د. محمد الغمري يكتب: ابن سينا العقل المفاوض ليس سبيلا للتحرر (2-2)
ابن سينا يقدم نموذجًا ثالثًا هو العقل المفاوض، عقل لا ينسحب من المجال، ولا يذوب فيه، بل يدير علاقته به بما يحفظ مشروعه ويزيد فرص استمراره.

صورة تعبيرية للمقال
في الجزء الثاني من مقاله عن النموذج الثالث في تعامل العقل العربي مع المجال العام يستكمل د. محمد الغمري المحلل الاجتماعي والسياسي رصد تجربة ابن سينا وتجربة العقل المفاوض وتعامله مع محيطه العام ومجاله.
رابعًا: ما الذي أنتجه هذا الخيار؟ وما الذي كلَّفه؟
إذا قيس نجاح ابن سينا بحجم أثره العلمي، بدا واحدًا من أكثر العقول تأثيرًا في تاريخ الحضارة الإسلامية.
فقد تجاوزت مؤلفاته حدود عصرها وبيئتها، وأسهمت في تشكيل الفكر الفلسفي والطبي في العالمين الإسلامي واللاتيني قرونًا طويلة، لا بغزارة إنتاجها فحسب، بل بتماسك بنيتها المعرفية واستمرار فاعليتها بعد زوال المجال السياسي الذي نشأت فيه.
فأصبح “القانون في الطب” مرجعًا رئيسًا في التعليم الطبي لعدة قرون، وتحول “الشفاء” إلى أحد أهم الجسور التي انتقلت عبرها الفلسفة الإسلامية إلى أوروبا، مؤثرًا في الفكر المدرسي اللاتيني تلقيًا ونقدًا.
غير أن القراءة المسارية لا تقف عند حجم الإنجاز، بل تتجاوزه إلى سؤال الكلفة.
فقد استُهلك جانب معتبر من حياة ابن سينا في أعمال فرضتها شروط المجال؛ من إدارة شؤون الدولة، ومرافقة الأمراء، والتنقل المستمر، ومواجهة الصراعات السياسية، وهي طاقة كان يمكن، لو توافرت بيئة أكثر استقرارًا، أن تُستثمر في توسيع مشروعه العلمي.
لكن المفارقة أن المجال نفسه الذي استنزف جزءًا من جهده هو الذي وفر له، في مراحل أخرى، الحماية، والمكتبات، وشبكات العلماء، والموارد التي مكّنته من مواصلة التأليف.
ولذلك لا يمكن قراءة تجربته بمنطق الربح أو الخسارة وحده؛ لأن المجال كان، في آن واحد، مصدرًا للفرص والقيود.
ومن ثم لا يعمل المشروع المعرفي في فراغ، كما أن البيئة لا تنتج المعرفة بذاتها وإنما يتحدد الأثر الحضاري من تفاعل قوة المشروع مع إمكانات المجال.
فإذا امتلك المشروع طاقة ذاتية، ووجد الحد الأدنى من شروط الاستمرار، استطاع أن يتجاوز الاضطرابات السياسية ويبقى أثره بعد زوالها.
ومن هذا المنظور، لم تكن استراتيجية التفاوض سبب عبقرية ابن سينا، فالعبقرية سابقة عليها، لكنها كانت من أهم أسباب استمرارية مشروعه.
فقد مكّنته من تقليل كلفة البيئة، دون أن تعفيه منها، ومن الحفاظ على استقلال غايته، دون أن تخرجه من منطق المجال.
وهكذا لا تُقاس الفاعلية الحضارية بحجم القيود التي يواجهها الفاعل، بل بقدرته على تحويل الإمكانات المتاحة إلى مشروع يتجاوز زمنه، ويبقى مؤثرًا بعد انقضاء شروطه التاريخية.
د. محمد الغمري يكتب: ابن سينا حين يختار العقل سيده (1-2)
وتكشف هذه النتيجة بُعدًا منهجيًا مهمًا
إذ لا يكفي تفسير النجاح بامتلاك مشروع معرفي قوي، كما لا يكفي تفسيره بتوافر بيئة داعمة، لأن كليهما شرط غير كافٍ بمفرده.
فالفاعلية تولد من العلاقة بين مشروع يمتلك قوة ذاتية، ومجال يسمح له بالاستمرار، وفاعل يحسن إدارة هذه العلاقة بما يقلل خسائرها ويعظم مكاسبها.
ومن هنا بقي أثر ابن سينا بعد زوال الإمارات التي احتضنته، بينما اندثرت تلك الإمارات نفسها، ولم يبق منها إلا حضورها في سيرته.
ويؤكد ذلك أن القيمة الحضارية للمشروع لا تُقاس بمدى استقراره داخل زمنه، بل بقدرته على تجاوز ذلك الزمن.
فالمجال السياسي الذي تحرك فيه ابن سينا كان بطبيعته مؤقتًا، أما المشروع الذي بناه فقد امتلك قابلية الاستمرار خارج حدوده الجغرافية والتاريخية.
ومن هنا لا يتمثل نجاحه الحقيقي في حسن التفاوض مع المجال فحسب، بل في تحويل هذا التفاوض إلى وسيلة لحماية مشروع معرفي تجاوز المجال نفسه، واستمر فاعلًا بعد أفوله.
خامسًا: النمط الثالث… ماذا يضيف إلى السلسلة؟
تكشف تجربة ابن سينا انتقالًا نوعيًا في هذه السلسلة.
فإذا كان أبو العلاء المعري قد مثّل العقل المنسحب الذي آثر حماية استقلاله بالابتعاد عن المجال.
وكان أبو حيان التوحيدي قد جسّد العقل المحترق الذي استنزفته محاولة التأثير داخل مجال معادٍ.
فإن ابن سينا يقدم نموذجًا ثالثًا هو العقل المفاوض، عقل لا ينسحب من المجال، ولا يذوب فيه، بل يدير علاقته به بما يحفظ مشروعه ويزيد فرص استمراره.
غير أن تباين مآلات هذه النماذج لا يفسَّر بطبيعة العقول وحدها، بل بطبيعة المجالات التي تحركت داخلها.
فالمعري عاش في بيئة لم تترك له بدائل حقيقية، فغدا الانسحاب أقرب إلى حماية الاستقلال منه إلى عزلة اختيارية.
أما التوحيدي فتحرك في مجال تعددت فيه مراكز الرعاية ظاهريًا، لكنها بقيت خاضعة لمنطق واحد في إنتاج الاعتراف، فكان ينتقل بين الوجوه بينما ظلت قواعد اللعبة ثابتة، حتى استهلكه السعي إلى اعتراف لم يتغير جوهره بتغير أصحابه.
أما ابن سينا، فقد وجد نفسه في تعدد بنيوي للمجال السياسي أتاح بدائل فعلية للرعاية ومراكز النفوذ، فاستطاع إعادة ترتيب موقعه كلما ضاق أحد الخيارات.
ومن ثم لم يكن التفاوض مجرد مهارة شخصية، بل استجابة عقلانية لبنية تاريخية وفرت قدرًا من حرية الحركة لم يكن متاحًا للنموذجين السابقين.
ويكشف ذلك أن الاختلاف بين الانسحاب، والاحتراق، والتفاوض، لا يعود إلى الإرادة الفردية وحدها، وإنما إلى مقدار ما يتيحه المجال من بدائل حقيقية.
فكلما اتسعت هذه البدائل، اتسعت قدرة الفاعل على المناورة؛ وكلما انكمشت، اقتربت الخيارات من الصدام أو الانسحاب.
ولهذا لم يكن بمقدور المعري أو التوحيدي أن يسلكا مسار ابن سينا، مهما بلغت كفاءتهما، لأن المجال الذي تحركا فيه لم يكن يوفر الشروط نفسها.
ومن هنا تتمثل الإضافة المنهجية لهذا النمط في نقل النقاش من سؤال:
كيف يستجيب العقل لضغط المجال؟
إلى سؤال أكثر تركيبًا: إلى أي حد يستطيع العقل أن يعيد ترتيب موقعه داخل المجال قبل أن يفرض المجال شروطه عليه؟
ومع ذلك تكشف تجربة ابن سينا أن التفاوض ليس مرادفًا للتحرر.
فقد اتسع هامش حركته لأن البنية التاريخية وفرت بدائل حقيقية، لا لأنه خرج من سلطان المجال.
ومن ثم فإن حرية الاختيار نفسها كانت مشروطة بإمكانات البيئة، لا تعبيرًا عن إرادة مستقلة عن التاريخ.
وهكذا تكتمل النماذج الثلاثة في بناء تفسيري واحد، فالمعري يكشف ثمن الانسحاب، والتوحيدي يكشف ثمن الاحتراق، وابن سينا يكشف حدود التفاوض.
ولا يقدم أي منها وصفة صالحة لكل زمان ومكان، بل يبين أن الفاعلية الحضارية تتحدد من خلال العلاقة بين الفاعل والمجال، وأن اختلاف البنى التاريخية ينتج أنماطًا مختلفة لإدارة هذه العلاقة.
وتفضي هذه النتيجة إلى استنتاج أوسع
فكلما اتسع المجال في إنتاج البدائل، ازدادت قدرة الفاعل على إدارة علاقته به، وانخفضت الكلفة الحضارية لاستمرار مشروعه.
أما إذا احتكر المجال مصادر الشرعية والرعاية معًا، انكمشت البدائل، واقتربت خيارات الفاعل من الانسحاب أو الاحتراق، وتراجعت إمكانات التفاوض بوصفه استراتيجية للاستمرار.
ولذلك لا تنتهي هذه الحلقة عند ابن سينا، بل تفتح الباب أمام سؤال جديد أكثر تعقيدًا:
ماذا يحدث حين لا يكتفي العقل بالتفاوض مع المجال، بل يصبح جزءًا من مؤسساته، ثم يكتشف من داخله حدود العلاقة بين المعرفة والسلطة؟
وليس من قبيل المصادفة أن يكون أبو حامد الغزالي هو الحلقة التالية في هذه السلسلة، فهو الذي تولى واحدًا من أعلى المناصب العلمية في نظامية بغداد، قبل أن يغادره في أزمة معرفية وروحية عميقة، وهو نفسه الذي وجّه، بعد وفاة ابن سينا، أشد نقد تعرض له مشروعه الفلسفي في «”تهافت الفلاسفة”
فإذا كان ابن سينا قد أدار التوتر بين الفلسفة والشرعية الدينية من خارج المؤسسة بالتفاوض، فإن الغزالي سيعيد إنتاج التوتر نفسه من داخل المؤسسة بالمراجعة.
وبذلك تمثل هذه الحلقة نقطة تحول في السلسلة إذ تنتقل من تحليل استجابات العقل للمجال إلى تحليل استراتيجيات إدارة العلاقة معه، تمهيدًا للانتقال في الحلقة الرابعة إلى سؤال جديد:
ماذا يحدث حين يصبح العقل نفسه جزءًا من المؤسسة التي يسعى إلى إصلاحها؟






