علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: إثيوبيا من عين القاهرة

المشكلة أن إثيوبيا لا تملك ساحلًا منذ استقلال إريتريا عام 1993. ومنذ ذلك الوقت ظلت قضية الوصول إلى البحر حاضرة في حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية

مشاركة:
حجم الخط:

بالنسبة إلى القاهرة، لم تعد أزمة إثيوبيا مسألة سد النهضة وحده. ما يجري في الشمال الإثيوبي، والتوتر المتصاعد مع إريتريا، والقتال في عفر، والبحث الإثيوبي المستمر عن منفذ إلى البحر، كلها تطورات تضع مصر أمام مشكلة أوسع بكثير من خلاف على مياه النيل. إثيوبيا تتحرك في المجال نفسه الذي تتحرك فيه المصالح المصرية، من منابع النيل إلى البحر الأحمر، ولذلك يصعب على القاهرة أن تتعامل مع كل ملف منها بصورة منفصلة.

خلال الأيام الأخيرة، طردت إثيوبيا دبلوماسيًا مصريًا وأغلقت سفارتها في أسمرة وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، قبل أن تعلن إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية معها. أديس أبابا اتهمت إريتريا ومصر والسودان بدعم خصومها في القتال المتجدد في تيجراي، بينما تنفي الأطراف المعنية هذه الاتهامات.

بالنسبة إلى مصر، أهمية هذه التطورات لا تأتي من الخلاف الدبلوماسي نفسه. القاهرة تنظر إلى إريتريا منذ فترة باعتبارها دولة ذات موقع حساس في معادلة البحر الأحمر، ولهذا كثفت اتصالاتها بها خلال الأشهر الماضية. في مايو وقعت الدولتان اتفاقًا للتعاون في النقل البحري، وواصلتا بعد ذلك تنسيق المواقف بشأن أمن البحر الأحمر، مع تأكيد مصري متكرر على أن أمن البحر الأحمر وإدارته شأن للدول المطلة عليه.

هذه السياسة المصرية تصبح أكثر قابلية للفهم عندما توضع بجوار ملف سد النهضة. إثيوبيا ليست بالنسبة إلى القاهرة دولة بعيدة في شرق أفريقيا، وإنما الدولة التي تملك موقع المنبع في نهر تعتمد عليه مصر بصورة أساسية، وتسعى في الوقت نفسه إلى زيادة وزنها الإقليمي والوصول إلى البحر. ولذلك فإن اتساع المجال الإثيوبي من النيل باتجاه البحر الأحمر يهم القاهرة بقدر ما يهمها الخلاف حول السد نفسه.

المشكلة أن إثيوبيا لا تملك ساحلًا منذ استقلال إريتريا عام 1993. ومنذ ذلك الوقت ظلت قضية الوصول إلى البحر حاضرة في حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية. اعتمادها الكبير على جيبوتي جعل أي اضطراب في الطريق المؤدي إلى الموانئ مسألة تمس الدولة مباشرة، ولذلك فإن القتال في عفر يهم مصر أيضًا، ليس لأن القاهرة معنية بتفاصيل المعارك هناك، وإنما لأن عفر تقع على الطريق الذي تعتمد عليه إثيوبيا في تجارتها الخارجية. وقد سيطرت قوات تيجراي مؤخرًا على بلدة إريبتي الاستراتيجية في الإقليم، في تطور يوضح مدى حساسية هذه المنطقة.

وفي الوقت نفسه، وصلت الأزمة إلى العاصمة. سُمعت انفجارات في أديس أبابا وتحدثت مصادر عن هجمات بطائرات مسيرة، فيما بقيت بعض التفاصيل المتعلقة بالأهداف موضع خلاف بين الروايات. المهم بالنسبة إلى القاهرة ليس الصورة العسكرية وحدها، وإنما أن الحرب بدأت تضغط على مركز الدولة نفسها، في وقت تتسع فيه دائرة الخصومات حولها.

إريتريا هي الجزء الأكثر حساسية في هذه المعادلة. الدولة التي تملك ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر ليست مجرد جار لإثيوبيا، وإنما تمثل أحد المفاتيح الجغرافية لأي مشروع إثيوبي لاستعادة حضور بحري مباشر. لذلك فإن انهيار العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة لا يمكن فصله عن الخلافات حول تيجراي، ولا عن مسألة الوصول إلى البحر.

ومن منظور القاهرة، يصبح التقارب مع إريتريا أكثر من مجرد علاقة ثنائية. مصر وإريتريا أعلنتا خلال سبتمبر أن أمن البحر الأحمر وإدارته مسؤولية الدول المطلة عليه، كما أن القاهرة وسّعت خلال العام الحالي علاقاتها مع أسمرة ومقديشو في وقت تتزايد فيه حساسية المنطقة تجاه الطموحات البحرية الإثيوبية.

وهذا يفسر أيضًا أهمية الصومال في الحسابات المصرية. عندما عززت القاهرة علاقاتها مع مقديشو، لم يكن الأمر منفصلًا عن التوتر حول محاولة إثيوبيا الحصول على منفذ بحري، ولا عن الخلاف الإثيوبي الصومالي بشأن السيادة والوصول إلى البحر. مصر تتحرك في منطقة تتغير فيها الترتيبات الأمنية بسرعة، وتريد أن يكون لها حضور في الحسابات التي ستحدد شكل البحر الأحمر والقرن الأفريقي خلال السنوات المقبلة.

لكن مصلحة مصر لا تختصر في إضعاف إثيوبيا بأي ثمن. دولة إثيوبية تدخل في انهيار شامل يمكن أن تخلق لمصر مشاكل جديدة في السودان والحدود وحركة اللاجئين وانتشار الجماعات المسلحة والتدخلات الأجنبية. القاهرة تحتاج إلى إثيوبيا يمكن التعامل معها كدولة، لكنها لا تريد في المقابل أن تتحول هذه الدولة إلى قوة قادرة على فرض نفوذ متزامن على منابع النيل والطرق المؤدية إلى البحر الأحمر.

هذه هي النقطة التي تجعل ما يجري الآن أكثر أهمية من مصير حكومة آبي أحمد وحدها. مصر تراقب صراعًا يمكن أن يعيد توزيع القوة في منطقة تمتد من السودان إلى الصومال ومن النيل إلى البحر الأحمر. كلما ضعفت قدرة الدولة الإثيوبية على ضبط أقاليمها، زادت مساحة التدخل الخارجي. وكلما استعادت أديس أبابا قدرتها على توحيد جبهتها الداخلية، عاد مشروعها الإقليمي بقوة أكبر.

لذلك فإن القاهرة لا تستطيع أن تنظر إلى الحرب الإثيوبية باعتبارها حربًا بعيدة. ما يحدث في تيجراي يقترب من الطريق إلى جيبوتي، وما يحدث بين إثيوبيا وإريتريا يصل مباشرة إلى البحر الأحمر، وما تفعله أديس أبابا في ملف الوصول إلى البحر يرتبط بصورة لا يمكن تجاهلها بالخلاف حول النيل.

بالنسبة إلى مصر، القضية في النهاية ليست من ينتصر في معركة داخل إقليم إثيوبي. القضية هي شكل التوازن الذي سيخرج من هذه الفوضى، ومن سيملك القدرة على التأثير في الدولة الإثيوبية وفي محيطها، وكيف سينعكس ذلك على النيل والبحر الأحمر معًا. القاهرة تتحرك الآن على هذا الأساس، عبر إريتريا والصومال والسودان، وعبر تثبيت حضورها في البحر الأحمر، لأن ترك هذه المساحة لإثيوبيا وحدها سيكون له ثمن يتجاوز حدود الخلاف حول سد النهضة.

شارك المقال:

شاركنا برأيك