علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

تركيا في حسابات التصعيد الإقليمي.. ماذا تقول المؤشرات

لا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت أن زيارة نتنياهو إلى أبوظبي أسفرت عن خطة لفتح جبهة عسكرية ضد تركيا. الزيارة مؤكدة، كما أن التوتر التركي اليوناني قائم، لكن الربط بين التطورات يشكل، في الوقت الراهن، تحليلًا وسيناريو سياسيًا أكثر منه حقيقة مثبتة.

مشاركة:
حجم الخط:

تزامنت زيارة بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي ولقاؤه الشيخ محمد بن زايد مع تصاعد النقاش

حول مستقبل التوازنات الإقليمية، فيما ربط مقال للكاتب إبراهيم كاراغول في صحيفة «يني شفق»

بين الاجتماع واحتمالات الضغط على تركيا عبر اليونان. غير أن هذه القراءة تبقى تحليلًا سياسيًا للكاتب،

بينما تؤكد المصادر الدولية أن الزيارة جرت بالفعل، وأن تفاصيل أجندتها كانت موضع روايات متعددة.

زيارة نتنياهو إلى أبوظبي تفتح باب التكهنات

أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارة إلى أبوظبي في 27 سبتمبر/أيلول 2026،

حيث التقى رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.

وجاءت الزيارة بصورة غير معلنة مسبقًا، قبل أن تؤكدها الإمارات لاحقًا. ووفق وكالة الأنباء الإماراتية،

بحث الجانبان العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها وتطويرها، إلى جانب ملفات إقليمية.

في المقابل، تحدثت تقارير إسرائيلية وأمريكية عن ملفات أخرى ناقشها الطرفان.

وذكرت مصادر أن إيران كانت من أبرز موضوعات الاجتماع، بينما أفادت تقارير أخرى بأن

نتنياهو طلب من الجانب الإماراتي نفي تقارير تتعلق بتحذير سابق من هجوم حركة حماس قبل أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبينما تظل التفاصيل الكاملة للاجتماع غير معلنة، أعادت الزيارة النقاش حول

طبيعة التنسيق الإسرائيلي الإماراتي وتأثيره في التوازنات الإقليمية.

«يني شفق» تطرح سيناريو مختلفًا

في هذا السياق، نشر الكاتب إبراهيم كاراغول مقالًا في صحيفة «يني شفق» بعنوان

يتساءل عما إذا كانت إسرائيل والإمارات تعملان على فتح «جبهة تركيا» وضرب ما يسميه «تحالف مكة».

ويطرح كاراغول قراءة واسعة للاجتماع. فهو يرى أن تركيا والسعودية وباكستان

قد تكون أطرافًا مستهدفة ضمن ترتيبات إقليمية محتملة، كما يربط بين تطورات اليمن

والتوتر الهندي الباكستاني والتوتر التركي اليوناني.

لكن هذه الاستنتاجات تعكس رؤية الكاتب وتحليله السياسي، ولا توجد في المصادر

التي تحققت منها أدلة مستقلة تثبت أن اجتماع نتنياهو وبن زايد اتخذ قرارًا لفتح جبهة عسكرية ضد تركيا.

اليونان تدخل الحسابات

ويستند المقال، ضمن حججه، إلى التطورات الأخيرة المتعلقة بالاحتياط العسكري اليوناني.

فقد تلقى أكثر من 100 ألف من أفراد الاحتياط في اليونان رسائل إلكترونية وإشعارات عبر منصة حكومية،

ما أثار مخاوف من قرب إعلان تعبئة عسكرية. غير أن السلطات العسكرية اليونانية أوضحت

أن الإجراء مرتبط بتحديث سجلات الاحتياط والتحول إلى نظام رقمي، وليس إعلانًا للتعبئة أو أمرًا بالالتحاق الفوري بالوحدات.

وبالتالي، فإن ربط هذه الخطوة تلقائيًا بالاستعداد لحرب وشيكة مع تركيا يحتاج إلى قدر من الحذر.

ومع ذلك، فإن أثينا تعمل بالفعل على تطوير منظومة الاحتياط ضمن إصلاحات عسكرية أوسع،

وتستهدف بناء قوة من نحو 150 ألف احتياطي نشط بحلول عام 2030.

سيناريو الضربة الاستباقية

وفي تطور منفصل، تناولت صحيفة «تا نيا» اليونانية سيناريو افتراضيًا من أربع مراحل

يتعلق باحتمال تنفيذ ضربة استباقية ضد تركيا إذا توفرت مؤشرات على هجوم تركي وشيك.

وبحسب التقارير التي تناولت السيناريو، تبدأ الخطة المفترضة برصد التحركات العسكرية التركية،

ثم تستهدف قدرات القيادة والاتصالات والقواعد الجوية وبعض القطع البحرية.

كما أشارت التقارير إلى أسماء مواقع عسكرية تركية، بينها دالامان وباليكسير وجيغلي، ضمن السيناريو الافتراضي.

لكن الأهم هنا أن هذه المادة سيناريو افتراضي منشور في الإعلام اليوناني،

وليست إعلانًا رسميًا عن خطة حرب وشيكة. لذلك، فإن تقديمها باعتبارها قرارًا عسكريًا يونانيًا نهائيًا سيكون مضللًا.

ماذا تقول أثينا فعليًا؟

تكتسب هذه التطورات أهمية أكبر بسبب استمرار الخلافات بين تركيا واليونان حول ملفات بحر إيجة وشرق المتوسط.

وفي الوقت نفسه، توجد قنوات اتصال سياسية بين البلدين،

رغم استمرار الخلافات المتعلقة بالحدود البحرية وحقوق التنقيب والطاقة.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن أثينا تحاول، بالتوازي مع تعزيز قدراتها الدفاعية،

إدارة بعض الملفات الخلافية مع أنقرة من خلال الاتصالات والمفاوضات.

ولهذا، فإن وجود خطط افتراضية أو استعدادات عسكرية لا يعني بالضرورة أن قرارًا بالحرب قد اتُخذ.

شرق المتوسط.. مساحة أخرى للتوتر

ولا يقتصر التنافس التركي اليوناني على المجال العسكري.

فمشروعات الطاقة والبنية التحتية البحرية أصبحت أيضًا جزءًا من التنافس الإقليمي.

ومن بين الملفات المطروحة مشروع Great Sea Interconnector الذي يربط اليونان وقبرص وإسرائيل بشبكة الكهرباء الأوروبية.

وقد ظهرت خلال الفترة الأخيرة مناقشات بشأن تعديل مسار المشروع لتجنب مناطق بحرية محل خلاف مع تركيا.

ومن ثم، فإن شرق المتوسط يجمع بين ملفات الطاقة والحدود البحرية والأمن الإقليمي.

وهذا يجعل أي تطور عسكري أو سياسي فيه قابلًا للتأثير في مجموعة أوسع من العلاقات الإقليمية.

هل توجد أدلة على خطة إسرائيلية ضد تركيا؟

حتى الآن، لا تقدم المصادر التي أمكن التحقق منها دليلًا علنيًا يثبت أن زيارة نتنياهو

إلى أبوظبي كانت اجتماعًا لتحديد خطة عسكرية ضد تركيا.

بل إن الروايات المتاحة عن مضمون اللقاء تختلف.

فبينما تحدثت مصادر عن أن إيران كانت محورًا مهمًا في المحادثات،

ركزت تقارير أخرى على قضية التحذير المزعوم قبل هجوم 7 أكتوبر. وفي المقابل،

قدمت الإمارات رسميًا الزيارة باعتبارها لقاءً لبحث العلاقات الثنائية والتحديات الإقليمية.

وهنا تظهر أهمية الفصل بين المعلومة المؤكدة والتفسير السياسي.

فالاجتماع حدث بالفعل، والتنسيق بين إسرائيل والإمارات قائم بالفعل،

والتوترات في شرق المتوسط حقيقية. أما الانتقال من هذه الوقائع إلى القول إن الطرفين

قررا فتح جبهة ضد تركيا، فيظل فرضية تحتاج إلى أدلة إضافية.

لماذا تحظى تركيا باهتمام متزايد؟

تأتي هذه النقاشات في وقت تتزايد فيه أهمية تركيا في التوازنات الأمنية في شرق المتوسط والشرق الأوسط.

وفي المقابل، تستمر اليونان في تطوير قدراتها العسكرية، بينما تتداخل مصالح إسرائيل وقبرص واليونان

في عدد من ملفات الطاقة والأمن.

ومع ذلك، فإن هذه العلاقات لا تعني تلقائيًا وجود خطة مشتركة للحرب على تركيا.

لذلك، فإن المؤشر الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة سيكون السلوك الرسمي للدول،

وليس فقط التحليلات والسيناريوهات المنشورة في وسائل الإعلام.

الخلاصة

أعادت زيارة بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي النقاش حول طبيعة التنسيق الإسرائيلي الإماراتي ومستقبل التوازنات في المنطقة.

وتزامن ذلك مع تطورات عسكرية وسياسية في محيط تركيا، من بينها تحديث منظومة

الاحتياط في اليونان ونشر سيناريو إعلامي افتراضي لضربة استباقية ضد تركيا.

لكن الوقائع المتاحة حتى الآن لا تثبت أن هذه التطورات تشكل أجزاء مؤكدة من خطة إسرائيلية إماراتية لفتح جبهة ضد تركيا.

وبينما يطرح مقال «يني شفق» هذا الاحتمال باعتباره سيناريو يستحق الاستعداد له،

فإن المصادر الدولية التي تناولت زيارة نتنياهو تشير إلى ملفات أخرى للاجتماع، بينها العلاقات الثنائية والتحديات الإقليمية وإيران.

وعليه، فإن الصورة الحالية تجمع بين وقائع مؤكدة، وتوترات إقليمية قائمة، وسيناريوهات تحليلية لم تثبت بعد.

شارك المقال:

شاركنا برأيك