مقالات

د. أيمن خالد: إيران على تخوم الكبار وخارج حساباتهم

في لحظات التحوّل الكبرى في النظام الدولي، لا تُقاس التحالفات بما يُقال في البيانات ولا بما يُستعرض في المناورات، بل بما يحدث عند لحظة القرار. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم،…

مشاركة:
حجم الخط:

في لحظات التحوّل الكبرى في النظام الدولي، لا تُقاس التحالفات بما يُقال في البيانات ولا بما يُستعرض في المناورات، بل بما يحدث عند لحظة القرار. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، مع تصاعد الحديث عن ضربة أميركية محتملة ضد إيران، هو سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: إذا أصبح هدف واشنطن واضحًا، وهو إضعاف النظام الإيراني أو تغييره، فهل ستتدخل الصين وروسيا لإنقاذه؟

الجواب، بعيدًا عن الأمنيات والروايات التعبوية، هو: لا.
ليس لأن بكين وموسكو تفتقران إلى النفوذ، بل لأنهما لا تعتبران إيران خطًا أحمر وجوديًا يستحق مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

في السياسة الدولية، لا تُخاض الحروب دفاعًا عن كل ساحة نفوذ، بل عن القلب الحيوي فقط. وهنا يجب التمييز بين القرب الجغرافي والقيمة الاستراتيجية. إيران تقع جغرافيًا على تخوم روسيا والصين، لكنها لا تقع في مركز مجالهما الحيوي الذي يُقاتل من أجله.

روسيا 

بالنسبة لروسيا، المجال الحيوي الحقيقي يتمثل في أوكرانيا، والقوقاز، وآسيا الوسطى. أي اختراق أميركي مباشر لتلك الدوائر يُنظر إليه كتهديد وجودي. أما إيران، فهي شريك جنوبي مفيد، وورقة ضغط، لكنها ليست جدار الدفاع الأخير عن موسكو. خسارتها تعني تراجع نفوذ، لا انهيار أمن قومي.

الصين

أما الصين، فحساباتها أكثر براغماتية. مجالها الحيوي يتمركز حول بحر الصين الجنوبي، وتايوان، وسلاسل التجارة والطاقة. إيران بالنسبة لبكين ممر طاقة وسوقًا وشريكًا اقتصاديًا مهمًا، لكنها ليست جبهة أمن قومي. الدخول في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة من أجل نظام أيديولوجي في الشرق الأوسط يعني تهديد العمود الفقري للاقتصاد الصيني، وهو خيار غير مطروح أصلًا.

ماذا لو سقطت إيران 

ثم إن إسقاط إيران – إن حدث – لا يعني بالضرورة تحوّلها إلى قاعدة أميركية أو خضوعها الكامل لواشنطن. التجربة الأميركية في العقود الأخيرة تشير إلى أن الهدف غالبًا ليس الاحتلال ولا الإدارة، بل التحييد: كسر القدرة على الفعل المستقل، تفكيك القوة العسكرية، وإخراج الدولة من معادلة المنافسة النشطة. وهذا يمكن تحقيقه دون تحويل إيران إلى ركيزة في النظام الأميركي.

من هذا المنظور، تُصبح الخسارة الإيرانية بالنسبة للصين وروسيا خسارة قابلة للإدارة. فالدولة الضعيفة، المنهكة، المتنازع داخلها، قد تكون في ميزان القوى أقل خطورة من دولة قوية مستقلة القرار تفرض على شركائها كلفة الدفاع عنها.

الصين وروسيا لن يتدخلا

لهذا، لن نرى تدخلًا عسكريًا صينيًا أو روسيًا لإنقاذ النظام الإيراني. ما سنراه، في أحسن الأحوال، هو إدارة للأزمة: تصعيد سياسي، دعوات للتهدئة، تحركات دبلوماسية، وربما محاولات للاستفادة من مرحلة ما بعد الضربة اقتصاديًا أو سياسيًا. بكين وموسكو ستنتظران النتائج، لا لحظة الصدام.

المفارقة الأعمق أن إيران نفسها، بطبيعة نظامها وخياراته، ساهمت في تقليص قيمتها الاستراتيجية لدى حلفائها المفترضين. فالدولة التي تتحول إلى عبء أمني واقتصادي، وتفرض على شركائها الدفاع عن خطابها الأيديولوجي لا مصالحهم، تفقد تدريجيًا صفة “الخط الأحمر”، وتتحول إلى “ورقة تفاوض”.

التوازن العالمي لا يُحسم في ساحة واحدة. الصين وروسيا تدركان أن أي تراجع في الشرق الأوسط يمكن تعويضه بتقدم محسوب في ساحات أخرى: أوروبا الشرقية، بحر الصين، التكنولوجيا، الاقتصاد، والفضاء السيبراني. لهذا تُدار الخسائر بدل خوض الحروب.

الخلاصة الصلبة التي يفرضها منطق القوة:
إيران تقع على تخوم نفوذ الكبار، نعم. لكنها لا تقع في مركز توازنهم الوجودي. خسارتها تُضعفهم تكتيكيًا، لكنها لا تُسقطهم استراتيجيًا. ولهذا، إذا اتُّخذ القرار الأميركي، ستُترك طهران عسكريًا وحدها، بينما تُدار المعركة الحقيقية في أماكن أخرى أبعد وأخطر.

 

شارك المقال: