مقالات
السفير معصوم مرزوق
السفير معصوم مرزوق

دبلوماسي وسفير سابق

المرشد الجديد بين القوة والدبلوماسية

مشاركة:
حجم الخط:

بعد أن تم إختيار مجتبي خامئني لمنصب المرشد الجديد مباشرة ، كتبت في صفحتي بالفيس بوك ، تعليقاً مقتضباً بالرأي ، وفوجئت بالردود المعارضة علي هذا الرأي ، فوجدت أنه من الضروري التوسع بعض الشيئ في إيضاح رأيي ، لعل ذلك قد يساعد في إزالة الإلتباس ، خاصة تلك التي اقترنت بتوجيه السهام لإجتهادي المتواضع وصلت إلي حد الإتهام بأن ” تحليلي للموقف خطأ علي أساس أن الشعب الإيراني متمسك بعقيدته ، ولا يهتم بمسائل مثل تيار ديني وتيار مدني .. وأن باب النجار مخلع .. إلخ ” .

وفيما يلي سوف أدرج نص ما كتبته ، مع الإشارة بعد ذلك إلي بعض الآراء المنتقدة لما كتبت :

أولاً : النص :

( أن اختيار مجتبي خامئني ، يعني بإختصار إنتصار التيار المتشدد علي التيار المعتدل في إيران ، وازدياد فرص التشقق الداخلي. يبدو أن ” نتنياهو ” كان لديه أغلبية في التصويت للمرشد الجديد . هذا ليس إنتقاص من شأن الرجل ، ولكن قراءة سياسية ما بين ” الأفضل ” و ” المفضول ” .. ” الأفضل ” فاعل يمتلك قرار الحرب و ” الدبلوماسية ” ، و ” المفضول ” ريشة في مهب رياح الغضب . ” المقاومة الراشدة ” هي مزيج ماهر بين ” القوة ” و” الدبلوماسية ” …وهما جناحان يتساندان من أجل أن تحلق آمال الشعوب . ومع ذلك ، أتمني للمرشد الجديد أن يوفق في مهمته الصعبة التي تفترض نجاحه في قيادة حصانين جامحين ، يجري كل في اتجاه ).

ثانياً : أبرز إتجاهات الإنتقادات :

1. أنه لا مجال للسياسة والدبلوماسية ولا لأي حسابات منطقية عقلية علمية ، بعد أن أصبح منطق القوة هو السائد .
2. لا صدي لصوت العقل في إيران ، بعد أن جعل ترامب ونتنياهو المعركة صفرية – أكون أو لا أكون – والخاسر ليس له مستقبل سياسي .
3. أثر استشهاد المرشد السابق لشعب له ميراثه الروحي والديني ، فليس سوي الإنتقام ولا فرق في ذلك بين إصلاحي أو محافظ .
4. أن الإختيار رسالة أكثر من كونه إختيار ” بعد أن تم قتل المعتدل الذي كان من الممكن التحاور معه ، فها نحن ندفع إليكم بشخصية أكثر تشدداً “.

ما تقدم نقلته بأمانة وإختصار غير مخل ، لما تم كتابته آو الحديث معي فيه شفاهة ، وكلها آراء معتبرة لها احترامها ، مع التأكيد علي أن ما قلته لا يقلل من نضال الشعب الإيراني ضد الهجمة الأمريكية الصهيونية.

أن القضية التي طرحتها هي المفاضلة بين أسلوب المزج الماهر بين “القوة ” و ” الدبلوماسية ” ، وبين أسلوب سياسة الإنتقام والغضب ، التي رأيت أنها تخدم سياسات نتنياهو ، وأوضحت أن نجاح مهمة المرشد الجديد ، تشبه محاولة قيادة حصانين جامحين ، يجري كلٌ في إتجاه عكس الآخر .

التجربة الفيتنامية :

لنتأمل مثلاً ، كيف مزح الفيتناميون بين القوة والدبلوماسية حتي حققوا النصر ؟ ، فمن المؤكد الآن بعد كل ما عرفناه من وثقائق ومعلومات أن نجاح الفيتناميين لم يكن نتيجة القوة العسكرية وحدها ولا الدبلوماسية وحدها، بل نتيجة المزاوجة بينهما بصورة دقيقة بحيث يمكن تلخيص الاستراتيجية الفيتنامية بأنها: ” القتال لكسب الوقت، والتفاوض لتحويل مكاسب الميدان إلى مكاسب سياسية ” .
وقد كانت هذه هي إستراتيجية فيتنام الشمالية بقيادة هوشي منه Ho Chi Minh والجنرال فو نجوين جياب Vo Nguyen Giap ، حيث اعتمدت مبدأ واضحاً منذ البداية :”قاتل وتفاوض في الوقت نفسه” ، فقد كانت المعارك مستمرة، وفي الوقت نفسه كانت المفاوضات تُدار في باريس .
وكانت الفكرة بسيطة: “كل انتصار ميداني يقوّي الموقف التفاوضي”.
ومن أبرز الأمثله علي تطبيق تلك الإستراتيجية هي ما أطلق عليه “هجوم رأس السنة ” أو ” هجوم تيت” عام 1968 ، فقد تمثل في هجوم عسكري واسع ، مع إبداء المرونة التفاوضية ، ورغم أن الهجوم في ذاته لم يمثل إنتصاراً عسكرياً حاسماً ، لكنه كان كفيلاً بإحداث هزة في الرأي العام الأمريكي ، أرغمت واشنطن علي إدراك أن الحرب طويلة وتكاليفها باهظة ، وهو الهدف الجوهري للإستراتيجية الفييتنامية ، فبدأت مفاوضات جادة في باريس ، والتي كان يقود الوفد الأمريكي فيها الدبلوماسي الماكر هنري كيسنجر الذي قال بعد توقيع الاتفاق : ” أن كان مثل تناول السم ” .
إذن كان العمل العسكري موظفاً لخلق الضغط المناسب علي الخصم ، ثم تولت الدبلوماسية حصد النتيجة في النهاية .
ويمكن أيضاً الإشارة إلي بعض الأمثلة التاريخية الأخرى مثل :
.1 بسمارك وتوحيد ألمانيا
قام المستشار الألماني بسمارك Otto von Bismarck باستخدم مزيجًا دقيقًا من الحرب والدبلوماسية في حروبه الممتدة من أجل توحيد ألمانيا .
فقد كان بسمارك دبلوماسيًا بقدر ما كان استراتيجيًا ، حيث تحرك علي محاور متوازية هي :
• عزل فرنسا دبلوماسيًا ( بتفصيل أكبر في كتاب كيسنجر الهام : ” الدبلوماسية “.
• منع تدخل القوى الكبرى ( نفس المصدر السابق ) .
• استغلال الانتصارات العسكرية لبناء الإمبراطورية الألمانية.
2. الصين وحرب كوريا :
تدخلت الصين بقيادة ماو تسي تونج عسكرياً في الحرب الكورية ، وخاصة عندما اقتربت قوات أمريكا والقوات المتحالفة معها ( وأطلق عليها زوراً قوات الأمم المتحدة ) ، من حدود الصين ، وقد عكست أدبيات تلك الفترة أنها لم تكن تسعي إلي تحقيق نصر شامل ( الذي كان يعني دماراً شاملاً آنذاك ) ، وإنما تحركت بحذر إستراتيجي لتحقيق توازن إستراتيجي ، أسفر عن توقيع إتفاقية الهدنة ، وتثبيت الحدود بشكل لا يبتعد كثيراً عن وضعها السابق ، أي أن القوة العسكرية استخدمت بالكمية والكيفية التي تحقق شروطاً معينة ، نجحت في إنجازها في النهاية .
. 3 مصر بعد حرب أكتوبر :
يمكن القول بشكل عام ، ووفق المصادر المتاحة الآن أن الرئيس أنور السادات قد استخدم نفس المبدأ ، أي الحرب التي تمهد الطريق إلي الدبلوماسية ، لفتح الباب السياسي الذي كان مغلقاً .

ويلاحظ هنا أنه يمكن إستنباط “القاعدة الاستراتيجية العامة ” التي تري أن الدبلوماسية وحدها ضعيفة ، وأن القوة بدون دبلوماسية عمياء تشبه دخول فيل في محل لبيع الأواني الصينية .
وربما لهذه الأسباب قال الاستراتيجي الألماني Carl von Clausewitz إن الحرب هي استمرار السياسة بوسائل أخرى وهو ما يُعرف في الدراسات الإستراتيجية الحديثة بـإستراتيجية “القتال والتفاوض معًا ” (Fight and Talk) ، ويستند على فكرة أن الحرب والدبلوماسية لا يسيران بالتتابع بل بالتوازي، فالدولة قد تقاتل لتعديل ميزان القوى، وتتفاوض في الوقت نفسه لاستثمار هذا التعديل سياسيًا.
وهذه الإستراتيجة تمر عادة بثلاث مراحل مترابطة:
.1 خلق النفوذ (Leverage) ، حيث يستخدم العمل العسكري لخلق نفوذ تفاوضي ما .
وأبرز الأمثلة علي ذلك :
• الهجمات أو العمليات العسكرية لتغيير ميزان القوى.
• حتي يصبح الخصم أكثر استعدادًا للتفاوض.
. 2إدارة الصراع ( Conflict management ):
في تلك المرحلة تُستخدم الدبلوماسية لتحديد حدود الصراع بشكل وقائي لمنع تحوله إلى حرب شاملة.
.3 جني المكاسب السياسية :
حيث يكون علي المفاوضات تحويل النتائج العسكرية المؤقتة إلى مكاسب سياسية دائمة.
وهنا ينبغي الإشارة إلي أن الاستراتيجية الإيرانية منذ الثورة بقيادة الخميني ثم لاحقًا تحت حكم خامئني قد اعتمدت بالفعل على مزيج من:
• الضغط العسكري غير المباشر عبر حلفاء إقليميين .
• المفاوضات الدولية .
وأوضح مثال هو الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه عام 2015 ( Joint Comprehensive Plan of Action ) ، والذي تنصل منه الرئيس ترامب فيما بعد ، فقد سبقت المفاوضات سنوات من التصعيد والضغط المتبادل.
كما يمكن الإشارة هنا – مع الفارق – إلي أن إسرائيل تحت قيادة نتنياهو تتبع أيضاً مزيج مشابه من
• عمليات عسكرية أو تهديدات بالقوة بشكل مستمر .
• ثم تحركات دبلوماسية وصولاً إلي اتفاقيات تستفيد مما تحقق علي الأرض عسكرياً .
ويمكن وضع الإتفاقات الإبراهيمية تحت هذه الإستراتيجية ، فهي مزيج بين التهديد بالقوة واستخدامها ، وبين طرح بديل سلام ( أطلقت أنا عليه في نهاية السبعينيات اسم ” سلام القبور”)
لذلك كان هنا مصدر تحفظي علي أختيار مجتبي خامئني في هذا التوقيت المفصلي ، لأن القاعدة كما آوضحناها هي ” أن أفضل مفاوض هو من يملك أوراق قوة على الأرض ” ، وأخشي أنه قد يقرر مواصلة القتال من أجل إرضاء غريزة الإنتقام ، فيفقد حتي ما توفر حالياً من أوراق علي الأرض تحتاج إلي مهارة في مزجها مع التفاوض .
قد يكون رأيي في النهاية صواباً يحتمل الخطأ ، ورأي الآخرين خطأ يحتمل الصواب ، والله من وراء القصد .

شارك المقال: