القناع (قصة قصيرة) للكاتب عبود مصطفى عبود
في غرفة المكتب، كان هناك درج لا يُفتح إلا بمفتاح صغير معلّق في سلسلة داخل جيبه. لا يضعه على الطاولة أبدًا. يضعه دائمًا في جيبه. في تلك الليلة، فتح الدرج. لم تكن فيه رسائل ولا صور قديمة

الصورة بعدسة الكاتب الصحفي محمد الروبي
القناع ( قصة قصيرة)
في المرّة الأولى التي ناداه فيها المذيع على الهواء قال:
معنا الآن الكاتب الكبير… فارس السالمي.
تأخر فارس نصف ثانية قبل أن يردّ.
لم يلتفت أحد إلى نصف الثانية.
قال مبتسمًا:
أهلًا بك.
بعد الحلقة، حين عاد إلى شقته في الطابق التاسع، مرّ بالممرّ الضيق الذي تنتهي جدرانه بمرآة طويلة. كان يمرّ بها دائمًا بسرعة، كأنها بابٌ لا يريد أن يرى ما خلفه.
هذه الليلة لم يمرّ بسرعة.
وقف.
ثم رفع يده إلى ياقة قميصه، وشدّها مرة، ثم مرة أخرى، وكأن المشكلة في القماش لا في الوجه.
لم ينظر في عينيه مباشرة.
نظر إلى زاوية الفك، إلى ربطة العنق، إلى زرّ صغير في الكمّ.
ثم رفع عينيه أخيرًا.
لم يرَ شيئًا يطمئنه.
كانت الشقة مرتّبة أكثر مما ينبغي.
كتبٌ مصطفّة بحسب اللون لا بحسب العنوان، شهادات مؤطّرة، وصورٌ له وهو يصافح وزراء ورؤساء تحرير.
وعلى الرف الأوسط، في مستوى العين، نسخة مُذهّبة من غلاف كتابه الأشهر:
“القيادة من الداخل”
كان الغلاف يلمع تحت ضوء الأباجورة، واسمه مطبوعًا بحروف كبيرة:
فارس السالمي.
توقف أمامه لحظة.
مدّ يده كأنه سيحمله، ثم سحبها.
في غرفة المكتب، كان هناك درج لا يُفتح إلا بمفتاح صغير معلّق في سلسلة داخل جيبه.
لا يضعه على الطاولة أبدًا.
يضعه دائمًا في جيبه.
في تلك الليلة، فتح الدرج.
لم تكن فيه رسائل ولا صور قديمة، بل ملفات مرتّبة بعناوين جافة:
“اقتباسات” ،”قصص” ، “أفكار” ، “خطب”.
فتح ملف “خطب”.
في أعلى الصفحة الأولى كان مكتوبًا بخط واضح:
يوسف حسان — 2006
ظلّ ينظر إلى التاريخ أكثر مما ينظر إلى الاسم.
2006.
قلب الصفحة بسرعة، ثم أغلق الملف.
وأغلق الدرج.
وأدار المفتاح مرتين.
رنّ هاتفه.
كان منسّق المؤتمر الكبير الذي سيُعقد بعد أسبوع:
مؤتمر الريادة الأخلاقية وصناعة الأثر.
قال الصوت بحماس:
أستاذ فارس، الملصق جاهز، واسمك على البانر الرئيسي. ونحتاج منك تأكيد الشرائح النهائية.
قال فارس:
أرسلها.
أغلق الهاتف.
فتح البريد.
ظهر الملصق: وجهه مبتسمًا، وتحت الصورة جملة منسوبة إليه:
النجاح الحقيقي يبدأ حين تتوقف عن تقليد الآخرين.
مرّر إصبعه على الكلمات ببطء.
ثم أغلق الهاتف.
في يوم المؤتمر، كانت القاعة لامعة: شاشات ضخمة، أضواء بيضاء، كاميرات بث مباشر، وصفوف أولى تضم رجال أعمال وإعلاميين.
دخل فارس من الباب الجانبي.
صافح هذا، وربّت على كتف ذاك.
أحدهم—رجل في الستين—شدّ على يده وقال بصوت مسموع:
أنت فخرنا يا فارس. والله أنت قدوة.
أومأ فارس.
وقف لحظة خلف الستار.
أخرج المفتاح الصغير من جيبه، نظر إليه، ثم أعاده بسرعة.
صعد.
كان التصفيق جاهزًا.
وهو أيضًا كان جاهزًا.
بدأ بقصة مؤثرة عن شاب فقير صنع نفسه.
قالها بصوت ثابت، وبالوقفة نفسها عند الجملة نفسها.
رأى رؤوسًا تهتزّ.
سمع همهمات إعجاب.
ثم ظهرت الشرائح على الشاشة خلفه.
في الركن السفلي من الشريحة الثالثة، ظهر سطر صغير:
إعداد: يوسف حسان
ابتلع ريقه مرة واحدة.
واصل.
لكنه أخطأ في كلمة.
ثم أعادها.
من الصفوف الخلفية، وقف رجل.
لم يكن منظمًا، ولا مصورًا، ولا صحفيًا.
كان يرتدي قميصًا بسيطًا وجاكيتًا رماديًا.
وجهه شاحب، وعيناه لا تبحثان عن الكاميرا.
رفع يده.
قال:
لو سمحت… سؤال.
قال فارس بسرعة:
تفضل.
قال الرجل بهدوء:
هذه المحاضرة… ليست لك.
ضحك بعض الحضور، ثم سكتوا حين لم يجدوا على وجه الرجل أي أثر للمزاح.
قال فارس، وهو يحاول أن يجعل صوته طبيعيًا:
أخي الكريم، الأفكار…
قال الرجل:
لا. ليست أفكارًا عامة. هذه فقرات كاملة. ترتيب. أمثلة.
توقف لحظة، ثم أضاف بصوت أقل:
حتى… حتى النكتة التي قلتها قبل دقيقة.
سكت فارس.
قال الرجل:
اسمي يوسف حسان.
نظر بعض الحضور إلى الشاشة مرة أخرى.
ثم إلى فارس.
عيون اتسعت قليلًا، ثم ضاقت.
أفواه كادت تنطق بشيء ثم صمتت.
اقترب يوسف خطوة، ثم أخرج ورقة مطبوعة.
لم تكن جديدة.
كانت مطوية عند الحواف، وفي طرفها بقعة قديمة كأنها قهوة جفّت منذ زمن.
فتحها ببطء، كمن يفتح شيئًا لا يحب أن يراه.
في أعلى الورقة:
مشروع داخلي — شركة الندى للاستشارات — 2006
وفي أسفلها توقيع واضح:
يوسف حسان
كانت الورقة ثابتة… إلا من طرفٍ صغير يرتجف في يد يوسف.
قال يوسف:
أنا لا أريد أن أفضحك.
ثم صمت.
قال بعدها بصوت خرج أخشن مما أراد:
لكنني… تعبت.
تحرك أحد المنظمين نحو المنصة.
قال بتلعثم:
نحتاج… نحتاج أن نتأكد…
لم يلتفت يوسف إليه.
كان ينظر إلى فارس.
وفارس ينظر إلى الورقة.
قال يوسف بهدوء عاد متأخرًا:
سأسألك سؤالًا واحدًا فقط.
سكتت القاعة.
قال يوسف:
هل بقي في حياتك شيء واحد… لم تأخذه من أحد؟
لم يرد فارس.
فتح فمه ليقول شيئًا، ثم أغلقه.
في الصف الأول، كانت امرأة قبل دقائق ترفع هاتفها لتصوّره.
الآن كانت تضع الهاتف في حقيبتها ببطء.
وفي الصف الثالث، كان صحفي يكتب بسرعة، ثم رفع رأسه مبتسمًا ابتسامة صغيرة.
وعلى يمين القاعة، وقف الرجل الستيني الذي قال له قبل قليل: قدوة، وصاح بصوت مرتفع:
يا جماعة، استنوا! أكيد في سوء فهم! الأستاذ فارس… مستحيل!
التفتت الرؤوس إليه لحظة.
ثم عادت إلى فارس.
رأى فارس الرجل الستيني يبتسم له كما لو كان يستنجد به.
اقترب من الميكروفون.
قال بصوت منخفض:
“أنا…”
ثم توقف.
قال مرة أخرى:
“لا أعرف.”
ثم قال فجأة بصوت أعلى:
“لا أعرف!”
في اللحظة التي انكسر فيها صوته، قال يوسف شيئًا لم يكن أحد يتوقعه.
قال فقط:
“كنتَ صديقي.”
ثم أدار ظهره، ومشى نحو الباب.
نزل فارس عن المنصة.
لم يمنعه أحد.
مرّ بين الصفوف كمن يمشي في جنازة نفسه.
في الخارج، كان الهواء باردًا والسماء شاحبة.
وقف عند باب القاعة.
أخرج هاتفه.
فتح قائمة الأسماء.
توقف عند اسم قديم لم يمسحه يومًا:
يوسف حسان
ضغط عليه.
ثم ضغط اتصال.
رنّ مرة.
رنّ مرتين.
رنّ ثلاث مرات.
ثم جاءه صوت آلي بارد:
“المشترك الذي تريد الاتصال به غير موجود.”
أنزل الهاتف ببطء.
أغلقه.
مدّ يده إلى جيبه.
تحسّس المفتاح الصغير.
أخرجه.
نظر إليه.
ثم رماه في أقرب سلة مهملات.
سمع صوتًا خفيفًا:
طنّ.
التفت بلا قصد نحو زجاج المدخل.
كان انعكاسه واضحًا فيه.
ورأى خلفه—داخل القاعة—رفًا صغيرًا لعرض الكتب.
نسخًا كثيرة من كتابه المذهّب: “القيادة من الداخل”.
على الغلاف، اسمه بحروف كبيرة.
وقف ينظر.
قرأ الاسم بعينيه فقط.
ثم مشى.
رابط المقال المختصر:





