علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
إبداع
أحمد رجب شلتوت
أحمد رجب شلتوت

كاتب وناقد وباحث

أحمد رجب شلتوت يكتب: رواية (سبع شداد) حين تصبح الذاكرة طريقا للعودة (2-2)

الحكاية تستطيع أن تعيد بناء ما تهدّم، والكتابة تستطيع أن تحفظ الاسم، والذاكرة تستطيع أن تجعل المكان قابلًا للاستعادة.

مشاركة:
حجم الخط:

يبرز المكان في الرواية بوصفه ذاكرة حية

فمخيم اليرموك عالم كامل، شوارعه، مكتباته، مقاهيه، مساجده، أعراسه، جنازاته، باعة الطعام فيه، وطبلة السحور.

وعندما تتحدث خزامى عن عدم قدرتها على مغادرة المخيم، فإنها تدافع عن تاريخ شخصي وجماعي.

يصير المكان هنا امتدادًا للذات، ولذلك فإن الخروج منه يبدو اقتلاعًا جديدًا.

 التهجير في الرواية موتًا مؤجلًا للذاكرة

فالإنسان الذي يخرج من مكانه يحمل بعض الصور والروائح والحكايات، ويفقد أشياء أخرى مع كل خطوة.

لهذا تتكرر مفردات البيت والمفتاح والرائحة والشارع والنافذة والجدة.

حين تصل خزامى إلى البحر في النهاية، لا يكون البحر مجرد طريق إلى أوروبا، وإنما يكون حاجزًا بين المنفى والوطن، وبين الحلم والاقتلاع.

هنا يكتسب العنوان مغزاه، “سبع شداد” تحيل إلى القحط، لكنها في نهاية الرواية تصبح صيغة للأمل أيضًا.

فخزامى، وهي تقف أمام البحر، تستعيد مسار أجدادها قبل سبعين عامًا، وتدرك أنها قد تكون على وشك أن تبتعد سبعين عامًا أخرى عن فلسطين

ربما تكون “سبعًا شدادًا” أخرى تقربها من فلسطين.

النهاية تشير إلى أن البحر هو طريق الخلاص وطريق الغرق في الوقت نفسه

إنه طريق المهاجرين إلى مستقبل مجهول، لكنه في المخيلة الفلسطينية بحر يقود إلى حيفا لأن البحار متصلة.

وبين هذين المعنيين يتحرك مصير خزامى، هل تبتعد أم تعود؟

هل تهرب أم تبحث عن الطريق إلى البيت؟

من هنا تصبح العودة حلمًا بدأ أولًا في الذاكرة قبل أن يبدأ في المكان.

تقوم الرواية على التداعي والاسترجاع والحكاية داخل الحكاية والرسائل والأوراق والذكريات، والماضي يقتحم الحاضر باستمرار، وحكاية الجدة تدخل في وعي الحفيدة، وأوراق الأم تعود بعد غيابها، والصورة الفوتوغرافية تستدعي الحياة الماضية، والكتاب يستدعي صاحبه وقارئه.

الزمن في الرواية إذن ليس خطًا مستقيمًا، وإنما شبكة من الأزمنة المتداخلة؛ لأن الذاكرة في عالم النكبة لا تترك الماضي خلفها.

تساعد اللغة في تكريس هذا البناء.

فالكاتبة تتحرك بين العربية الفصحى والحوار باللهجة الشامية، وبين السرد الوصفي والجمل التأملية والحكاية الشعبية والأغنية والرسالة.

كما تحضر الحواس بقوة لافتة، رائحة الخبز، ورائحة الكتب، ورائحة الموت، ملمس الورق، مذاق الطعام الفاسد، برد المخيم، صوت القذائف. وكأن الرواية تمنح الذاكرة جسدًا حسيًا.

لكن هذه اللغة لا تكتفي بتسجيل الألم؛ إنها تبحث باستمرار عن الصورة التي يمكنها أن تحمل الألم، فالدم يختلط بالخبز، والنوافذ تتدلى منها أشواق الغياب، والجدار يحمل ظل الشهيد، والقلم يتحول إلى محراث، والقرآن إلى قنديل ومرساة.

لذلك تتأسس جمالية الرواية على تحويل الأشياء اليومية إلى علامات، الخبز ليس خبزًا فقط، والكتاب ليس كتابًا، والجدار ليس جدارًا، والبحر ليس بحرًا.

تبلغ الرؤية الفكرية للرواية ذروتها في سؤالها عن كيفية النجاة من المحو وصور كثيرة:

الاحتلال، التهجير، الحصار، الجوع، الاعتقال، الاختفاء القسري، تدمير المكان، وكسر القلم.

وفي مواجهته تقترح الرواية أدواتها الخاصة: الذاكرة، الحكاية، الكتابة، الرسم، الأمومة، التضامن، والإيمان.

 المقاومة في “سبع شداد” شبكة من الأفعال الصغيرة التي تحول دون أن يفقد الناجون ذاكرتهم.

فالوطن قد يُنتزع من صاحبه، لكن لا يمكن انتزاعه من حكايته، وحين يغيب الشخص، تستعيده الصورة والكتاب والرسالة.

وحين يُهدم البيت، يبقى مفتاحه، وحين يغيب الجسد، يبقى الاسم، وحين يموت الشهداء، ترسم بيسان ظلالهم على الجدران.

بالتالي تصبح المقاومة أيضًا مواجهة للنسيان واليأس والاقتلاع الداخلي.

فالمعركة لا تنتهي ما دام هناك من يحكي، ويكتب، ويرسم، ويتذكر. هكذا تنحاز الرواية للأمل باعتباره قدرة على مواصلة الطريق رغم كل ما يبدو من انسداد.

 حين تقف خزامى أمام البحر

في اللحظة الأخيرة، حين تقف خزامى أمام البحر، لا تكون أمام طريق جغرافي فحسب، وإنما أمام تاريخ كامل من الاقتلاع.

إنها تحمل نكبتين وتهجيرين وبيتين ومفتاحين وجرحين، وتحمل قبل ذلك كله حكايات الجدات، وكتب الأم، وذاكرة المخيم.

ولذلك لا يبدو البحر في هذه اللحظة حدًّا يفصلها عن فلسطين بقدر ما يبدو فضاءً معلّقًا بين احتمالين: الغرق والعودة، المنفى والوطن، الانقطاع والاستمرار.

لكن الرواية لا تمنحها يقينًا سهلًا بالعودة

إنها تمنحها ما هو أكثر أهمية: إمكان العودة.

فالعودة تبدأ في الذاكرة قبل أن تبدأ في الطريق، والوطن الذي ظل حاضرًا في الحكاية والكتاب والصورة والاسم والمفتاح والجدار لا يكون قد غاب تمامًا.

إذا كانت «سبع شداد» قد امتدت في الرواية من فلسطين الأولى إلى اليرموك، ومن الجدات إلى الأحفاد، فإنها لا تنتهي بالضرورة عند البحر.

ربما تكون هناك سبع شداد أخرى، وربما يكون هذا الزمن الطويل من المحنة هو نفسه ما يختبر قدرة الإنسان على الاحتفاظ بالبيت داخل نفسه.

هكذا تصبح «سبع شداد» رواية عن النكبة، لكنها في العمق رواية عن مقاومة المحو.

فالاحتلال يستطيع أن يهدم البيت، والحرب تستطيع أن تقتلع الإنسان من مكانه، والجوع يستطيع أن يحاصره، والموت يستطيع أن يغيب الجسد.

لكن الحكاية تستطيع أن تعيد بناء ما تهدّم، والكتابة تستطيع أن تحفظ الاسم، والذاكرة تستطيع أن تجعل المكان قابلًا للاستعادة.

ومن هنا لا تكون العودة مجرد رحلة من المنفى إلى الوطن، وإنما استعادة لوطن ظل حيًا في اللغة والذاكرة.

لذلك، حين تقف خزامى أمام البحر، تحمل تاريخا كاملا من الاقتلاع، ومعه نكبتين وتهجيرين وبيتين ومفتاحين وجرحين، وتحمل قبل ذلك كله حكايات الجدات وكتب الأم وذاكرة المخيم.

ونحن لا نعرف إن كانت ستصل، ولا ماذا ينتظرها في الجهة الأخرى، فالبحر أمامها واسع، والمستقبل مجهول، لكن البحار متصلة، وتبقى العودة ممكنة.

شارك المقال:

شاركنا برأيك