د. أيمن منصور ندا يكتب: مثقفون وعسكر (2-2)
من الصعب أن تجد مثقَّفاً مستقلاً يستطيع مواجهة التيار العام. ويجب الاعتراف بأنَّ رغبة أي مثقَّف في مواجهة الدولة، وفي نقد رئيس الدولة، دون أن يكون له سند داخلي، وظهير خارجي

أسباب رئيسة لتحول المثقَّف المصري إلى “إمَّعة”
يمكن الإشارة إلى خمسة أسباب رئيسة ل جنوح المثقَّفين المصريين إلى أن يكونوا مع النظام السياسي، وأن تكون مواقفهم انعكاساً لمواقف السلطة، بغض النظر عن اقتناعهم بها، أو تأييدهم لها.. وهي على النحو التالي:
1. الخوف والقمع كآلية لترويض المثقَّف:
منذ خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً منذ قيام ثورة يوليو 1952، ارتبط المثقَّف المصري بمصير سياسي هشّ؛ فإمَّا الولاء التام للسلطة، أو النفي، أو السجن.. ولا تتسامح السلطة في تجاوز المثقَّفين لأدوارهم المرسومة لهم، أو في عدائهم لها.. وقد تعرَّض عديد من المثقَّفين البارزين للأذى، أو للتضييق عليهم، أو لفرض الحصار الاقتصادي والإعلامي عليهم بسبب مواقفهم غير المؤيِّدة لتوجهات السلطة الحاكمة..
هذا الخوف جعل المثقَّف يختار الصمت أو الممالأة بدل المواجهة.. حتى الأسماء الكبيرة والعلامات البارزة في مجال الفكر والثقافة، مالت إلى الصمت إزاء جبروت السلطة بعد يوليو 1952.. على سبيل المثال، مثَّل موقف كلٍّ من طه حسين، وعباس العقاد صورة مصغرة لتحوّل النخبة بعد الثورة، إذ تحوَّلا من مثقَّفين أحرار يؤمنان بأنَّ الفكر سلطة في مواجهة السلطة، إلى مثقَّفين داخل منظومة ترى الثقافة تابعة للسياسة، فاختار طه حسين الصمت الكريم، واختار العقاد التأييد الحَذِر، وكلاهما انتهى إلى عزلة فكرية تعبِّر عن ضيق المساحة التي تركتها الثورة لحرية العقل.

في هذه الأيام (30 أكتوبر 2025) استئذن الشاعر فاروق جويدة في استراحة محارب من الكتابة، بعد أن يأس من تحقق الإصلاح الشامل الذي في القلب منه الإنسان
في عهد الرئيس مبارك، اُستخِدم مصطلح “الحظيرة” ودخول المثقَّفين فيها، للإشارة إلى السيطرة على المثقَّفين، باعتبار أنَّ من يدخل الحظيرة يصبح تابعاً للسلطة، ومسانداً لها، ومن يخرج منها أو عليها، فقد خرج من دائرة تأييد السلطة، ويجب معاقبته.
2. التبعية الاقتصادية والمؤسسية للسلطة
تحوَّل المثقَّف منذ يوليو 1952 من “صوت ناقد” إلى “موظف دولة”، ومن مُعبِّر عن صوت العقل إلى معبِّر عن صوت السلطة، ومنذ أسس ثروت عكاشة وزارة الثقافة (1958)، أصبح التمويل، والجوائز، والنشر بيد السلطة، وصار الولاء هو معيار الظهور والاستمرار.. وقد وصف البعض هذا التحول بقولهم: “تحوَّلت الكلمة إلى وظيفة، والموقف إلى مكافأة”
هذه البيئة جعلت المثقَّف مرتهناً لمصدر رزقه، لا لمصدر فكره.. وخلال العقود الماضية، وُزِّعت الصحف القومية كمكافأة على الولاء، واستمر ذلك إلى اليوم.

في العقد الأخير، سيطرت شركة واحدة على كلِّ مفاصل الحياة الإعلامية، والثقافية، وأصبح الشعار واضحاً: “من ليس معنا بشكل كُلّي ومطلق وتام، فهو عدونا”، وجلس عدد غير كبير من غير التابعين للشركة في بيوتهم، وتمت إحالتهم للتقاعد المبكر، ما اضطر بعضهم إلى الهجرة، أو إلى تغيير أنشطتهم إلى أعمال أخرى لا علاقة لها بالفكر والثقافة، لتغطية نفقات المعيشة، وهو ما انعكس سلباً على الحالة الثقافية والفكرية العامة.
3. ثقافة الزعيم الأوحد، وإلغاء الحس النقدي
جعلت الزعامة الكاريزمية التي كرَّسها الرئيس جمال عبد الناصر المثقَّف جزءاً من جوقة التصفيق، لا جزءاً من دائرة النقاش.. ولعلَّ قصة التصفيق التي بدأنا بها هذا المقال، أن تكون دالة على حالة ذوبان الوعي في شخص الحاكم.. وبصفة عامة، فلم يعد المثقَّف في عهد الزعيم صوت الأمة، بل أصبح صدى الزعيم.. ولقد استمر هذا النمط لاحقاً في أشكال مختلفة من “عبادة الحاكم”، حتى فقد المثقَّف قدرته على المعارضة العقلانية.. وفي ثقافة لا تعترف بالتعددية السياسية، ولا تؤمن بالمنافسة الاقتصادية، ولا تسمح بوجود صوت معارض للزعيم، من الصعب أن تجد مثقَّفاً مستقلاً يستطيع مواجهة التيار العام. ويجب الاعتراف بأنَّ رغبة أي مثقَّف في مواجهة الدولة، وفي نقد رئيس الدولة، دون أن يكون له سند داخلي، وظهير خارجي، هو أمر محفوف بالمخاطرة، إن لم يكن انتحاراً مؤكَّداً؛ إذ لا يتسامح النظام مع أيّة معارضة للنظام ولرأسه، ويعتبرها خيانة صريحة للوطن..
4. تدهور التعليم والنقد وضعف الاستقلال الثقافي: منذ تحذيرات طه حسين في “مستقبل الثقافة في مصر” من خطورة التعليم التلقيني، لم يتحقق بناء عقل نقدي حر، وأُنتِجت أجيال من المثقَّفين ترى في الطاعة فضيلة، وفي النقد خطيئة، وتحوَّلت وسائل الإعلام والجامعات إلى مؤسسات تنسخ الخطاب الرسمي أكثر مما تحفِّز على التفكير الحر.
لذا، أصبح المثقَّف “مُكرِّراً”، لا “مبتكراً”، يكرِّر ما يُقال وليس ما يقتنع به.. ولم يكن هذا التدهور مفاجئاً، بل حدث على فترات ممتدة.. إذ يسلِّم كلُّ نظام إلى النظام الذي يخلفه نظاماً أقل في المستوى من النظام الذي استلمه من سلفه.. وهكذا حتى وصلنا إلى هذا الحال من ضعف المستوى تعليماً، وثقافة، واستقلالاً، وقدرة على النقد، فالمثقَّف نتاج عصره، وانعكاس لمستواه العام.

5. الانعزال والانتهازية في غياب مشروع وطني جامع
انقسمت النخبة الثقافية إلى جزر متناحرة: يسارية، وإسلامية، وليبرالية، كلٌّ منها تبحث عن مكاسبها لا عن الوطن.. تخلَّى المثقَّفون عن هموم الناس، واشتغلوا بالمؤتمرات والجوائز، وبالتقرّب من السلطة.. ومع انسداد الأفق السياسي، بعد 2013، استسلم كثيرون للسلامة الفردية على حساب الموقف العام، وصار الحياد غطاء للخوف، والانتهازية بديلاً عن الاستقلال.. وتَعمَّق هذا الشعور، مع غياب مشروع وطني جامع، متعدد الأبعاد، ويتضمن إلى جانب إنشاء الكباري وتمهيد الطرق، بناء الإنسان الذي هو جوهر العمران.
في ضوء ذلك كلِّه.. ليس غريباً أن يكون المثقَّف المصري في المجال السياسي “إمَّعة”، يعيد ما يقال له، ويخشى أن يخرج عن السرب، ويرتضي أن يكون صدى لا صوتاً، وتابعاً مباشراً للسلطة، بعد أن كان ضمير الأمة وصوتها الحر.






