علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

إثيوبيا على حافة الانفجار: تحالفات تحاصر آبي أحمد وتعيد شبح الحرب الأهلية

مع حساسية موقع إثيوبيا بالقرب من البحر الأحمر وحدودها مع السودان وإريتريا والصومال، فإن استمرار القتال قد يجذب تدخلات إقليمية أكبر، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو الاقتصادي.

مشاركة:
حجم الخط:

من سلام بريتوريا إلى جبهات مفتوحة.. هل تدخل إثيوبيا مرحلة حرب جديدة تهدد القرن الأفريقي؟

لم تكن إثيوبيا قد أغلقت جراح حرب تيجراي الدامية حتى عادت أصوات المدافع إلى الشمال من جديد.

ففي تطور هو الأخطر منذ توقيع اتفاق السلام عام 2022، تصاعدت المواجهات بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوى مسلحة معارضة، بينما تشكل تحالف جديد يضم جماعات متباينة هدفه المعلن تغيير النظام السياسي في أديس أبابا.

تحولت مناطق تيجراي وأمهرا وأفار إلى بؤر توتر عسكري، وسط مخاوف من عودة إثيوبيا إلى سيناريو الحرب الشاملة التي أوقعت البلاد في أزمة إنسانية كبرى خلال الفترة بين 2020 و2022.

المشهد الميداني: اشتعال جبهة تيجراي واتساع رقعة المواجهات

تشهد جبهة تيجراي حاليا تصعيدا بين قوات الدفاع عن تيجراي المرتبطة بجبهة تحرير شعب تيجراي (TPLF) والقوات الحكومية الإثيوبية.

وأفادت تقارير عن تحركات عسكرية واسعة، وسيطرة قوات تيجراوية على مواقع استراتيجية بينها مطارات في ميكيلي وأكسوم وشيري، مع اندلاع اشتباكات على خطوط التماس مع أمهرا وأفار.

كما امتدت التوترات إلى إقليم أمهرا، حيث تخوض قوات “فانو” المسلحة مواجهات مستمرة مع الحكومة الفيدرالية منذ سنوات، بينما يبقى إقليم أوروميا مسرحا لنشاط جماعات مسلحة أبرزها جيش تحرير أورومو.

اللافت في التطورات الأخيرة هو إعلان سبع جماعات سياسية وعسكرية تشكيل تحالف معارض للحكومة، يضم خصوما سابقين قاتل بعضهم بعضا خلال الحرب السابقة، وهو ما يضيف تعقيدا كبيرا للمشهد الإثيوبي.

الجذور التاريخية للصراع: أزمة هوية وسلطة عمرها عقود

الصراع الإثيوبي ليس وليد السنوات الأخيرة، بل يرتبط بتعقيدات بناء الدولة الإثيوبية وتوازناتها العرقية.

فمنذ سقوط نظام الإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1974، مرّت البلاد بمراحل متتالية من الصراعات بين المركز والأقاليم.

بعد سقوط نظام منغستو عام 1991، تبنت إثيوبيا نظام الفيدرالية العرقية الذي منح القوميات المختلفة صلاحيات واسعة، لكنه في الوقت نفسه عزز الهويات القومية وأوجد تنافسا حادا حول النفوذ والموارد.

سيطرت جبهة تحرير شعب تيجراي على المشهد السياسي الإثيوبي لنحو ثلاثة عقود ضمن تحالف الجبهة الثورية الديمقراطية، قبل أن يصل آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 ويعيد تشكيل النظام السياسي عبر حزب الازدهار، ما أدى إلى تراجع نفوذ التيجراي وتصاعد الخلافات مع القيادة الجديدة.

انفجر الخلاف عسكريا عام 2020 عندما اندلعت حرب تيجراي بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيجراي، قبل توقيع اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022

لكن القضايا الأساسية، خصوصا وضع المناطق المتنازع عليها مثل غرب تيجراي، بقيت دون حل نهائي.

الدعم الإقليمي لحكومة أديس أبابا.. دور الإمارات في الحسابات الجديدة

تمثل الإمارات أحد أبرز الشركاء الإقليميين لإثيوبيا خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والبنية التحتية.

تربط أبوظبي وأديس أبابا علاقات سياسية واقتصادية متنامية، تشمل استثمارات إماراتية في قطاعات متعددة ومشروعات مرتبطة بالطاقة والزراعة والخدمات اللوجستية.

كما تحدثت تقارير وتحليلات إقليمية عن دور إماراتي في دعم الحكومة الإثيوبية سياسيا واقتصاديا خلال أزماتها الداخلية، في إطار اهتمام أبوظبي بالاستقرار الإقليمي وممرات التجارة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وفي المقابل، وجهت أطراف سودانية اتهامات للإمارات وإثيوبيا بشأن دعم أطراف في الحرب السودانية، وهي اتهامات نفتها أبوظبي وأديس أبابا.

يأتي هذا الدور ضمن شبكة إقليمية معقدة تضم أيضا إريتريا ومصر والسودان والصومال، حيث تتداخل ملفات الأمن والموانئ والنفوذ في البحر الأحمر مع الصراع الداخلي الإثيوبي.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

1– احتواء سياسي وعودة للمفاوضات

قد تدفع الضغوط الدولية والخوف من انهيار الدولة الإثيوبية الأطراف إلى العودة للحوار، خصوصا أن جميع القوى تدرك تكلفة الحرب المفتوحة في بلد يتجاوز عدد سكانه 120 مليون نسمة.

2- حرب متعددة الجبهات

الخطر الأكبر يتمثل في تزامن صراعات تيجراي وأمهرا وأوروميا، ما قد يرهق الجيش الفيدرالي ويفتح الباب أمام توسع النزاع داخليا.

3- تدويل الصراع

مع حساسية موقع إثيوبيا بالقرب من البحر الأحمر وحدودها مع السودان وإريتريا والصومال، فإن استمرار القتال قد يجذب تدخلات إقليمية أكبر، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو الاقتصادي.

الخلاصة: إثيوبيا أمام اختبار وجودي

تواجه حكومة آبي أحمد أصعب مرحلة منذ وصولها إلى السلطة، فالمعادلة لم تعد مجرد تمرد محلي في إقليم واحد، بل شبكة من النزاعات التاريخية والمطالب السياسية المتشابكة.

بينما تراهن الحكومة على الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، تراهن القوى المعارضة على استغلال حالة الغضب الداخلي لإعادة رسم موازين السلطة.

لكن المؤكد أن أي انفجار واسع في إثيوبيا لن يبقى شأنا داخليا فقط، بل سيكون له تأثير مباشر على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

شارك المقال:

شاركنا برأيك