حسن مدبولي يكتب: المجرم سموتريتش، وسيناء !؟
في حرب أكتوبر 1973، تمكن الجيش المصري من عبور القناة وتحطيم أجزاء من خط بارليف وإعادة قضية الأرض إلى مسار تفاوضي انتهى بعودة سيناء كاملة إلى السيادة المصرية
ما ينتظر سموتريتش من إعلانه التهديد باحتلال سيناء لا يتخيله عقل صهيوني
قبل أيام من ذكرى انتصارات أكتوبر خرج وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ليصرح بأن ما يمنع مصر من مهاجمة إسرائيل هو إدراك المصريين بأن أي هجوم سيعني اختفاء سيناء على الأقل.
وهذا التصريح لا يمكن اعتباره زلة لسان عابرة بل تعبيرا صريحا عن عقلية سياسية متطرفة تنظر إلى أراضي الآخرين كأوراق تفاوض، أو أدوات ردع يمكن التلويح بها متى شاءت.
وهو ما يستدعي تحليلا هادئا وواقعيا بعيدا عن الشعارات أو المبالغات، لأن الانتقال من إطلاق التهديدات اللفظية إلى الحديث عن احتلال سيناء أو اقتطاع جزء منها أمر مختلف تماما.
إذ يعني الدخول في حرب مباشرة مع مصر بكل ما تحمله هذه الحرب من كلفة بشرية واقتصادية وإقليمية ودولية لا يمكن لإسرائيل أن تتجاهلها أو تتحكم في نتائجها بسهولة.
فمصر اليوم ليست مصر يونيو 1967، و الجيش المصري شهد تحولا جوهريا في قدراته الجوية والبحرية والدفاعية والاستطلاعية والإلكترونية.
إضافة إلى تطور ملحوظ في استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى، وهو ما يجعل أي محاولة لاجتياح سيناء مغامرة محفوفة بمخاطر عالية وليست عملية عسكرية خاطفة كما قد يتصور بعض المتطرفين في تل أبيب.
كما أن سيناء نفسها لم تعد ذلك الفراغ الاستراتيجي الذي كان يمكن لقوة معادية أن تدخل إليه ثم تتصرف فيه بحرية نسبية، بل أصبحت منطقة ذات أهمية عسكرية ولوجستية متزايدة، مدعومة بعمق بشري وجغرافي هائل يمتلكه المصريون خلف القناة.
هو ما يعني أن أي قوة تحاول السيطرة عليها ستجد نفسها أمام حرب استنزاف طويلة ومكلفة لا أمام نصر سريع يمكن تسويقه داخليا.
الجغرافيا هنا تلعب دورا حاسما يفوق أي حسابات سياسية قصيرة النظر
فسيناء شبه جزيرة واسعة ذات تضاريس معقدة، ومصر تملك القدرة على تحويل أي احتلال إلى عبء دائم على المحتل، تماما كما حدث في تجارب سابقة أثبتت أن السيطرة العسكرية المؤقتة لا تتحول بالضرورة إلى ملكية دائمة.
التاريخ نفسه يقدم الدليل الأوضح على ذلك، فإسرائيل احتلت سيناء في حروب سابقة لكنها لم تحتفظ بها.
في حرب أكتوبر 1973، تمكن الجيش المصري من عبور القناة وتحطيم أجزاء من خط بارليف وإعادة قضية الأرض إلى مسار تفاوضي انتهى بعودة سيناء كاملة إلى السيادة المصرية.
وهو ما يؤكد أن الاحتلال لا يلغي الحقوق ولا يغير الواقع الاستراتيجي على المدى الطويل مهما بلغت قوة المحتل في لحظات معينة.
التفوق العسكري الإسرائيلي في بعض المجالات، وهو أمر لا يمكن إنكاره، لا يعني القدرة على خوض حرب مفتوحة ضد دولة بحجم مصر والسيطرة على أراض شاسعة فيها.
لأن التفوق التقني أو النوعي في سلاح معين لا يلغي حسابات السكان والعمق الجغرافي وكلفة الحرب وطول مدتها واحتمالات اتساعها إقليميا.
أي اعتداء على سيناء لن يكون عملية محدودة تشبه ما جرى في غزة أو على الحدود اللبنانية، بل سيكون اعتداء مباشرا على دولة ذات سيادة.
مما يغير طبيعة الصراع برمته ويفتح أبوابا لتدخلات إقليمية ودولية يصعب على إسرائيل السيطرة عليها، خاصة أن مصر ليست دولة معزولة بل تملك وزنا عربيا وإفريقيا وإقليميا وعلاقات واسعة مع قوى دولية كبرى تجعل أي مغامرة من هذا النوع مكلفة سياسيا ودبلوماسيا قبل أن تكون مكلفة عسكريا.
أما الحديث عن السلاح النووي الإسرائيلي كأداة ردع مطلقة، فإنه يتجاهل حقيقة أن استخدام مثل هذا السلاح ضد دولة بحجم مصر ليس خيارا عسكريا عاديا يمكن اللجوء إليه دون عواقب كارثية لا يمكن التحكم فيها.
إذ يفتح الباب أمام تصعيد يغير قواعد اللعبة بالكامل ويهدد الاستقرار الإقليمي بطريقة تتجاوز قدرة أي طرف على احتوائه.
لذلك فإن الرسالة الأساسية ليست التخويف المتبادل أو الرد بمبالغات مماثلة، بل التأكيد الواقعي على أن سيناء ليست هدفا سهلا وأن مصر ليست غزة وأن الجيش المصري ليس جيش 1967.
أن أي محاولة للمساس بالأرض المصرية تعني حربا مختلفة تماما عن كل الحروب التي خاضتها إسرائيل في المنطقة خلال العقود الماضية.
مصر لا تبحث عن حرب ولم تكن يوما الطرف الذي يبدأها بلا حسابات دقيقة
لكنها في الوقت نفسه لا تتنازل عن أرضها تحت التهديد اللفظي أو الضغوط السياسية، ومن يختبر هذه الحقيقة يجد نفسه أمام دولة تعرف أرضها وتاريخها وتعرف كيف تدافع عنهما.
تماما كما أثبتت التجربة التاريخية أن سيناء التي يتحدث عنها سموتريتش اليوم هي نفسها الأرض التي خرج منها الجيش الإسرائيلي بعد أن دفع ثمنا باهظا.
الحروب لا تكون سهلة على أحد، ومصر لا تعد أحدا بانتصار بلا ثمن، لكنها تستطيع أن تؤكد بثقة أن من يقترب من سيناء لا يدخل أرضا بلا صاحب بل يدخل مواجهة مع دولة تمتلك الإرادة والقدرة على الدفاع عن سيادتها.
وأن الفرق الحقيقي ليس فقط في امتلاك القوة بل في القدرة على استخدامها دون أن تدفع ثمنا يفوق أي مكاسب متخيلة.
سيناء ليست ورقة تهديد وليست محل مساومة، وأي حديث يتجاهل هذه الحقيقة يبقى في إطار الأوهام السياسية أكثر مما ينتمي إلى الواقع الاستراتيجي.
شاركنا برأيك