صرخة في الجامعة العربية
يرى فريق من المحللين أن دور الجامعة "انتهى تماماً" مع اندلاع ثورات الربيع العربي، وأنها لم تعد تلبي طموحات الشارع العربي . ويزداد هذا الموقف تشدداً مع تزايد وتيرة التطبيع،

لماذا أصبح صوت العرب همساً في عالم يصرخ؟
تمر جامعة الدول العربية، بعد ما يقارب ثمانية عقود على تأسيسها، بمرحلة مفصلية تفرض نفسها بقوة على طاولة النقاش، بين النصوص التأسيسية التي حلمت بتوحيد الكلمة وجمع الشمل، وبين واقع عربي ممزق بالصراعات والأزمات، يبرز سؤال جوهري: ما هو الدور الحقيقي لهذه المنظمة العريقة؟ وهل لا تزال قراراتها تحمل أي وزن على الأرض، أم أنها مجرد “تصريحات تضامنية” تذروها الرياح؟
هل نجحت الجامعة؟
تأسست الجامعة في 22 مارس 1945 بالقاهرة، بمشاركة سبع دول عربية، لتكون بذلك أقدم منظمة إقليمية في العالم . لقد أنشئت لـ”توثيق الصلات بين الدول العربية، وصيانة استقلالها، والمحافظة على أمن المنطقة العربية وسلامتها” . لكن السؤال الأبدي يظل: هل نجحت في تحقيق ذلك؟
الدور المنشود: جامعة للأمة العربية
الدور السياسي (الطموح مقابل الواقع): في عالم مثالي، كان يفترض بالجامعة أن تكون “وزارة خارجية عربية مشتركة”، تتحدث باسم العرب بصوت واحد، وتُسخّر ثقلها السياسي والاقتصادي لخدمة القضايا المصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. كان من المأمول أن تكون منصة لحل النزاعات العربية-العربية قبل استفحالها، ومنصة لتنسيق المواقف إزاء التحديات الدولية. لكن الواقع كان مختلفاً. فمنذ نشأتها، واجهت الجامعة تحديات بنيوية وسياسية حالت دون بلوغ هذا الطموح. أبرز هذه التحديات هو مبدأ “الإجماع” في اتخاذ القرار، والذي يعطي عملياً لكل دولة حق النقد (الفيتو)، مما يشل حركة المنظمة في القضايا الخلافية .
تأثير القرارات: بين قوة الإجماع وضعف الإلزام
أما بخصوص محور التأثير، فهو أكثر تعقيداً. هل قرارات الجامعة ملزمة؟ هل ينفذها الأعضاء؟
الإشكالية الهيكلية: قرارات بلا أسنان. تعاني الجامعة من إشكاليتين جوهريتين تحولان دون تأثير قراراتها:
1. آلية التصويت: كما أشرنا، شرط الإجماع يجعل القرارات إما فضفاضة وغير مؤثرة، أو تصدر في أمور لا خلاف عليها أصلاً. غياب “فكرة التحكيم الإجباري” لفض النزاعات بين الأعضاء يزيد الطين بلة .
2. غياب الإلزامية: حتى لو صدر قرار، فلا توجد آلية واضحة لإلزام الدول الأعضاء بتنفيذه. فالجامعة، شأنها شأن معظم المنظمات الإقليمية، لا تملك سلطة عقابية حقيقية. وهذا ما يجعل دورها يتراوح بين “التصريحات” في أفضل الأحوال، و”المساعدات الإنسانية” في أسوئها، دون تدخل سياسي فاعل أو مبادرات حل حقيقية .
الانقسامات السياسية: شلل القرار. الانقسامات العربية-العربية هي القاتل الصامت لأي تأثير. ففي السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة العربية تصرفات أحادية من قبل دول أعضاء في قضايا مصيرية، مما هدد تماسك الصف العربي .
أبرز مثال على ذلك كان في أزمة رئاسة مجلس الجامعة بعد اعتذار فلسطين عن استكمال رئاستها احتجاجاً على موقف الأمانة العامة الداعم للتطبيع مع إسرائيل. المدهش أن ست دول عربية تالية اعتذرت بدورها عن تولي الرئاسة، مما عكس حالة من الخلل والانقسام غير المسبوق . هذا الحدث يؤكد أن الجامعة أصبحت “أسيرة لمصالح الدول الخاصة وتحالفاتها الإقليمية والدولية”، وليست معبراً عن إرادة عربية موحدة .
فاعلية الوجود: بين دعوات الإلغاء وإصلاح الذات
هنا نصل إلى السؤال الأصعب: هل وجود الجامعة العربية مؤثر فعلاً، أم أنه مجرد شكل بلا مضمون؟
حجج المعارضين: جسد بلا روح.
يرى فريق من المحللين أن دور الجامعة “انتهى تماماً” مع اندلاع ثورات الربيع العربي، وأنها لم تعد تلبي طموحات الشارع العربي . ويزداد هذا الموقف تشدداً مع تزايد وتيرة التطبيع، حيث يرى البعض أن القضية الفلسطينية، التي كانت “الحد الأدنى للتوافق العربي”

لم تعد كذلك، مما ينذر بانهيار وشيك للمنظمة لتحل محلها تحالفات إقليمية جديدة (مثل “الشرق الأوسط الجديد”) . كما أن العجز المالي المزمن، حيث لا تتلقى الجامعة سوى نصف الاشتراكات السنوية، يعيق عمل أجهزتها ويشل قدرتها على الحركة .
دفاع المؤيدين: ضرورة سياسية لا بديل عنها. في المقابل، يرى فريق آخر أنه “لا بديل عن الجامعة العربية كقاطرة لإدارة العمل العربي المشترك”، فهي تمثل “الحد الأدنى للتوافق والجلوس إلى مائدة الحوار” حتى في أسوأ الظروف، تبقى الجامعة الإطار الوحيد الذي يلتقي فيه العرب.
الحديث يدور، وفق هذا الرأي، ليس عن إلغائها، بل عن إصلاحها. لكن الإصلاح المطلوب ليس مجرد تعديل قانوني أو هيكلي لميثاقها، بل هو “إصلاح سياسي” أولاً وأخيراً . إصلاح يعترف بوجود خلافات عربية، ويجد آليات لاحتواءها، ويعيد بناء “إرادة عربية” قادرة على تحويل الجامعة من منبر للتصريحات إلى منصة للفعل .
في النهاية
يمكن القول أن جامعة الدول العربية تعيش “أزمة دور” حادة أكثر منها أزمة وجود. تأثيرها محدود بفعل بنيتها الداخلية القائمة على الإجماع، وبفعل إرادة الدول الأعضاء ذاتها التي تتعامل معها كإطار هامشي لا كمرجعية مركزية. حضورها يكاد يكون غائباً في إدارة الصراعات الكبرى (سوريا، اليمن، ليبيا)، لكنه حاضر في النشاطات التقنية والاجتماعية.
وجودها يبقى ضرورياً، ليس لأنه قوي، بل لأنه الإطار الوحيد المتاح. تأثيره مرهون ليس بتعديل الميثاق، بل بمدى توفر “الإرادة السياسية” لدى القادة العرب لجعلها أداة فاعلة.
فإذا استمرت الدول في التعامل معها على أنها عبء أو منصة منفردة للمصالح الضيقة، سيبقى تأثيرها هامشياً.
أما إذا توفرت إرادة جماعية لإحيائها، فإنها تملك الإمكانية لتكون بالفعل “جامعة” للأمة العربية. الخيار، كما كان دائماً، في يد الدول الأعضاء لا في نصوص الميثاق





