مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

د.محمد الغمري يكتب: أن تكون أيمن منصور ندا فتنتقد حمدين صباحي لأنه معارض!

عارض حمدين سلطات متعاقبة، وتغير الجميع وبقي هو يعارض؛ إذن المشكلة فيه، والمعارضة عنده طبيعة لا موقفًا.

مشاركة:
حجم الخط:

ليس ثمة ما هو أكثر إثارة للدهشة من أن يصبح طول بقاء السياسي في المعارضة دليلًا على فساد معارضته.

في مقاله «أن تكون حمدين صباحي – خُلقت لأعترض» يستدعي الدكتور أيمن منصور ندا شخصية عمران في «خلي بالك من زوزو»

صاحب الإجابة الجاهزة: «أعترض… جمعااااء» الإيفيه ناجح، والمفارقة لافتة، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الإيفيه إلى تفسير سياسي:

عارض حمدين سلطات متعاقبة، وتغير الجميع وبقي هو يعارض؛ إذن المشكلة فيه، والمعارضة عنده طبيعة لا موقفًا.

هنا تنتقل الحجة من تكرار السلوك إلى تفسير الدافع من دون أن تثبت الصلة بينهما.

فاستمرار سياسي في المعارضة لا يعني أنه يعارض لمجرد الاعتراض؛ ربما كان الثابت هو المعيار، بينما تغيرت السلطات والسياسات.

ولا يُعرف الفرق بتشخيص صاحبه، بل بفحص مواقفه عبر الزمن.

أيمن منصور ندا يكتب: أن تكون حمدين صباحي “خُلِقتُ لأعترض”!

لا تسأل كم مرة اعترض… اسأل بأي معيار

السؤال الجاد لحمدين ليس: كم مرة قلت «لا»؟

بل: هل قلتها بالمعيار نفسه؟
هل رفض سياسة ثم قبلها عندما مارسها حليف؟

هل دافع عن الحرية حين احتاج إليها وضاق بها حين تغير موقعه؟

هل طالب بالعدالة الاجتماعية في مواجهة خصومه، ثم تسامح مع نقيضها لدى حلفائه؟

إذا ثبت ذلك، فهذه إدانة سياسية حقيقية، لأن الذي يكشف عبثية المعارضة ليس تكرارها، وإنما تناقض معاييرها.

أما إذا ظل يقيس سلطات مختلفة بمعايير متقاربة، فإن استمرار اعتراضه لا يثبت أنه «خُلق ليعترض»

فالرجل ينتمي إلى تقليد ناصري معروف العناوين:

الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، والانحياز إلى الفئات الأضعف، ورفض الهيمنة الخارجية، ومركزية القضية الفلسطينية.

يمكن الاختلاف مع هذه المعايير، أو مع تفسيره لها، أو مع صلاحية بعض أدواتها لعالم اليوم.

لكن النقد يبدأ باختبار اتساقه معها، لا بتحويل بقائه في المعارضة إلى تشخيص لشخصيته.

حين تصبح الناصرية معيارًا لا ذكرى

وهنا تتجاوز المسألة حمدين إلى معنى الناصرية نفسها، فالناصري لا يكون ناصريًا لأنه يؤيد السلطة، ولا لمجرد أنه يعارضها.

وإذا تحولت الناصرية من معيار يُحاسَب به الحكم إلى حنين إلى سلطة مضت، فقدت معناها السياسي ولم يبق منها إلا الاسم والذاكرة.

فالانتساب إلى الناصرية لا يعني تأييد كل سلطة جاءت بعدها، بل اختبارها ـ لمن يتبناها ـ بمعايير الاستقلال والعدالة والسيادة.

لذلك فالسؤال الصحيح لحمدين ليس:

لماذا لا تؤيد؟

وإنما: هل حافظت على معاييرك حين تغير الحكام والمصالح والتحالفات؟
إذا تغير المعيار بتغير الخصم، سقطت المعارضة. وإذا ثبت المعيار، سقطت تهمة «الاعتراض من أجل الاعتراض».
لكن سقوط التهمة لا يمنح حمدين البراءة؛ بل ينقل المساءلة إلى موضع أشد قسوة.

مشكلة حمدين: من الاعتراض إلى القدرة

في انتخابات الرئاسة عام 2012 حصل حمدين على قرابة خمسة ملايين صوت. لم تكن تلك الأصوات كلها ناصرية، ولا كانت كتلة تنظيمية جاهزة، لكنها كشفت عن فرصة سياسية نادرة لاختبار القدرة على تحويل التأييد الانتخابي إلى تراكم.

وبعد كل هذه السنوات، يحق لنا أن نسأل: ماذا حدث لهذا الرصيد؟ أين التنظيم والكوادر والمدرسة السياسية؟

أين المؤسسة التي تستطيع الاستمرار بما يتجاوز حضور الرجل؟

وأين المشروع الاقتصادي والاجتماعي الذي يخاطب مصر اليوم، لا مصر الستينيات؟

ليست المشكلة أن الرصيد اختفى، بل أن مسار تحويله تعطل في مكان ما بين التأييد والتنظيم، وبين التنظيم والتراكم، وبين التراكم والقدرة.

وهنا يقع مأزق حمدين الأعمق: ليس فائض المعارضة، بل عجز المعارضة عن التحول إلى قدرة.

فقول «لا» ليس برنامج حكم، والشعبية التي لا تتحول إلى تنظيم تتبدد، والذاكرة التي لا تنتج إجابات للحاضر تتحول من مورد إلى عبء.

والمعارضة لا تُختبر فقط بقدرتها على كشف عيوب القائم، بل بقدرتها على بناء ما يمكن أن يحل محله.

وهنا يلتقي سؤال حمدين بسؤال التيار الناصري كله:

هل استطاع الانتقال من شرعية التاريخ إلى كفاءة الحاضر؟

فالتيار الحي لا يُقاس بقدرته على استعادة ماضيه، بل بقدرته على إنتاج مستقبله.

أن تكون أيمن منصور ندا

لهذا يمكن نقد حمدين صباحي نقدًا أقسى من مقال الدكتور ندا، ولكن من الباب الصحيح: مساءلة اختياراته وتقديراته، وفحص ما جرى لزخم 2012، والسؤال عن ضعف التراكم التنظيمي، وعن قدرة المشروع الناصري على إنتاج بديل معاصر.

والسؤال القاسي الذي يستحقه الرجل بعد عمر سياسي طويل ليس: لماذا ظللت تعارض؟ بل: ماذا صنعت بمعارضتك؟
لقد امتلك حمدين تاريخًا سياسيًا، وحضورًا عامًا، ولحظة انتخابية استثنائية. لكن السياسة لا تقيس الرجال بطول المسافة التي قطعوها، بل بما تراكم خلالها وما تركوه بعدها.

ومن هنا فمشكلة حمدين ليست أنه قال «لا» كثيرًا؛ مشكلته أنه لم يستطع، بالقدر نفسه، أن يحول هذه الـ«لا» إلى «نعم» سياسية: مشروع، وتنظيم، وبديل، وقدرة على الفعل.

ذلك نقد سياسي يستحقه حمدين

أما أن تصبح تهمته أنه ظل معارضًا رغم تغير الحكام، فمن حقنا أن نقلب عنوان المقال: أن تكون أيمن منصور ندا… فتنتقد حمدين صباحي لأنه معارض!

فالسياسة لا تحاسب المعارض على عدد اعتراضاته، بل على معيارها، والبديل الذي بناه، والأثر الذي تركه.
وإذا جعلنا استمرار الاعتراض نفسه دليل الإدانة، فنحن لا نكشف أزمة حمدين صباحي.
نحن نكشف أزمة تصورنا للمعارضة.

شارك المقال: