عمرو صابح يكتب: نبوءة عبد الناصر والصراع الذي لم ينتهِ برحيله
قد فهم عبد الناصر مبكرًا أن الصراع الحقيقي لم يكن على السلطة، وإنما على هوية الدولة، واستقلال قرارها، وانحيازها إلى شعبها.

صورة تعبيرية للمقال
“لن يغفر لي الأمريكيون وعملاؤهم ما فعلته معهم… حيًا وميتًا”
جمال عبد الناصر
ليست هذه مجرد عبارة قالها الرئيس عبد الناصر في لحظة انفعال أو تحدٍ، بل تبدو اليوم أقرب إلى نبوءة سياسية اختزلت الماضي واستشرفت المستقبل.
فقد أدرك الرجل، وهو في قلب معركة الاستقلال الوطني، أن الصراع الحقيقي لن يكون على شخصه بقدر ما سيكون على المشروع الذي حمله، وأن خصوم هذا المشروع لن يتوقفوا عن مهاجمته حتى بعد رحيله.
لقد جاء عبد الناصر في زمن كانت فيه المنطقة العربية خاضعة إلى حد كبير للنفوذ الغربي، وكانت الولايات المتحدة تسعى، بعد أفول الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، إلى وراثة نفوذهما وترسيخ هيمنتها على الشرق الأوسط.
وفي المقابل، اختار عبد الناصر طريقًا مغايرًا، طريق الاستقلال الوطني، ورفض التبعية، والدفاع عن القرار المصري والعربي المستقل.
ومن هنا بدأ الصدام.
طرد الاحتلال البريطاني، وأمم قناة السويس، وأسقط أحد أهم رموز السيطرة الاستعمارية، ورفض الانضمام إلى الأحلاف العسكرية الغربية.
ودعم حركات التحرر الوطني في الجزائر واليمن وفلسطين وأفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية.
وأقام علاقات متوازنة مع الشرق والغرب دون أن يسمح بأن تتحول مصر إلى تابع لأي قوة دولية.
لقد كان مشروعه قائمًا على أن تكون إرادة المصريين هي صاحبة القرار، لا السفارات الأجنبية ولا العواصم الكبرى.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يصبح هدفًا دائمًا للضغوط والمؤامرات والحملات الإعلامية.
فالولايات المتحدة لم تكن ترى فيه مجرد رئيس يختلف معها سياسيًا، بل كانت ترى فيه قائدًا يهدد منظومة النفوذ التي تريد بناؤها في المنطقة، ويقدم نموذجًا يلهم الشعوب الساعية إلى التحرر من التبعية والهيمنة الخارجية.
لكن عداء القوى الكبرى لم يكن وحده ما واجهه عبد الناصر، فقد وجد في الداخل أيضًا خصومًا تضررت مصالحهم من سياساته.
فالذين اعتادوا احتكار الثروة والنفوذ، واستغلال الفلاحين والعمال، لم يكن من الطبيعي أن يرحبوا بمشروع يحد من نفوذهم ويعيد توزيع الفرص والثروة بصورة أكثر عدالة.

ولهذا لم يكن مشروع عبد الناصر مجرد مشروع سياسي، بل كان مشروعًا اجتماعيًا أيضًا.
فقد انحاز إلى الفقراء، ورفع مكانة الفلاح بعد قرون من التهميش، ومنح العمال حقوقًا غير مسبوقة، وسعى إلى بناء طبقة وسطى قوية عبر مجانية التعليم والتوسع في الجامعات والمعاهد، وإتاحة فرص الترقي الاجتماعي لأبناء البسطاء.
كما أطلق الإصلاح الزراعي، وأقام قاعدة صناعية وطنية، ووسع مظلة الرعاية الصحية والإسكان الشعبي، وواجه الاحتكارات والإقطاع والاستغلال، واضعًا العدالة الاجتماعية في قلب مشروعه الوطني.
كما بنى السد العالي، الذي وفر لمصر الأمن المائي والطاقة الكهربائية وحماها من أخطار الفيضان والجفاف، وعمل على بناء جيش وطني حديث استطاع أن يصمد في حرب الاستنزاف، ويضع الأساس العسكري الذي قامت عليه حرب أكتوبر 1973.
هذه السياسات أكسبته حب قطاعات واسعة من الشعب، لكنها في الوقت نفسه صنعت له خصومًا أشداء في الداخل والخارج، ممن رأوا في مشروعه تهديدًا مباشرًا لمصالحهم السياسية والاقتصادية.
ولم ينتهِ هذا الصراع بوفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، بل انتقل إلى ساحة أخرى، هي ساحة التاريخ والوعي.
فإذا كانت المواجهة في حياته مع قراراته وسياساته، فإنها بعد رحيله أصبحت مع صورته وإرثه.
ولهذا لم تتوقف محاولات تحميله مسؤولية كل أزمات المنطقة، ولا محاولات اختزال تجربته في أخطاء بعينها، مع تجاهل ما حققه من إنجازات غيّرت وجه مصر والمنطقة.
ولا يعني ذلك أن تجربة عبد الناصر فوق النقد، فكل تجربة سياسية تخضع للتقييم، ولكل قائد إنجازاته وإخفاقاته.
لكن الفارق كبير بين النقد الموضوعي الذي يبحث عن الحقيقة، وبين حملات التشويه التي تنتقي الوقائع، وتقتطع الأحداث من سياقها، وتغفل كل ما لا يخدم رواية مسبقة.
أما الحديث عن “عملاء الداخل” فهو لا يقتصر على أشخاص بأسمائهم، وإنما يشير إلى كل من ارتبطت مصالحهم أو مواقفهم بالمشروعات التي تستهدف إضعاف استقلال القرار الوطني، أو تبرير الهيمنة الخارجية، أو الوقوف ضد أي مشروع يسعى إلى بناء دولة قوية مستقلة.
وهذه ظاهرة عرفتها جميع الأمم، حيث تبحث القوى الكبرى دائمًا عن حلفاء محليين يدافعون عن مصالحها ويواجهون خصومها.
وبعد أكثر من نصف قرن على رحيل جمال عبد الناصر
لا يزال اسمه حاضرًا بقوة في كل نقاش يتعلق بالاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، والكرامة العربية.
ولو كان مجرد رئيس انتهى أثره بانتهاء حكمه، لما بقي كل هذا الجدل حوله، ولما استمرت محاولات النيل من سيرته أو الدفاع عنها جيلاً بعد جيل.
لقد فهم عبد الناصر مبكرًا أن الصراع الحقيقي لم يكن على السلطة، وإنما على هوية الدولة، واستقلال قرارها، وانحيازها إلى شعبها.
ولذلك جاءت عبارته الشهيرة وكأنها قراءة استباقية لما سيحدث بعد رحيله.
فقد رحل الرجل، لكن الصراع الذي خاضه لم يرحل، وبقيت أفكاره ومشروعه محل مواجهة بين من يؤمنون بدولة مستقلة عادلة ذات قرار سيادي، ومن يرون أن التبعية للخارج وحماية مصالح أصحاب النفوذ هي الطريق الذي يجب أن تسلكه المنطقة.
وهكذا، تبدو عبارة عبد الناصر اليوم أقل شبهًا بمقولة سياسية، وأكثر شبهًا بنبوءة تحققت.
فما زال الرجل، بعد عقود على وفاته، يُحارب في تاريخه كما حورب في حياته.
وما زال مشروعه يثير التأييد والرفض بالقدر نفسه، وكأن الصراع الذي خاضه لم ينتهِ بالموت، بل انتقل من ساحات الماضي إلى ساحات الحاضر والمستقبل.






