إبراهيم القاضي يكتب: علي أبو هميلة رجل يسكنه الوطن
يمتلك علي أبو هميلة خبرة إعلامية واسعة، وخيالًا مهنيًا قادرًا على صنع الفارق إذا أُتيحت له الفرصة

علي أبو هميلة إعلامي مصري
لست من عشاق وسائل التواصل الاجتماعي، ولا أرى فيها أكثر من وسيلة تبتلع الوقت، لكن للقدر طرائقه الخاصة.
فقد جعل من هذا العالم الافتراضي جسرًا عبرت عليه إلى قلوب أناس، ربما ما كان لي أن أصافحهم أو أعرفهم لولا ضغطة زر، ومن هؤلاء الإعلامي، والمدير العام السابق بمبنى الإذاعة والتليفزيون علي أبو هميلة.
إبراهيم القاضي يكتب: مصر، حين كان التاريخ يتعلم المشي (كانت الحضارة)
إبراهيم القاضي يكتب: مصر، حين كان التاريخ يتعلم المشي (كانت الحضارة)
عرفته في السنوات التي أعقبت ثورة يناير.
كانت منشوراته مشتعلة بحب الوطن، مفعمة بالأمل، مؤمنة بأن مصر تستحق دائمًا أن تكون في المكانة التي تليق بتاريخها.
تبادلنا التعليقات واللايكات، ثم امتدت بيننا جسور من الرسائل الخاصة، حتى بدا وكأننا صديقان يعرف كل منهما الآخر منذ زمن، رغم أننا لم نلتق وجهًا لوجه.
وذات يوم هاتفني، ودعاني إلى تسجيل حلقة في التليفزيون، لم أسأله عن موضوع اللقاء، ولم أطلب تفاصيل، فقد كان صوت الرجل كافيًا لأن أشد الرحال إلى القاهرة.
استقبلني بحفاوة تليق بأصحاب القلوب البيضاء
ثم ابتعد قليلًا يتحدث مع فريق الإعداد، والتقطت أذني كلمات عن مظهري الريفي، في لحظة واحدة شعرت بأن دماء القرية التي تجري في عروقي قد انتفضت.
فالريف بالنسبة لي ليس ملامح وجه ولا هيئة ثوب، بل تاريخ طويل من الكرامة والشقاء والخبز الذي خرج من رحم الأرض، هممت أن أعتذر عن اللقاء وأغادر.
لكن شيئًا في داخلي قال: تمهل، فهذا الرجل أعرفه.
اقترب مني مبتسمًا، فسألته عما سمعت، وانفجر ضاحكًا وقال: “أنا فلاح، ابن فلاح.”
عندها ضحكت من نفسي قبل أن أضحك معهو تبدد سوء الفهم، وسجلنا الحلقة، وكانت المذيعة مثقفة محبة للأدب، فخرج اللقاء ممتعًا، وبقي في الذاكرة بوصفه لقاءً جمع بين الكلمة الصادقة والقلوب الصافية.
علي أبو هميلة ناصري حتى النخاع.
يؤمن بالعدالة الاجتماعية كما يؤمن الفلاح بأن الأرض لا تخون من يخلص لها، ويؤمن بالقومية العربية إيمانًا يعيشه سلوكًا قبل أن يردده شعارًا.
لذلك أراه مختلفًا عن أولئك الذين يملأون الدنيا هتافًا، فإذا جاء وقت المواقف اختبأوا خلف مصالحهم.
أما أنا، فلست من أنصار جمال عبد الناصر، ولي على تجربته ملاحظات وانتقادات كثيرة، وربما أتحسس رقبتي كلما كتبت رأيًا يخالف ما يراه الناصريون، لكنني تعلمت أن أفرق بين الفكرة وصاحبها، وأن أحترم الإنسان الذي يحمل قناعاته بصدق ونزاهة، حتى وإن اختلفت معه.
تجمعني بالأستاذ علي مكالمات طويلة
هو هناك في إسطنبول، حيث يعانق مضيق البوسفور قارتين، وأنا هنا على شط ترعة أم لبن، حيث تعرفني الأشجار والحقول ورائحة الطين بعد المطر.
وبين البوسفور والترعة يمتد خيط من المودة، يؤكد أن المسافات تقاس بالمحبة لا بالكيلومترات.
في الآونة الأخيرة شعرت بأن الحزن يجاوره، ولم أستغرب.
فالنفوس النبيلة كثيرًا ما تُرهقها الحياة، فأصحاب الضمائر الحية يدفعون ثمن حساسيتهم في زمن صار فيه الالتفاف على الحق مهارة، وصار اللعب بالبيضة والحجر فنًا يتقنه كثيرون.
أما الذين يؤمنون بالإنسان، فلا يجيدون سوى الوضوح، ولذلك يصيبهم التعب أكثر من غيرهم.
يمتلك علي أبو هميلة خبرة إعلامية واسعة، وخيالًا مهنيًا قادرًا على صنع الفارق إذا أُتيحت له الفرصة.
وما زلت أتمنى أن يعود إلى القاهرة، بين أهله وناسه، ليضع خبرته في خدمة إعلام يحتاج إلى رجال يعرفون أن الكلمة ليست مهنة فحسب، بل رسالة وأمانة.
أحب علي أبو هميلة
لا لأنه صديق، بل لأنه من أولئك الذين إذا مروا في حياتك تركوا أثرًا لا يمحوه الزمن. رجل لم تغيره المناصب، ولم تُفسد قلبه المعارك، وظل وفيًا لما يؤمن به، وللناس الذين أحبهم.
وفي زمن تزداد فيه الأقنعة، يبقى وجود أمثال علي أبو هميلة تذكيرًا جميلًا بأن الإنسان الحقيقي لا يُعرف بما يقول، وإنما بما يتركه من أثر في قلوب الآخرين.






