د. أيمن منصور ندا يكتب: (في رثاء ثورة 30 يونيو) عندما يموت الإنجاز في حياة صاحبه!
في لحظات كهذه، تصبح الهزيمة مضاعفة: هزيمة المشروع في حياة صاحبه، وهزيمة القدرة على فهم هزيمته!

صورة تعبيرية للمقال
في رأيي، فإنَّ أقسى ما يمكن أن يحدث لأي مشروع سياسي ليس أن يفشل بعد رحيل صاحبه، تلك هزيمة مريحة نسبياً.
ينام صاحب المشروع في قبره، ويترك للورثة والتلاميذ والحاشية شرف الخراب! لكنَّ القسوة الحقيقية أن يموت الإنجاز وصاحبه حيّ.
أن يتحول المشروع إلى جثمان
بينما صاحبه لا يزال يقف على المنصة، يبتسم، ويستمع إلى من يقول له إنَّ الجثمان في أحسن صحة، وإنَّ رائحته ليست رائحة موت، بل رائحة إنجاز غير مسبوق!
هنا لا نكون بصدد هزيمة سياسية، بل أمام “مأساة/ملهاة إنسانية وجودية كبرى”!
إنكار الهزيمة، وعدم الاعتراف بفشل المشروع، هو الحصن النفسي الأخير لأي حاكم يتعرض لهذا الموقف.
لا يملك الحاكم صاحب المشروع أن يقول إنَّ المشروع انتهى، فيقول إنَّ هناك مؤامرة من “أهل الشر” أو من “قوى الرجعية والإمبريالية العالمية” أو من “الأراذل والأفندية”!
لا يستطيع الحاكم أن يرى الشروخ، فيتحدث عن سوء الفهم، وعن عدم القدرة على إدراك مفهوم “يعني إيه دولة”
لا يقوى على مواجهة الخراب الداخلي، فيبحث عن عدو خارجي!
لا يطيق أن يرى الناس وقد تعبتْ من الحلم، فيلوم الناس لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الحلم!
في لحظات كهذه، تصبح الهزيمة مضاعفة: هزيمة المشروع في حياة صاحبه، وهزيمة القدرة على فهم هزيمته!
د. أيمن منصور ندا يكتب: الكوادر المرتعشة
د. أيمن منصور ندا يكتب: الجمهور الذي خرج من القاعة
في التاريخ المصري رأينا هذا المشهد أكثر من مرة: محمد علي صنع دولة حديثة (1805-1840) ثم عاش لحظة الانكسار الكبرى في نهاية الطريق (يوليو 1840 وحتى وفاته بعدها بتسع سنوات: أغسطس 1849)
وإسماعيل أراد مصر قطعة من أوروبا، فإذا بأوروبا تدخل من باب الديون (1875) ثم من باب الاحتلال (1882)
لم يمت إسماعيل في الحكم (وفاة 1895)، بل عاش بعد عزله؛ وهذه، في حدِّ ذاتها، عقوبة تاريخية قاسية.
وعبد الناصر وعد بالكرامة، فجاءت 1967 لتكسر المسرح كله: الزعيم الأسطورة، والحلم، والصورة!
مات عبد الناصر فعلياً وماتت معه ثورة يوليو في يونيو 1967، وشيعت جنازتيهما في أكتوبر 1970!
ومبارك وعد بالاستقرار، حتى صار الاستقرار ثلاجة كبيرة حفظت البلد ثلاثين عاماً، ثم اكتشفنا أن ما كان محفوظاً لم يكن سليماً، بل كان مؤجل التعفن.
رأى مبارك، في حياته، مشروع الاستقرار وهو ينهار في فبراير 2011، وعاش بعد سقوطه سنوات (فبراير 2020)
وهذه قسوة أخرى من قسوة التاريخ: أن يرى الحاكم القديم صورته وهي تُنزع من الجدران، ونظامه وهو يُحاكم، وروايته عن نفسه وهي تتآكل في وعي أجيال جديدة.
كلُّ هؤلاء الحكام، على اختلاف أقدارهم التاريخية، واجهوا، بدرجات مختلفة، لعنة المشروع الذي يبدأ كبيراً ثم يختنق داخل صاحبه، وينتهي في حياة صاحبه.
لأنَّ المشروع الوطني إذا لم يتحول إلى مؤسسات، مات مع صاحبه أو مات قبله، وإذا لم يدخل حياة الناس، ويحقق احتياجاتهم الأساسية وطموحاتهم الأولية خرج منها إلى المتحف.
وكلُّ هؤلاء الحكام، بدرجات مختلفة أيضاً، سيطر عليهم “شعور الإنكار”، و”الرفض”، والاستمرار في تصديق الأوهام بعد انهيار الواقع الحقيقي وتصدعه.
وهنا أصل إلى 30 يونيو، وموقفي منها لا يحتاج إلى تأويل أو تفسير، وتأييدي لها لا يحتاج إلى توضيح أو تبرير.
كنتُ مع هذه الثورة المجيدة لأنَّ مصر كانت على حافة الاختطاف
كنتُ معها لأنَّ الجماعة أرادت تحويل الوطن إلى فرع إداري في تنظيم، وتحويل الدولة إلى غنيمة، والمجتمع إلى تابع، والتاريخ المصري إلى هامش في دفتر الإرشاد.
كنتُ معها لأنَّ سقوط حكم الإخوان كان ضرورة وطنية، لا رفاهية سياسية.
لكنني لم أكن مع 30 يونيو لكي نخرج من مكتب الإرشاد إلى مكتب التعليمات.
لم أكن معها لكي نهرب من وصاية الجماعة الدينية إلى تغليب المقاربة الأمنية.
لم أكن معها لكي نستبدل خطاب “السمع والطاعة” بخطاب “اسمعوا كلامي أنا بس”
لم أكن معها لكي يسقط مشروع ديني مغلق، ثم يقوم مكانه مشروع إداري أصم، لا يرى في المواطن إلا ممولاً، ولا يرى في الشعب إلا جمهوراً مطلوباً للتصفيق وقت اللزوم.
والحق أقول لكم؛ فإنَّنا، نحن المصريين، أبرز الخاسرين من ثورتينا العظيمتين.
لم نحقق أحلامنا التي قمنا بثورة 25 يناير من أجلها (عيش، حرية، عدالة اجتماعية)،ولم نحقق أحلامنا الكثيرة من ثورة 30 يونيو.
كان الوعد أن تكون 30 يونيو بداية دولة مدنية حديثة
فإذا بنا أمام دولة أقوى في القبضة الأمنية وأضعف في الثقة السياسية، دولة تعرف كيف تشق طريقاً في الجبل، لكنها لا تعرف كيف تفتح نافذة في المجال العام.
اقتصادياً، يعيش المصريون واحدة من أثقل لحظاتهم التاريخية؛ اجتماعياً، نحن أمام مجتمع متعب، ومنهك، ومحترق؛ ثقافياً، وربما تكون الخسارة أعمق من الاقتصاد؛ نحن في الدرك الأسفل من نعيم الجهل.
ودعوني أقولها بصراحة مطلقة، فإنَّ الرئيس السيسي الذي كان، بشجاعته ووطنيته، جزءاً من الحل، إن لم يكن الحل كله في لحظة تاريخية فاصلة (يونيو 2013)
قد أصبح اليوم (بسياساته الاقتصادية، وتصوراته عن الحكم، وبإنكاره التام لوجود مشكلة أصلاً) جزءاً من المشكلة، إن لم يكن المشكلة كلها.
كان الرئيس في لحظة 30 يونيو عنواناً للإنقاذ
أما اليوم فقد صار السؤال: من ينقذ الإنقاذ نفسه؟ من ينقذ 30 يونيو من السياسات التي أكلت معناها؟
من ينقذ الدولة من غرور الدولة؟
من ينقذ المشروع من أصحابه؟
من ينقذ الرئيس من أولئك الذين يقنعونه أنَّ كلَّ نقد مؤامرة، وكلَّ وجع جحود، وكلَّ سؤال هري، وكلَّ اعتراض قلة وعي؟
من ينقذ الرئيس، الذي نحبه كإنسان، ونحترمه كقائد، ونقدر دوره التاريخي في 30 يونيو، من اعتقاده بأنَّه لا يوجد من يفهم معنى الدولة غيره؟
ولا يعرف خارطة إنقاذ الوطن إلاه؟ ولا توجد حلول لأزماتنا غير ما يعتقده ويتصوره؟!
أخطر ما في اللحظة الراهنة أنَّ السلطة لا ترى ما يراه الناس، أو ترى ولا تريد أن تعترف!
والحاشية، كالعادة، تقوم بدورها التاريخي في خراب الدول: تلميع الصورة، وتخدير الحاكم ونقل صورة غير صحيحة إليه، وتخوين السؤال، وتحويل الغضب إلى شائعة، والفقر إلى سوء فهم، والنقد إلى مؤامرة، والصمت إلى تأييد!
لا أحد يقول إنَّ الناس موجوعة، الجميع يقول إنَّ الناس واعية، وراضية، ومؤيدة، وسعيدة!
لا أريد لثورة 30 يونيو أن تتحول إلى جنازة مؤجلة
لا أريد أن تصبح ذكرى إنقاذ نستخدمها لتبرير كل فشل.
لا أريد أن نرفعها كلما سأل الناس عن الغلاء، ونستدعيها كلما طالبوا بالحرية، ونلوح بها كلما قال مواطن: تعبت!
30 يونيو لم تكن تفويضاً مفتوحاً ضد الحياة، ولم تكن إذناً بإغلاق السياسة، ولم تكن تصريحاً بإرهاق الطبقة الوسطى (الأدق: إرهاق كل الطبقات، بدون استثناء!)
لم تكن شيكاً على بياض باسم الخوف من الإخوان
لقد خرج الناس في 30 يونيو لأنهم أرادوا دولة لهم، لا دولة عليهم، أرادوا وطناً لا جماعة، أرادوا إنقاذ مصر، لا تحويل الإنقاذ إلى سلطة أبدية فوق السؤال، أرادوا أن تعود الدولة، لكنهم لم يتصوروا أنَّ عودة الدولة قد تعني أحياناً غياب المواطن!
إنَّ ما نحتاجه الآن ليس أغنية جديدة، ولا شعاراً جديداً، ولا مدينة جديدة، ولا حملة جديدة لشرح ما لا يشعر به الناس، نحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأخطائنا.
نحتاج إلى سياسة ترى المواطن قبل المشروع، وإلى اقتصاد ينتج قبل أن يستدين، وإلى تعليم يصنع عقلاً قبل أن يطبع شهادة، وإلى إعلام يخاطب الناس لا يوبخهم، وإلى سلطة تعرف أنَّ الحب لا يستمر بالأمر، وأنَّ الثقة لا تصدر بقرار، وأنَّ الشرعية لا تعيش إلى الأبد على مجد لحظة واحدة، مهما كانت أهميتها.
سيدي الرئيس
لقد تعبنا، حتى بلغ بنا التعب مداه.
وثلاجاتنا خاوية حتى من “ماء الحنفية” وعجزنا عن الشكوى بسبب الخوف الذي يثقل صدورنا.
وفقدنا (العيش والحرية والعدالة الاجتماعية) التي طالما حلمنا بها.
لم نجد، بعد، من يحنو علينا، أو يحقق تطلعاتنا، أو يتفهم أوجاعنا!
سيدي الرئيس، “الجوع كافر” والبطون الجائعة لا تفكر، ولا يمكن توقع ردود فعل الذي “لا يجد قوت يومه”!
وقديماً قالها حاكم عادل: “حصِّن مدينتك بالعدل” والظلم كلَّ الظلم أن تعيش الحكومة ورجالاتها في “تبات ونبات” وألا يجد الشعب ما يسد مخمصته!
أيُّها الشعب المصري الكريم:
عظم الله أجركم في وفاة ثورة 30 يونيو، لتلحق بأخواتها من الثورات المنقوصة التي لم تحقق أياً من أهدافها الكبرى (1881- 1919- 1952- 2011)
ألهمكم الله الصبر والسلوان، وعوضكم عنها خيراً.






