة التي تصنع الحركة ليست دائمًا الرسالة التي تصنع الأغلبية.

مشكلة أخرى: اليسار يحب الانقسام

وهناك مرض قديم يصعب تجاهله.

اليمين يستطيع في كثير من الدول أن يجمع تحت سقف واحد رجال الأعمال والمحافظين دينيًا والقوميين والطبقة الوسطى وقطاعات من العمال، رغم اختلاف مصالحهم.

أما اليسار فكثيرًا ما ينقسم حول درجة النقاء الأيديولوجي.

اشتراكيون.

ديمقراطيون اجتماعيون.

خضر.

يسار راديكالي.

يسار وسط.

نقابيون.
حركات شبابية.

جماعات هوية.

وكل مجموعة تستطيع أن تجد سببًا يجعل المجموعة المجاورة غير يسارية بما يكفي.

وتصبح النتيجة مفارقة مألوفة: أغلبية اجتماعية قد تستفيد من السياسات اليسارية، من دون وجود أغلبية سياسية مستعدة للتصويت لحزب أو مرشح يساري واحد.

وتبدو فرنسا 2022 مثالًا صارخًا:

وصل ميلانشون إلى 21.95 في المئة، بينما توزعت أصوات أخرى على مرشحين من اليسار والخضر.

ولم يكن يحتاج سوى نحو 421 ألف صوت إضافي لتجاوز لوبان والوصول إلى الجولة الثانية.
في الانتخابات، الانقسام ليس نقاشًا فلسفيًا.

 

شارك المقال: