علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
علي الأفريقي
علي الأفريقي

كاتب وإعلامي

علي الأفريقي يكتب: أيامنا الحلوة مش حلوة أوي (9) الطشت قالي

أخيرا، أخرج من الطشت بعينين محمرتين وجسدٍ يلمع من شدة الفرك، وأرتدي ملابسي وأنا أرتجف من البرد، ثم أجري بسرعة إلى السرير، والتحف بالبطانية وأنا أشعر كانني خرجت من معركة ضارية.

مشاركة:
حجم الخط:

لم يكن الطشت في حياة الناس زمان مجرد اناء دائري واسع انما كان عمود البيت ومتعدد المهام.

كنا نغسل فيه الملابس، ويستحم فيه الأطفال والكبار، ويعجن فيه الخبز، ويصنع فيه كعك العيد، ويحفظ فيه الطعام، ويتحول إلى مخزن تحت السرير، وإذا قلبناه على وجهه يتحول إلى ترابيزة للأكل أو للمذاكرة.

باختصار، كان الطشت يقوم بكل شيء تقريبا، وموجودا في كل بيت، وكان من الأساسيات التي تدخل ضمن جهاز العروس.

لذلك لم يكن غريبا أن يحتل مكانة كبيرة في حياتنا زمان، وان يغني له المطربين والمطربات، وأن يظهر كثيرا في مشاهد السينما المصرية، خصوصا مشاهد الاستحمام أو الغسيل فوق الأسطح.

كان الطشت يصنع من الالومنيوم او الحديد او النحاس

 كان للطشت النحاسي قيمة كبيرة فقد كان ثقيلا وله هيبة حتى إن وزنه كان يذكر ضمن منقولات العروس، وكان يحتاج من وقت إلى آخر إلى “مبيض النحاس”

وهي مهنة كانت معروفة في ذلك الوقت حيث تذهب به الي دكان المبيض، والذي ينظف النحاس القديم ويزيل عنه آثار الزمن، ويعيد إليه بريقه ولمعانه.

أشهر وظائف الطشت التي ارتبطت بذاكرتنا

 غسيل الملابس، ففي ذلك الزمن لم تكن هناك غسالات كهربائية ولا غسالات أوتوماتيك، وكان يوم الغسيل يحتاج إلى استعداد وإلى أكثر من طشت.

كانت الأمهات يملأن الطشوت بالماء الساخن، حيث يستخدم أحدها لنقع الملابس، مع إضافة مواد التنظيف التي كانت معروفة وقتها مثل مسحوق أومو، أو سافو، أو رابسو.

بينما يخصص طشت آخر للدعك والفرك باستخدام صابون الغسيل النابلسي، وطشت ثالث لمرحلة التشطيف والعصر.

كان يوم الغسيل له طقوسه

حيث تتجمع منذ الصباح الباكر، أكثر من امرأة لمساعدة بعضهن؛ صاحبة البيت وبناتها، أو صديقاتها او أخواتها او قريباتها وجاراتها.

وبين طشت وآخر، وبين قطعة ملابس وأخرى، تتعالى الحكايات والضحكات وتختلط اصواتهن مع صوت الماء والغسيل الي ان ينتهي هذا اليوم الجميل مع نشر الغسيل على الحبال.

لعل الشهرة الواسعة التي حققتها في سنوات التسعينيات نجمة الإعلانات “نسرينا” كانت بسبب انها ظهرت في مشهد اعلاني بالتلفزيون وهي تغسل الملابس في الطشت.

فنال الاعلان نجاحا جماهيريا كبيرا ما يدل على حنين الناس إلى تلك الأيام التي افتقدوا فيها الطشت بعد ظهور الغسالات الكهربائية لذا كان ذكاء المخرج في تصويرها وهي تغسل في الطشت (الصورة المرفقة مع هذا المقال هي صورة هذا الاعلان الشهير).

كان للطشت ايضا دور مهم في المطبخ

ففيه كانت الأمهات يعجن العجين يوم الخبيز، وفي مواسم الأعياد كان الطشت يجمع نساء العائلة والقريبات والجارات حيث يلتففن حوله لصنع الكعك والبسكويت والفطير.

وبعد انتهاء العمل، يتحول الطشت إلى مخزن للخبز أو الكعك، أو يوضع فيه شيء يحتاج إلى الحفظ.

كان الطشت حاضرا في العادات المرتبطة بالأفراح ففي البيئات الريفية كان البعض يقلبه على ظهره ويستخدمه كآلة إيقاعية.

لكن أهم استخدامات الطشت زمان، كان استخدامه في الاستحمام، حتى إن اشهر أغنية للمطربة “عايدة الشاعر” والتي أثارت ضجة كبيرة في اوائل السبعينيات كانت اغنية: “الطشت قال لي.. يا حلوة يا للي.. قومي استحمي” ولاقت هذه الأغنية هجوما حادا من النقاد بدعوى خروجها عن الذوق العام والقيم السائدة.

كما هاجمها رجال الدين والشيوخ على المنابر، خاصة الشيخ كشك بسبب الإيحاءات الجنسية للأغنية وأنها تثير غرائز الشباب.

رغم أن الأغنية تستحق الهجوم إلا أنها عبرت وقتها عن مكانة الطشت في الحياة اليومية للناس، ودوره الهام في عملية الاستحمام.

وهي العادة التي تمسك بها الموسيقار الكبير “محمد عبد الوهاب” إذ ظل حتى آخر أيام عمره يفضل الاستحمام في الطشت بدلا من استخدام “البانيو”.

أما أنا، فكنت في طفولتي اكره يوم الاستحمام في الطشت، خاصة في ليالي الشتاء أو قبل الأعياد والمناسبات، حيث كان دخولي الحمام وقتها أشبه بذهابي إلى غرفة التعذيب.

كانت أمي تجهز اولا الماء الساخن

وتضع “الطشت” في الحمام، وإلى جواره “الكوز الصفيح” لصب الماء وتمسك في يديها ليفة خشنة من ليف النخيل، ثم تجلسني داخل الطشت، وتخلع ثيابي.

ثم تبدا في دعك جسدي بقسوة وكأنها تجلي بلاط البيت وانا أقاومها بكل قوة وأصرخ متوسلا:

“خلاص يا أمي”.. فتجيبني بحسم: “لسة”

فأكرر الصراخ بأعلى صوتي: خلاااااص.. فتزغدني بغضب: قلتلك لسة.

كانت المشكلة الاسوا من الفرك هي رغوة الصابون التي تدخل العينين فتكويها، فما إن يدخل الصابون في عيني حتى ارفس برجلي من شدة الالم:

“الصابون دخل عيني”.. فترد امي: “غمض عينيك متفتحهاش”

ثم تبدأ في صب الماء الساخن على جسمي، فيزداد صراخي من جديد، وبعدها تأتي مرحلة التنشيف بالفوطة، والتي لا تقل قسوة وعذابا عن الفرك.

أخيرا، أخرج من الطشت بعينين محمرتين وجسدٍ يلمع من شدة الفرك، وأرتدي ملابسي وأنا أرتجف من البرد، ثم أجري بسرعة إلى السرير، والتحف بالبطانية وأنا أشعر كانني خرجت من معركة ضارية.

بمرور السنوات بدأ الطشت ينسحب من البيوت مع انتشار البانيو وطهور السخانات

اختفي من المطبخ أيضا، بعدما تراجع خبز البيت والعجين اليدوي، ثم جاءت الغسالة الكهربائية، وبعدها الغسالة الأوتوماتيك، ليختفي الطشت من حياة الناس تماما.

على الرغم من أنني كنت أكره الطشت بسبب ذكريات الاستحمام المؤلمة فإنني اليوم أشتاق إليه والي ذكرياته الجميلة.
فأجمل ما كان في ايام الطشت أنه كان يجمع حوله الامهات والاقارب والجيران في البيوت خاصة ايام الغسيل او الخبيز او المناسبات السعيدة حيث يتحدثن والضحكات تملأ المكان.

كما كنا نحن الأطفال في ليالي الصيف نملؤه بالماء كأنه حمام سباحة ونتقافز، ونطرطش المياه علي اجسامنا، ونتشاجر، ونوقع بعضنا بعضا داخله، ثم نخرج منه ونحن في منتهى السعادة.

اختفى الطشت من حياتنا، لكن ذكراه بقيت في قلوبنا.

شارك المقال:

شاركنا برأيك