مقالات
السفير معصوم مرزوق
السفير معصوم مرزوق

دبلوماسي وسفير سابق

التفاوض تحت مطرقة ترامب !

هناك تخوف في بعض الدوائر الأمريكية من أن إيران قد تقذف صواريخها علي سفارات أمريكا وقواعدها العسكرية ، وعن طريق إعطاء الضوء الأخضر للقوات الحليفة لها في المنطقة بشن هجمات علي أهداف أمريكية .

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم : معصوم مرزوق

أكتب هذا بينما تجري الاستعدادات لعقد الجولة الثالثة للمحادثات ( والتي قيل أنها نهائية وحاسمة ) بين الوفدين الإيراني والأمريكي بوساطة عمانية ( محادثات غير مباشرة ) .

لا تبدو المؤشرات متفائلة . إذا فشلت هذه الجولة ، فإما تكون هناك جولة أخري ، وهي ما يعني نجاح نسبي للدبلوماسية الإيرانية ، وإما توجيه ضربات قوية ضد إيران قبل نهاية الأسبوع القادم . ولكن وارد أيضا أن ينزل ترامب من فوق الشجرة ويكتفي بفرض مزيد من الحصار والعقوبات علي إيران

.. ويبدو أن المجتمع الدولي ، بما في ذلك الشرق الأوسط يكتفون بالمتابعة ، وكأنهم يشاهدون مباراة في الملاكمة !. لقد هددت إيران بأن كل القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة ستكون أهدافا مشروعة ، إذا تم الاعتداء عليها . ذلك لو حدث ، سيكون زلزالا ضخما ، تترتب عليه شروخاً متعددة في أوضاع ” الاستقرار القلق ” في المنطقة بالكامل .

في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للعام الصادرة في نوفمبر 2025 ، تضمنت إشارة إلي ” عملية مطرقة نصف الليل ” ( Operation Midnight Hamamer ) التي ” قامت فيها أمريكا بسحق القدرات الإيرانية في التخصيب النووي ” ، وذلك وفقاً للرؤية الاستراتيجية الأمريكية للرئيس ترامب ” من أجل استعادة القوة الأمريكية في الداخل والخارج ، وإعادة السلام والاستقرار للعالم ” .

وكانت هذه العملية قد تمت في يونيو ٢٠٢٥ ، واشتملت علي المفاعلات النووية في ” فوردو ” و ” ناطنس ” و ” أصفهان ” ، باستخدام القاذفات الشبح B2 التي قذفت المواقع بقنابل خارقة للأعماق ، فضلاً عن صواريخ توما هوك .

بعد تمام العملية تضمنت تصريحات ترامب وكبار مسئولي إدارته أن العملية نجحت ” وأن المطرقة سحقت قدرات إيران في تخصيب اليورانيوم ” ، وقد اختلفت التقديرات في أثر هذه الضربة ، حيث ذهب البعض إلي أن الضرر كان كبيراً بالفعل إلا أنه مؤقت ، بينما ذهب البعض الآخر إلي أن الأثر عطل عمليات التخصيب لأعوام قادمة ، بينما أبدي آخرون التشكك فيما إذا كانت البنية الأساسية أو المواد المخصبة قد تم تدميرها بالفعل ( وهؤلاء في الغالب يمثلون دوائر صهيونية يهمها الإبقاء علي إيران داخل الأجندة الأمريكية في العمل العسكري الأمريكي ) .

ومن المدهش أن ترامب و اقطاب إدارته لم يقدموا أي تفسير للتهديدات الحالية إذا كانوا حقاً قد ” سحقوا البرنامج النووي الإيراني في يونيو الماضي ” !!

التهديد الإيراني للمنطقة 

تجدر الإشارة إلي أن إيران منضمة بالفعل لمعاهدة حظر الانتشار النووي NPT ، وبالتالي فأن هذا الهجوم علي منشآتها النووية غير مبرر علي الإطلاق من زاوية القانون الدولي ، وهو عدوان عسكري يخالف ميثاق الأمم المتحدة ، فضلاً عن أنه انتهاك لحقوق دولة تتمتع بعضوية المعاهدة الدولية في حظر الانتشار .

نشرت “وول استريت جورنال ” تقريراً يوم ٢٣ فبراير الحالي حول التحذيرات التي قدمها رئيس الأركان الأمريكي جنرال ” دان كين ” ، ووزارة الدفاع الأمريكية خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي الأمريكي بشأن المخاطر التي قد تتعرض لها أمريكا وحلفاءها في المنطقة ( العرب بالطبع ) .
ومن ناحية أخري نشرت الجارديان في عددها الصادر في نفس اليوم أخباراً عن عملية إجلاء تنفذها أمريكا لأعضاء سفارتها في لبنان من أجل تفادي مخاطر المواجهة مع إيران ، حيث شوهدت أعداد من أفراد البعثة الأمريكية يغادرون من مطار رفيق الحريري في بيروت .

من المتوقع أن تعقد جولة المحادثات الثالثة ( غير المباشرة ) في جنيف يوم الخميس الموافق 26 فبراير 2026 بشأن تحديد وتقليص البرنامج الإيراني ، وقد صرح ترامب أنه يريد صفقة ذات معني ” مقبولة ” meaningful deal تؤدي إلي منع إيران من بناء سلاح نووي ، وحذر أن ” أشياء سيئة ” قد تحدث إذا لم يتم التوصل إلي صفقة .

إخلاء السفارات

وتجدر الإشارة إلي أن أمريكا قامت بإخلاء سفاراتها وقواعدها العسكرية في المنطقة في الفترة التي سبقت هجومها علي إيران في يونيو ٢٠٢٥ ، عندما قامت بإجلاء الموظفين غير الأساسيين مؤقتاً من سفاراتها في العراق والبحرين والكويت .

وقد صرح مسئول رفيع في الخارجية الأمريكية يوم الإثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ أنه قد صدرت أوامر بمغادرة موظفي الحكومة غير الأساسيين وأفراد أسرهم من السفارة الأمريكية في بيروت ، مبرراً ذلك بأنه من الحكمة تقليص الوجود الأمريكي بحيث يقتصر علي الموظفين الأساسيين فقط essential personnel .

ويبدو أن هناك تخوف في بعض الدوائر الأمريكية من أن إيران قد تقذف صواريخها علي سفارات أمريكا وقواعدها العسكرية ، وعن طريق إعطاء الضوء الأخضر للقوات الحليفة لها في المنطقة بشن هجمات علي أهداف أمريكية .
مع ملاحظة أن إيران أجرت مناورات عسكرية الأسبوع الماضي مع روسيا ، حيث تم تجربة صواريخ مضادة للسفن يمكن استخدامها لإغلاق مضيق هرمز .
وقد صرح ستيف ويتكوف مبعوث ترامب الذي يقود عملية التفاوض مع إيران ( يوم السبت ٢١ فبراير ) أن الرئيس لا يفهم لماذا لم تستسلم إيران حتي الآن Capitulated في المحادثات حول برنامجها النووي ، موضحاً أن الرئيس لديه العديد من الخيارات الأخرى ( فوكس نيوز في لقاء مع لارا ترامب زوجة ابن ترامب ) .

هذا التصريح ، في هذا التوقيت له مغزي سياسي هام ، لأن استخدام مصطلح ” استسلام ” Capitulation يحمل مفاهيم سياسية عديدة في القاموس الدبلوماسي ، فهو قد يعني : ” توقع تنازل أحادي من إيران ” ، أو تحديد نطاق التفاوض ليس في التوصل إلي تفاهمات ، وإنما باعتباره وسيلة ضغط ، أو أن هذا الاستخدام مجرد موقف تفاوضي يمثل ” الحد الأقصى ” .

ويتكوف

وبافتراض أن ” ويتكوف ” يفهم معني هذا المصطلح ، وأنه تعمد استخدامه ، فهو يشير بلا شك إلي استراتيجية تعتمد علي الضغط المتواصل ، وليس التفاهم المتفق عليه .

ويتكوف .. مطور عقاري ، ومن الأصدقاء المقربين من ترامب ، واختياره كمبعوث له ، يعكس تفضيل ترامب للوسطاء الشخصيين الموثوق بهم ، وليس الدبلوماسيين المحترفين بما يصبغ تلك المفاوضات ( وغيرها كما في غزه ) بما يلي :
– أنها تحمل طابعاً يميل إلي شكل عقد الصفقات التجارية .
– كما تحمل طابعاً شخصياً ، ولا تعتمد علي المؤسسات والقنوات الدبلوماسية المعتادة .

أن هذا اللقاء الذي أجراه ” ويتكوف ” مع ” فوكس نيوز ” ، قد يشير إلي أنه يحمل رسالة تخاطب أولاً : الرأي العام الداخلي في أمريكا ، كتأكيد علي موقف الإدارة المتصلب والخشن ، ولكنها ثانياً : رسالة للقادة الإيرانيين توضح احتمالات اللجوء لبدائل تصعيدية ( التي ربما تكون عسكرية أو اقتصادية ) ، وثالثاً : هي رسالة للحلفاء والأطراف الإقليميين في الشرق الأوسط بأن أمريكا جادة وتعني ما تقول It means business .

ومن ناحية أخري ، يعد استخدام جملة : ” لدينا العديد من البدائل ” ، التي استخدمها ويتكوف في لقائه التليفزيوني المشار إليه سابقاً ، بمثابة تمهيد وتحذير بشكل مبطن ، إلي وجود خيارات غير دبلوماسية بما في ذلك زيادة العقوبات أو إجراءات عسكرية جزئية أو شاملة .

وقد لا يزيد كل ذلك عن كونه جانب من الحرب النفسية التي تستخدم في عمليات التفاوض ، فمجرد طرح سؤال : ” لماذا لم تستسلم إيران ؟ ” ، يضيف الضغوط علي المفاوض الإيراني ، ويقوي المعارضين الإيرانيين في الداخل ، ويقلص هامش المرونة الدبلوماسية إلي حد الانعدام .

ولكن من ناحية أخري ، وبدراسة نفسية المفاوض الإيراني وثقافته وسوابقه التفاوضية ، يمكن استخلاص أنه يعتبر أن عملية التفاوض تدخل في ” مقاومة الضغوط ” وأهمها طرح خيار الاستسلام نفسه ، لأن استخدام هذه اللغة سوف تؤدي إلي تقوية الخط المتشدد في القيادة الإيرانية ، فلا يتحقق الهدف من التفاوض ، بل قد يدفع الجانب الإيراني إلي إبداء المزيد من التشدد .

أن ما يبدو كهدف استراتيجي للمفاوضات من وجهة النظر الأمريكية هو ” فرض حدود لعمليات التخصيب ، مع وجود ضمانات للمراقبة والشفافية” . بينما تهدف إيران فيما يبدو إلي التوصل لتخفيف العقوبات ، والاعتراف بحقوقها القانونية النووية وفقاً لمعاهدة حظر الانتشار النووي . أي أن الطرفين يستخدمان انطباع القوة في التفاوض بشكل أو بآخر .

وكملاحظة عامة ، يمكن القول بالتجربة أن استخدام اللغة الخشنة في الإعلام قد لا تعكس في أغلب الأحوال اللغة الأكثر هدوء خلف أبواب التفاوض المغلقة .

أن من يفهم أسلوب ترامب الذي تحدث عنه في كتابه ” فن الصفقة ” The Art of Deal ، يمكنه أن يتوقع أن غاية ما يسعي إليه هو التوصل إلي صفقة مع الإيرانيين من خلال “التنازلات المتدرجة” incremental conssessions ، وذلك بالتلويح بعصا التصعيد المحتمل ” الغامض ” ، وبإستخدام الرسائل الإعلامية والتصريحات التي تحمل التهديد والترغيب بما يقترب بشكل ما من سياسة حافة الهاوية Brinkmanship Policy .

إلا أنه ينبغي التنبه إلي أن المخاطر التي تحيط ” الدبلوماسية النووية ” العالية في خبرة الحرب الباردة ، ومفاوضات نزع السلاح ، التي تجعل من استخدام مصطلحات مثل ” استسلام ” سبباً في تباطؤ التوصل إلي حل ، حيث تتصلب مواقف الأطراف بدلاً من تحقيق اختراق ونتيجة وسط متفق عليها ، فمن المحتمل مثلاً أن تنظر القيادة الإيرانية إلي كلمة / مصطلح ( الاستسلام ) ، واعتباره مقصود ليحمل طابعاً تهديدياً ، حيث أن الثقافة الإيرانية تربط مفهوم ” الاستسلام ” تاريخياً ، بالإذلال والخضوع للهيمنة الأجنبية ، ومن ناحية أخري تقوم شرعية النظام الإيراني الحالي في الأساس علي اعتباره مقاوم للضغوط الخارجية .

بناء علي ذلك ، فقد ينظر إلي ما قاله ” ويتكوف ” بشأن ” الاستسلام ” ، باعتباره مجرد ” زلة لسان ” من ” مقاول ” لا يفهم شيئاً في الدبلوماسية ، وبالتالي لا تعتبره طهران جزء من الحملة ضدها لإضعاف موقفها التفاوضي ، وإنما هو محض استعراض بلاغي ، اعتاد عليه العالم من ترامب وإدارته ، بأنهم الأقوى والأقدر ، رغم أن ذلك لا يحتاج إلي كلام ، وقد يقلل الكلام فيه من مصداقيته .

ولكن ماذا عن أثر ذلك علي الوضع الداخلي في إيران ؟

سوف يختلف رد الفعل ما بين التيار المتشدد ، والتيار البراجماتي ، فقد يري المتشدد الذي يتمثل في الشخصيات المرتبطة بالمؤسسة الأمنية ، ودوائر المرشد الأعلى ، أن ذلك يعني أن أمريكا لا تسعي إلي تسوية ، وإنما إلي إخضاع ، ويؤكد أن المفاوضات غير مجدية لأنها غير متكافئة ، وأن أي تنازل سيؤدي إلي مطالب إضافية مثل موضوعات ترسانة الصواريخ بعيدة المدي ، بل وقد يصل إلي المطالبة بتحديد آعداد وقدرات القوات المسلحة الإيرانية ..إلخ ، وهو ما يعزز في الواقع خطاب النظام في ” اقتصاد المقاومة ” والتقشف ، والالتفاف حول العلم .

أما التيار البراجماتي في إيران ،

فقد يري في تصريح ” ويتكوف ” أنه مجرد خطاب موجه للاستهلاك المحلي الداخلي في أمريكا ، مع الحذر من أن تكون مؤشراً حقيقاً لبدائل تصعيدية لدي واشنطن بالفعل ، أو قد تندفع إليها ، وربما يستنتج هذا التيار أن ذلك يتطلب أن يمزج التفاوض الإيراني ما بين الصلابة المحسوبة ، والتراجع المحسوب .. أو الانسحاب من التفاوض.

وعلي جميع الحالات،

فلابد أن القيادات الإيرانية مشغولة في الوقت الحالي في تفسير الرسائل الأمريكية المتعاقبة ما بين تصريح ” ويتكوف ” وتعليق ” ترامب ” ، وهي في ذلك قد تطرح ثلاث أسئلة جوهرية : السؤال الأول :هل التهديد هو تهديد لفظي ؟ ، وللإجابة عليه ، فظني أنه لابد من بحث مدي الاستعدادات العسكرية الفعلية التي تؤكد جدية التهديد ، ومدي الإجماع السياسي علي الخيار العسكري داخل واشنطن ، ومدي الدعم الإقليمي وخاصة في منطقة الخليج لهذا الاحتمال .

السؤال الثاني الذي ينبغي أن تطرحه القيادة الإيرانية يتعلق بالوسيلة التي نقلت تصريح ” ويتكوف ” ، وربما تفترض طهران أن استخدام ” فوكس نيوز ” باتجاهها المعروف ، يشير إلي أن التصريح يستهدف ولو بشكل جزئي الجمهور الأمريكي .

أما السؤال الثالث فهو ” هل تقوم أمريكا فعلياً بالتحضير للتصعيد ؟ ، والحقيقة أن عبارة ” لدينا بدائل كثيرة ” قد تشير إلي عدة معاني ، فقد تعني ” تشديد العقوبات ” ، وقد تعني ” عمليات خاصة وسرية غير معلنة لكسر تماسك الجبهة الداخلية ” ، وقد تعني أخيراً ” مجرد ضربات محدودة ، ربما أشد قسوة من مطرقة يونيو الماضي ، و أوسع أنتشارا”

وأخيراً تجدر الإشارة إلي أن ” ويتكوف ” قد تساءل في حديثه التليفزيوني المشار إليه : ” لا أعرف لماذا لا يأتون إلينا ، ويقولون ببساطة : نحن نعلن رفضنا للسلاح النووي ، وهاكم ما نحن مستعدون للقيام به لتنفيذ ذلك الإعلان ” ، رغم كل الحشد العسكري البحري ، لا يزال من الصعب إقناعهم بذلك .

هل يمكن استخلاص أن الحل الدبلوماسي ممكن … أم أن ” مطارق ” ترامب لابد أن تنزل فوق الرؤوس في الشرق الأوسط ؟

شارك المقال: