بين وهم القيادة وحقيقة التحكم: من يكتب نهاية الحرب في الخليج؟
إسرائيل تجر الجميع إلى مسارها. جرأة الضربة على حقل بارس، بحساسيته الجيوسياسية والاقتصادية، توحي بأن سقف العمليات لم يعد مضبوطاً بالحسابات الأميركية التقليدية.

ما جرى في الأيام الأخيرة، من استهداف الحقل المشترك بين قطر وإيران، مروراً بالضربات على عسلويه، وصولاً إلى الرد الإيراني على منشآت الطاقة في الخليج، لا يمكن التعامل معه كتصعيد عابر. نحن أمام لحظة كثيفة تختبر فرضيات كثيرة دفعةً واحدة، أبرزها: هل انتقلت قيادة الحرب فعلاً إلى إسرائيل، أم أن الولايات المتحدة ما زالت تمسك بالخيوط، وإن بدت الصورة فوضوية؟
الانطباع الأولي يدفع باتجاه استنتاج مغرٍ: إسرائيل تجر الجميع إلى مسارها. جرأة الضربة على حقل بارس، بحساسيته الجيوسياسية والاقتصادية، توحي بأن سقف العمليات لم يعد مضبوطاً بالحسابات الأميركية التقليدية. لكن هذا الاستنتاج، رغم وجاهته الظاهرية، يخفي تبسيطاً مريحاً أكثر مما يعكس حقيقة المشهد.
التمييز الضروري هنا هو بين “المبادرة” و”القيادة”. إسرائيل قد تمتلك زمام المبادرة في لحظات معينة، تدفع نحو التصعيد، تختبر الحدود، وتفرض إيقاعاً أسرع مما ترغب به واشنطن. لكن القيادة تعني ما هو أعمق: تحديد مسار الحرب، ضبط سقوفها، والأهم فرض شكل نهايتها. وهذه، حتى اللحظة، لا تزال خارج القدرة الإسرائيلية الخالصة.
الضربة على الحقل المشترك ليست دليلاً حاسماً على انتقال القيادة، بل مؤشر على توتر داخل التحالف نفسه. فاستهداف منشأة تمس مصالح قطر، الحليف الحيوي، يضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة: كيف تسمح بتصعيد يهدد استقرار الطاقة العالمي، دون أن تبدو فاقدة للسيطرة؟ هنا يظهر الفارق بين من يدفع نحو التصعيد، ومن يُجبر على إدارة نتائجه.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن ما تريده إسرائيل، أي إطالة أمد الحرب واستنزاف البنية الصناعية الإيرانية، يتقاطع جزئياً مع أهداف أميركية أعمق، حتى لو اختلفت الحسابات الزمنية. هذا التقاطع هو ما يجعل العلاقة بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب تبدو متوترة، لكنها ليست علاقة قيادة وتبعية بقدر ما هي شراكة مشروطة.
أما إيران، فهي تتحرك ضمن منطق مختلف. للمرة الأولى منذ سنوات، تجد نفسها في موقع يمتلك أوراق ضغط حقيقية، من المضائق إلى الطاقة إلى الردع المباشر. لذلك، فإن العودة إلى ما قبل الحرب ليست خياراً مطروحاً. أي نهاية لا تتضمن تعديلاً فعلياً في ميزان العقوبات أو في معادلة الردع، ستُقرأ في طهران كهزيمة مؤجلة، لا كتسوية.
لكن جوهر المسألة لا يكمن في الخوف من “سوء التوقيت” كما تُصوره القراءة الغربية، بل في طبيعة المعركة نفسها. إيران لا تتحرك تحت ضغط الساعة الأميركية، ولا تُقاس خياراتها بإيقاع السياسة الداخلية في الولايات المتحدة. ما تفعله طهران هو محاولة فرض معادلة جديدة بالكامل، لا مجرد تحسين شروط تفاوض.
الإفراط في استخدام القوة ليس خطراً بذاته، بل يصبح خطراً فقط إذا كان بلا أفق سياسي. وهنا تحديداً تختلف الحالة الإيرانية. طهران لا تستعرض قوتها لرفع سقف التفاوض فحسب، بل لتثبيت قناعة معاكسة لما حاولت واشنطن ترسيخه لسنوات، أن الضغط لا يؤدي إلى الانكفاء، بل إلى الانفجار.
من هذه الزاوية، فإن تأخر إيران في الدخول إلى مسار تفاوضي ليس بالضرورة خطأ، بل قد يكون شرطاً لفرضه. لأن أي تفاوض مبكر، قبل أن تترسخ كلفة الحرب على خصومها، سيعيد إنتاج نفس المعادلة التي سبقت الحرب، حيث تُمنح التنازلات تحت الضغط، لا تُنتزع تحت النار.
الرهان الحقيقي ليس على الوقت، بل على من ينجح في كسر تصور الآخر. الولايات المتحدة تراهن على أن طول أمد الحرب سيُنهك إيران ويدفعها إلى التراجع، بينما تراهن إيران على أن نفس الامتداد الزمني سيحوّل الكلفة إلى عبء داخلي على دونالد ترامب.
هنا فقط يصبح التوقيت أداة صراع، لا عامل ضغط أحادي الاتجاه. تأخير التفاوض قد يغلق نافذة، نعم، لكنه قد يفتح أخرى، أوسع وأكثر كلفة على الطرف الآخر.
ومع ذلك، من الخطأ افتراض أن هذا المسار سيبقى مفتوحاً بلا حدود. الولايات المتحدة لا تتحرك فقط تحت الضغط، بل تمتلك أدوات لإعادة تشكيل المشهد، من السوق إلى السياسة إلى ضبط الإيقاع العسكري. ما يبدو تراجعاً قد يكون إعادة تموضع، وما يُقرأ كفقدان سيطرة قد يكون قبولاً بفوضى محسوبة.
في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال الحقيقي من يقود ومن يتبع، بل من ينجح في فرض كلفة المعركة على الآخر. ما تكشفه هذه الحرب ليس توازناً في القوة، بل ارتباكاً في إدارتها. الولايات المتحدة لا تبدو كمن يقود مساراً محسوباً، بل كمن يحاول احتواء مسار يتفلت من يده، فيما تدفع إسرائيل نحو أقصى حدود التصعيد دون قدرة على إنهائه.
في المقابل، تتحرك إيران بمنطق مختلف، لا بوصفها الطرف الأقوى بالضرورة، بل بوصفها الطرف الذي نجح في كسر القاعدة التي حكمت الصراع لسنوات: أن الضغط يؤدي إلى الانكماش. ما يحدث الآن يشير إلى العكس تماماً، الضغط يولّد توسيعاً في المواجهة، لا انكفاءً عنها.
لهذا، فإن نهاية هذه الحرب لن تُكتب وفق ميزان الضربات، بل وفق ميزان التحمل. من يستطيع الاستمرار دون أن تتآكل جبهته الداخلية، هو من سيفرض شروط الخروج. وهنا تحديداً، لا تبدو الكفة مائلة بالقدر الذي تفترضه القراءات التقليدية.
قد لا تكون إيران قد حسمت المعركة، لكنها نجحت في نقلها إلى أرض مختلفة، حيث لم يعد التفوق العسكري وحده كافياً، ولم تعد أدوات الضغط القديمة قادرة على إنتاج نفس النتائج. وفي هذا التحول تحديداً، تكمن أخطر خسائر خصومها، لا في ما دُمّر، بل في ما سقط من مسلمات.






