آراء و تحليلات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

أبو العلاء المعري والعزلة بوصفها مؤشرًا حضاريًا (2)

ومن ثم، فإن تجربة المعري تُقدَّم بوصفها حالة كاشفة تتيح اختبار فرضية أوسع عن العلاقة بين المجال الحضاري ومصير العقل النقدي

مشاركة:
حجم الخط:

حين ينسحب العقل

حين يُذكر أبو العلاء المعري، تتجه الأنظار عادةً إلى عزلته الطويلة في معرة النعمان، وإلى وصفه نفسه بـ«رهين المحبسين» محبس العمى، ومحبس البيت الذي آثر ألا يغادره قرابة خمسة وأربعين عامًا.

وغالبًا ما تُقرأ هذه العزلة بوصفها قرارًا شخصيًا يعكس مزاجًا متشائمًا أو موقفًا فرديًا من الحياة.

غير أن المعري، في هذه الدراسة، ليس موضوعًا للسيرة بقدر ما هو كاشف عن ظاهرة.

فالسؤال الذي تفرضه تجربته ليس: لماذا اعتزل؟ بل: ماذا تكشف عزلته عن المجال الحضاري الذي عاش فيه؟

والمقصود بالعقل هنا ليس القدرة الذهنية المجردة، بل العقل النقدي حين يتجسد في فاعلين ينتجون المعرفة ويختبرون حدود المجال الحضاري.

كما أن المجال الحضاري لا يُقصد به الدولة أو السلطة، وإنما مجموع الشروط التي تنظّم إنتاج المعرفة وتداولها واستقبالها، فتجعل المشاركة الفكرية ممكنة أو تدفعها إلى الهامش.

ومن ثم، فإن تجربة المعري تُقدَّم بوصفها حالة كاشفة تتيح اختبار فرضية أوسع عن العلاقة بين المجال الحضاري ومصير العقل النقدي.

ولم يبدأ المعري حياته معتزلًا.

فقد رحل إلى بغداد في مطلع القرن الخامس الهجري، وكانت الخلافة العباسية تعيش مرحلة احتضار بطيء، تحتفظ باسمها أكثر مما تحتفظ بسلطانها، فيما كانت السلطة الفعلية بيد البويهيين، وسط انقسامات مذهبية وجدالات كثيرًا ما انتهت إلى صدامات في الأسواق.

وهناك جالس العلماء وخالط الأدباء، لكنه وجد فضاءً أكثر استعدادًا للتحزّب منه للحوار، وأكثر ميلًا إلى الانتصار للمذهب منه إلى البحث عن الحقيقة.

فعاد إلى معرة النعمان، ولم يغادرها بعد ذلك.

ولم يكن هذا الانسحاب خيارًا أوليًا، بل خلاصة تجربة.

ولم تُسكت العزلة صوت المعري، بل منحته حرية قول ما لم يكن ليقال داخل المجال الذي غادره، فقال:

وَإِنِّي وَإِن كُنتُ الأَخيرَ زَمانُهُ لَآتٍ بِما لَم تَستَطِعهُ الأَوائِلُ

وقال في موضع آخر:

رَأَيتُ العَقلَ عَوناً في أُمورٍ وَيَعجِزُ في أُمورٍ عَن مَرامِه فَأَيقَنتُ اليَقينَ وَلَستُ أَدري أَيُبلِغُنا اليَقينُ إِلى تَمامِه

ولا تكمن أهمية هذه الأبيات في نزعتها التشاؤمية، بل فيما تكشفه من قطيعة بين العقل وبيئته.

فحين يصبح الغياب أرجح من المشاركة،

والعزلة أقدر على صون استقلال الفكر من الحضور، لا تعود المشكلة في المفكر وحده، بل يغدو المجال الحضاري الفرضية التفسيرية الأولى.

في اللزوميات لم يكتفِ المعري بمخالفة المألوف في الفكر، بل ألزم نفسه بحرفين في القافية بدلًا من حرف واحد.

ولم يكن ذلك مجرد استعراض عروضي، بل استعارة للعقل المعتزل؛ عقل يفرض على نفسه من القيود ما يعجز الآخرون عن فرضه عليه، ليؤكد أن استقلال الفكر يبدأ من انضباطه الذاتي.

وبذلك يغدو الديوان وثيقة حضارية تكشف موقف عقل آثر استقلاله مهما بلغت كلفته.

وحين قال:

غيرُ مُجدٍ في ملّتي واعتقادي نوحُ باكٍ ولا ترنُّمُ شادِ وشبيهٌ صوتُ النعيِّ إذا قيـ ـس بصوتِ البشيرِ في كلِّ نادِ.

لم يكن يعبّر عن تشاؤم مزاجي، بل يرصد بيئة فقدت قدرتها على التمييز بين الإنذار والبشارة.

وكذلك قوله:

إذا كان شكري نعمةَ الله عِلّةً لنعمتِه،
فليس ينقطع النعم

لا يطعن في الإيمان، وإنما يكشف كيف تتحول بعض القيم الدينية إلى أدوات لإنتاج الطاعة حين تفقد وظيفتها الأخلاقية، فيغدو الخطاب الديني وسيلةً لإغلاق السؤال بدلًا من توسيع أفقه.

أما في رسالة الغفران، فقد بنى عالمًا متخيّلًا يحاور فيه شعراء الجاهلية في الجنة.

ولم يكن ذلك مجرد بناء أدبي، بل التفافًا على واقع لم يعد يسمح بالحوار الحر؛ فكأن المعري وجد في محاورة الأموات حرية افتقدها بين الأحياء.

وهكذا امتدت العزلة من المكان إلى الزمن، وصار الماضي أكثر قابلية للحوار من الحاضر.

وثمة مقارنة تفرض نفسها هنا؛ إذ سبق المعري دانتي أليغيري بما يزيد على قرنين، وبنى مثله رحلةً في عوالم الموت يحاور فيها الشعراء والمفكرين.

وقد أثار المستشرق ميغيل أسين بالاثيوس احتمال تأثير التراث الإسلامي في تشكّل الكوميديا الإلهية، وإن ظل هذا الاحتمال موضع جدل أكاديمي لم يُحسم.

غير أن ما يعنينا ليس مسألة التأثير بين العملين، بل ما يكشفه التوازي بينهما من مفارقة في طريقة استقبال كل مجال حضاري لما أنتجه.

فقد غدت الكوميديا الإلهية تأسيسًا لتقليد أدبي وفكري أوروبي امتد قرونًا، أما رسالة الغفران فقد ظلت في معظم تاريخها أثرًا يُشار إليه دون أن يُبنى عليه.

والفارق لا يكمن في قيمة العملين، بل في قدرة المجال الحضاري على تحويل النص إلى حدث معرفي يُولّد أسئلة جديدة.

فالعقل الذي سبق لم يجد من يبني على سبقه، فيما العقل الذي جاء لاحقًا وجد مجالًا قادرًا على تضخيم أثره.

وهذا بالضبط ما تعنيه الأزمة الحضارية حين تُقاس لا بما أنتجته العقول، بل بما استطاع المجال أن يفعله بما أُنتج.

وأعمق ما في تجربة المعري أنه لم يشك في استعداد الناس للإصغاء فحسب، بل في قدرة اللغة على الإحاطة بالحقيقة كاملة، مما أضفى على عزلته طابعًا مزدوجًا؛ استجابةً لمجال يضيق بالنقد، وموقفًا فلسفيًا من حدود العقل واللغة.

ولهذا لا يمكن ردّها إلى البنية النفسية وحدها، ولا إلى البنية الاجتماعية وحدها، لأنها ثمرة التفاعل بين فاعلية العقل وبنية المجال الحضاري.

لا تُقاس المجتمعات بما تنتجه من عقول فحسب، بل بالشروط التي تُمكّن تلك العقول من العمل.

والخطر الحضاري لا يكمن في الإقصاء الصريح وحده، بل في الاستيعاب المشروط؛ ذلك النمط الذي يفتح المجال للعقل ما دام منسجمًا مع قواعده الضمنية، ثم يضيّق عليه حين يتجاوزها.

وهو أخطر من الإقصاء المباشر؛ لأنه يمنح وهم المشاركة قبل أن يسحب شروطها.

ومن هنا لا تكفي الإشارة إلى أن بغداد احتضنت المعتزلة ثم ضاقت بهم، أو أن الأندلس عرفت ازدهار ابن رشد قبل أن تنقلب عليه.

فالعبرة ليست بلحظة الاحتضان أو الإقصاء، وإنما بطبيعة المجال الذي يعجز عن تحويل الاستيعاب المؤقت إلى قدرة دائمة على استيعاب الاختلاف وجعله مصدرًا للتجدد.

ومع ذلك، فالبيئة الحضارية ليست كتلة صماء.

فحتى في أكثر مراحلها انغلاقًا تبقى فيها جيوب تقاوم الاتجاه العام: مجالس خاصة، وشبكات علمية غير رسمية، وهوامش جغرافية تتيح للعقل أن يواصل إنتاجه.

وقد كانت معرة النعمان أحد هذه الهوامش. ولذلك فالسؤال الحضاري الأدق ليس: هل المجال مفتوح أم مغلق؟

بل: إلى أي حد يستطيع الحفاظ على مساحات تضمن استمرار التفكير الحر؟

فمصير العقول لا يتحدد بدرجة الانفتاح العامة وحدها، بل بقدرة هذه الجيوب على البقاء.

وحين تضيق هذه المساحات، لا تختفي العقول بالضرورة، وإنما تعيد تموضعها. وهنا يصبح ضروريًا التمييز بين نمطين من الانسحاب كثيرًا ما يُخلط بينهما.

الأول انسحاب احتجاجي، يبتعد فيه المفكر عن مركز المجال لكنه يواصل الإنتاج من الهامش.

وهذا ما يستدعي ما أسس له ألبرت هيرشمان من مفهومَي الخروج والاحتجاج؛ غير أن الحالة الحضارية التي نعالجها تكشف أن الخروج لا يعني بالضرورة الصمت، وأن الاحتجاج قد يكون أشد فاعلية حين يُمارَس من خارج المجال الذي رفض الإصغاء.

فما يميز الانسحاب الاحتجاجي عن مجرد الخروج هو أن صاحبه لا يتخلى عن رهانه على المجال، بل يُعيد توجيه خطابه إليه من موقع لم تستطع آليات الضبط أن تصله، وهذا بالضبط ما حوّل معرة النعمان من هامش جغرافي إلى مركز إنتاج معرفي بديل.

أما الثاني فهو انسحاب صامت، لا يقتصر على مغادرة المجال، بل ينتهي فيه الإنتاج نفسه. وهنا لا يخسر المجال حضور المفكر فحسب، بل يخسر الإمكانات المعرفية التي كانت ستضيف إلى مساره إمكانات جديدة للفهم والتصحيح.

غير أن الانسحاب الاحتجاجي ليس فعلًا فرديًا خالصًا.

فلكي ينسحب المفكر ويواصل الإنتاج، يحتاج إلى شروط تحفظ استقلاله: مكان آمن، وحد أدنى من الاعتراف الاجتماعي، ووسائط تنقل إنتاجه.

وقد توافرت هذه الشروط للمعري؛ إذ ظل طلاب العلم يقصدونه، وبقيت معرة النعمان تمنحه فضاءً يسمح باستمرار مشروعه.

ومن ثم فإن نجاحه في تحويل العزلة إلى فعل معرفي لا يُفهم بوصفه انتصارًا فرديًا محضًا، بل نتيجةً لتفاعل بين إرادة الفاعل وبقايا المجال.

فالبنية لا تلغي حرية المفكر، كما أن إرادة المفكر لا تعمل خارج شروطها التاريخية.

أما حين تختفي هذه البقايا، فإن الانسحاب الصامت يصبح الاحتمال الأكثر ترجيحًا.

وعندئذ لا تكون المشكلة في ضعف العقول، بل في أن المجال لم يعد قادرًا على تحويل وجودها إلى فاعلية تاريخية.

وهكذا يتحول الصمت من استثناء فردي إلى نتيجة بنيوية متكررة.

تكشف تجربة المعري أن انسحاب العقل لا يبدأ بقرار فردي مفاجئ، بل بمسار طويل تتآكل فيه الشروط التي تجعل المشاركة الفكرية ممكنة.

وما رآه من تحول الجدل إلى تحزّب، والمجالس إلى شبكات نفوذ، والاختلاف إلى مظنة، لم يكن حادثة عابرة، بل علامة على مرحلة متقدمة من تراجع المجال.

ولا تبدأ الحضارات بفقدان عقولها دفعة واحدة، بل تدخل أولًا طورًا تتآكل فيه الشروط التي تجعل إنتاج المعرفة ممكنًا، فتنحسر المؤسسات الوسيطة التي تنتج المعرفة وتجددها كالمجالس والدوائر العلمية وشبكات الحوار.

ومع تراجع هذه المؤسسات لا تختفي المعرفة، وإنما تفقد قدرتها على التجدد.

وسرعان ما تملأ المحسوبية والانتماءات الضيقة الفراغ، فيصبح الانتماء أرجح من الحجة، ثم يأتي تركز السلطة ليضيّق ما بقي من الهوامش.

وتكمن خطورة هذا المسار في أنه لا يعلن عن نفسه.

فلا يصدر قرار بمنع التفكير، وإنما يكتشف المفكر بعد زمن أنه يتحدث في فضاء لم يعد يصغي.

وهذا ما انتهى إليه المعري لا نتيجة صدمة واحدة، بل حصيلة تجربة أعادت تشكيل علاقته بالمجال.
ولا تتجلى نتائج هذه الأطوار دائمًا في صورة صمت داخلي.

فحين أُقصي ابن رشد من الأندلس لم يتوقف عن الإنتاج، بل وجد أثره الأكبر في أوروبا.

وهكذا فإن المجتمع الذي يعجز عن استيعاب عقوله لا يفنيها، بل قد يفقدها لصالح مجالات حضارية أخرى، ثم يعود ليستورد ما كان قادرًا على إنتاجه بنفسه.

ومن هذه الزاوية يغدو المعري وابن رشد صورتين لظاهرة واحدة

الأول أودع إنتاجه في الزمن، والثاني وجد مجاله الفعلي خارج المجال الذي أنجبه.

وكلاهما يكشف أن أزمة الحضارات لا تبدأ حين تتوقف عن إنتاج العقول، بل حين تتآكل الشروط التي تجعل هذه العقول جزءًا حيًا من مسارها التاريخي.

لا يكمن الخطر الحقيقي في أن يعتزل مفكر أو فيلسوف، وإنما في أن يصبح الانسحاب الصامت الخيار الأكثر عقلانية لأقدر العقول على النقد والتجديد.

فعندئذ لا يخسر المجتمع أفرادًا متميزين فحسب، بل يخسر جزءًا من قدرته على المراجعة والتصحيح وإعادة بناء ذاته.

فهو لم يصمت، ولذلك بقي حاضرًا بعد ألف عام.

أودع إنتاجه في الزمن، فوجد قراءً لم يكونوا قد وُلدوا بعد. وكان انتصاره انتصارًا للإيداع على اللحظة، وللأثر المؤجل على الاعتراف العاجل.

غير أن السؤال الذي تفرضه تجربته يتعلق بمن لم يصلوا إلينا، أولئك الذين انسحبوا بصمت ولم يتركوا أثرًا.

كم عقلًا أدرك أن المجال لم يعد قادرًا على الإصغاء فآثر الصمت على الكلام؟

وكم مشروعًا معرفيًا انتهى قبل أن يبدأ، لا لعجز أصحابه، بل لعجز البيئة عن احتماله؟

هؤلاء لا نجد أسماءهم في كتب التراجم، ولا آثارهم في خزائن المخطوطات، فالأفكار التي ماتت قبل أن تُدوَّن، والأسئلة التي خُنقت قبل أن تُطرح، لا تترك سجلًا تاريخيًا مباشرًا، وإن ظل غيابها بالغ الأثر في مسار الحضارة.

فالانسحاب هنا ليس سبب الأزمة، بل أحد أعراضها المبكرة،

لأن الأزمة الحضارية لا تُغيّر سلوك العقول فحسب، بل تُعيد تشكيل ما يبدو لها خيارًا عقلانيًا في المقام الأول.

وحين تتآكل شروط الحوار والاعتراف والتداول الحر، لا يعود الانسحاب موقفًا نفسيًا أو أخلاقيًا، بل يتحول إلى البديل الأكثر اتساقًا مع مقتضيات العقل نفسه.

وهنا تبلغ الأزمة ذروتها؛ لأنها لا تُقصي العقل فقط، بل تُعيد تعريف شروط حضوره وغيابه.
ومن هذه الزاوية، لا يعود أبو العلاء المعري مجرد شاعر كبير أو فيلسوف متشائم، بل يغدو مؤشرًا حضاريًا يكشف اللحظة التي يبدأ فيها المجال بفقدان قدرته على تحويل الاختلاف إلى طاقة للتجدد.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تفرضه تجربته ليس:

كم يملك المجتمع من العقول اللامعة؟

بل: هل يملك المجال الذي يجعل تلك العقول ترى في المشاركة معنى، وفي الاختلاف قيمة، وفي النقد شرطًا لاستمرار العمران؟

فإذا أصبح الصمت أكثر وجاهة من المشاركة، والعزلة أكثر قدرة على صون الكرامة الفكرية من الحضور، لم تكن الأزمة في العقول، بل في المجال الذي أعاد تعريف معنى الفاعلية نفسها.

وعندئذ يغدو انسحاب العقل إنذارًا مبكرًا بأن الحضارة بدأت تفقد قدرتها على تجديد ذاتها.

يتبع المقال الثاني — أبو حيان التوحيدي

 

شارك المقال: