أمين حداد: شهادتي في معرض الكتاب
تعلمت أن كتابة الشعر فعل مقاومة، وعمل صالح، وصدقة جارية. وبحث مستمر عن الدهشة والصدق والموسيقى

أمين حداد شاعر العامية المصرية
كتبت قصيدة وأعطيتها لوالدي ليقرأها حين ينتهي مما يشغله، وجاءني الأصدقاء فجلست معهم في غرفتي لنلعب “الإستيميشن” ورأيت أبي يظهر أمام الغرفة على فترات وينظر من بعيد مبتسمًا، وحين غادر أصدقائي جاءني قائلًا هذا شعر عظيم وتغيرت علاقتنا منذ ذلك.
كنت في مكتب المدير أجلس أمامه ويحدثني عن المهام الجديدة والخطط القادمة في العمل، وفي رأسي نغم وكلام وقصيدة تكتمل في رثاء والدي.
بين هذين التاريخين كان أبي يعاملني كشاعر.
في يوم آخر وسنة اخرى كتبت قصيدة في خمس دقائق عن “سبت الغسيل” واتصلت بصلاح چاهين تليفونيًا وقرأتها له. وأسمعني إطراء كبيرًا وبعثتها في رسالة بريدية لبهاء وحسام فخر في نيويورك، وأنشداها على موسيقى “شجر الليمون” لمحمد منير.
كان سطوح محمد كشيك يجمعنا ونقرأ له القصائد وهو يسمع رافعًا رأسه الى أعلى مغمضًا عينيه نصف تغميضة مبتسمًا وما أن ننتهي يتكلم كثيرًا ويسعدنا بنقده الجميل وحسه المرهف الواعي لجماليات النصوص وبكارتها.
وكانت غرفة بهاء في منيل الروضة والدخان والشعر والضحك والسهر حتى الصباح.
أخذني كشيك للأبنودي وصعدنا السلالم في بيت عال في الزمالك وأسمعته شعري فقال لي وللحاضرين: أنت صوت جديد في الشعر وتكتب شعرًا جديدًا مدهشًا.
وكانت شهادات الشعراء الكبار والأصدقاء سندًا لي طول الطريق في مواجهة من حاولوا إبعادي عن شعري، وماذا لو لم يشهدوا لي .. أظنني كنت استمررت في غيي وفي كتابة الشعر.
كتبت الشعر في سن الثالثة والعشرين، وقبل ذلك كنت أكتب شعرًا بعيني مليئًا بنغم غامض ودموع وهمهمات بلا معنى.
ثم أصبحت شاعرًا مختبئًا، أنشر أحيانًا في الثقافة الجديدة ونادرًا في الجرائد اليومية. ويعرفني أصدقائي الشعراء ولا يعرف شعري غيرهم.
كان زملائي في العمل يسألونني: ألم ترث موهبة الشعر من أبيك فأقول: لا….( كاذبًا في الرد عليهم وصادقًا في أنه لا تجوز المقارنة بينه وبيني).
في بدايتي كنت أظن أن الشعر سهل وأكتبه حين أريد. ثم أدركت أن الشعر صعب وطويل سلمه.
ولا أعرف حتى الآن ما معناه ولِمَ أكتبه وكيف أكتبه.
كتبت قصائد جالسًا على مكتبي وقصائد مستريحًا على الكنبة أو نائمًا على سريري وكتبت وأنا في الأتوبيس وكتبت وأنا أقود السيارة.
وبكيت وأنا أكتب قصائد كثيرة.
كتبت وأنا في طريقي للعمل ماشيًا قصيدة عن إسماعيل ياسين.
وقصيدة وأنا عائد من العمل عن حلاوة الروح.
وكتبت قصيدة في الصباح الباكر وأنا مريض وأسميتها “مجنون امنيات”
وبعد سهرة طويلة مع محمود حميدة نقرأ فيها فؤاد حداد رجعت لأكتب قصيدة عن الضفادع وأسمعتها لبهاء صباحًا في التليفون فزارني ليلًا ليقرأها ثانية متفحصًا مندهشًا.
واستمرت أبيات عجيبة تداهمني لسنوات ولا أفهم معناها .. مثل:
“جات جات ماجاتش إن شالله ماجات” .. ومثل: “رغم إن البط مش باين عليه إنه بيحبك اوي ما اعرفش ليه” … إلى أن جاء يوم وتحولت الأبيات إلى قصائد.
لا طقوس للكتابة ولا طريقة واحدة كتبت بها قصائدي .. كل ما في الأمر ألا أبوح لأحد أني أكتب الآن، وكأنه سر معلن لكل من رآني جالسًا سارحًا وفي يدي قلم وبجانبي ورقة.
في كل ليلة حين أنام أفكر في كتابة قصيدة وينقذني النوم من كتابة رديئة. ومع ذلك .. تسرعت في كتابة ونشر بعض الأشعار.
أخاف دائمًا من المنطقة الآمنة المريحة في الكتابة التي يأتنس بها الشاعر فيستمر في التكرار وتنتهي بلا شيء.
بابص على عالم مختل
وبابص على ظلم المحتل
ويجينى عيد .. والاقيه مش عيد
ويجينى شعر كأنه جديد
هو المزيد من نفس الشىء
أو حتى أقل.
حاولت التمرد على نفسي كثيرًا وتغيير شكل كتابتي وفشلت أحيانًا ونجحت أحيانًا. ولولا الفشل ما نجحت.
في يوم من الأيام استبدلت إصبعي وشاشتي بقلمي وورقتي. ثم أصبح المحمول هو كراسني ومستودع اشعاري وأسراري.
وفي يوم آخر استغنيت عن السيجارة التي تصاحب الكتابة .. ولم أفتقد شيئًا … وكتبت. ولكني كنت أدخن في أحلامي وأندم ثم أستيقظ حامدًا شاكرًا على نعمة الامتناع عن التدخين.
في مرة ضبطت نفسي أفكر في استقبال الجمهور لبيت في قصيدتي التي كنت أكتبها حينها، وتوقعت تصفيقًا كثيرًا، فخفت لأني ادركت أن الشعر غائب، وتركت القصيدة.
دون وعي آمنت باستقلال القصيدة وقدرتها على البقاء والوصول إلى الناس. لأني أحببت الشعر من الدواوين ومن قائليه قبل أن أسمعه مغنى.
ولم أسع إلى تلحين وغناء ما أكتب إلا بعد ثورة يناير
كتبت في ٢٠١١ قصائد كثيرة وأظنها كانت نقلة في حياتي.. فلأول مرة أخرج بشعري من السر إلى العلن، وأحسست أن ما أكتبه يشبه ما يحدث حولي. فكتبت مواكبًا الأحداث، وأنشد الآلاف في بعض المسارح والميادين قصائد كتبتها وغنتها فرقة اسكندريللا، ونشرت هذه القصائد في ديوان “الحرية من الشهداء”
أسمعت كل قصائدي لوالدي حتي التي كتبتها بعد موته. أحب أبي بعضها واعترض على بعضها وقلت له لابد أن أخالفك الرأي وأتمرد حتى أكون أنا أنا، رغم يقيني بأنك الأصح، فيبتسم وهو بجلبابه الأبيض يتمشى بين السحب.
أحببت كل الشعر وكل أنواعه ولم أتعصب لنوع بعينه شرط أن يكون أصيلًا وصادقًا ومدهشًا.
دلني أبي على قصائد من التراث العربي وحفظتها مثل سينية البحتري ودالية بن الصمة وأحببت المعلقات ورثاء ابن الريب لنفسه وقصيدة ابن زريق وقصائد المنخل وجميل والأعشى وقصائد أبي نواس والمتنبي وشوقي وبيرم وحداد وأغاني جدتي والشغالين وحلقات الذكر والابتهالات والترانيم وقرأت وسمعت لبديع ومرسي وقورة وحجازي وأمل وعفيفي مطر وجاهين والأبنودي ومتولي ونجم وحجاب وزين العابدين وسيف وعبد الباقي وحجاج ونزار ودرويش والسياب ونازك الملائكة وعبد الصبور والبرغوثي وسميح وسركون والبردوني وعقل ومظفر وغيرهم كثيرين وسمعت وقرأت كل أبناء جيلي والأجيال التالية.
ولا أظن أن التاريخ سيصنفهم شعراء عمود وتفعيلة ونثر وعامية. فكلمة شاعر تغني عن كل ذلك.
جوهر الشعر واحد.
إذا سميت نفسي شاعر عامية أو شاعر فصحى أو شاعر نثر .. فأنا أنقص من نفسي.
أنا شاعر.
كتبت شعرًا مستخدمًا العامية المصرية القاهرية، وقرأته في دول عربية كثيرة دون أي مشكلة، وكتبت شعرًا بالفصحى وظللت كما أنا، وفعل ذلك كثيرون ممن يضمهم هذا المؤتمر.
وتعلمت أن كتابة الشعر فعل مقاومة، وعمل صالح، وصدقة جارية. وبحث مستمر عن الدهشة والصدق والموسيقى.
وأنا أرى الشعر موسيقى تحمل كلامًا
والموسيقى تكون أحيانًا صاخبة وأحيانًا هادئة أو حالمة وأحيانًا متقشفة بلا إيقاع منتظم. حتى النثر إذا أراد أن يكون شعرًا يجب أن تحمله موسيقاه. وأظن أن لكل إنسان نغم وإيقاع في كلامه وحياته إذا عرفهما واستطاع أن يكتب بهما يصبح شاعرًا متفردًا.
أنا من جيل لم يتمرد على من سبقوه ولكنه اختار منهم أجمل ما فيهم وأجمل ما كتبوه وشكل ذائقة جديدة للشعر معتمدة على الدهشة والأصالة وكتب عن تفاصيل الحياة التي عاشها بصدق دون اشتباك مباشر مع السياسة وإن ألقت ظلالها على كل ما كتبناه، واستقبلنا الموجات التالية من الشعراء برحابة رغم عنف بعضهم، وسقط البعض سريعًا واستمر البعض يعيد ما يكتبه حتى انتهى، وعاش شعر الشعراء الحقيقيين في جميع الأجيال.
وأختم كلامي بهذا الدعاء:
اللهم خلي الشعر يجمعنا
اللهم خلي الوزن مش تكليف
والقافية مش تكتيف
يا رب الهم عبيدك بالصدق والتكثيف
وخلي السامعين يكتروا
والناثرين يوزنوا …
والوازنين يكسروا
والكل يبعد عن التأليف
والكل يتخلى عن التكرار
يا رب .. ارزقنا بمطالع جديدة
واحسن ختام القصيدة
اللهم لا تمنعنا عن الممنوع
اللهم لا تمنع عننا الدهشة
اللهم لا تحرمنا من التلقائية
ومن الدموع
ومن الشرارة اللي بتسبب في البدن رعشة
اللهم ابعد عننا الأشرار
اللي بيكتبوا الأشعار .. فشار
وطرقعة .. وتخاطيف
أمين حدّاد
المصدر صفحة الكاتب على فيسبوك




