مقالات
السفير معصوم مرزوق
السفير معصوم مرزوق

دبلوماسي وسفير سابق

معصوم مرزوق يكتب: في انتظار عودة الأبطال (الاستقبال)

كان استقبالاً لا أنساه ، ولا أظن أن من عاشه يمكن أن ينساه ، وكلما تذكرته طفرت الدموع في عيني وأنا أتذكر ذلك الإنسان المصري رقيق الحال الذي جعلنا نفرح فعلا بما أنجزناه

مشاركة:
حجم الخط:

لم يرتب أحد حفل الإستقبال، لذا كانت روعته في تلقائيته، وحماس المشاركين الذين تزاحموا بسياراتهم، الخاصة والأجرة، عند الكيلو أربعة ونصف علي طريق السويس.

كانت لدي إصابة في ذراعي الأيسر وساقي اليسري ، ولكنني تحركت برشاقة ضابط الصاعقة الشاب الذي يتوق إلي لقاء أسرته بعد انتهاء الحرب بالنصر.

معصوم مرزوق يكتب: الشوط الثالث قادم! (حسام وعلم فلسطين)

فوجئت بأحدهم يجذبني من ذراعي ، وهو يقسم ألا يأخذني غيره، تأملته، شخص ربعه رقيق الحال، يجذبني بقوة للأسف من مكان الإصابة، وعندما ابديت إحتجاجا متسائلا عما يحدث لملاحظتي بأن هناك أشخاص يقتادون أي ضابط أو جندي عائد من الجيش الثالث.

ورأيت أنواعا مختلفة من ارقي السيارات وأغلاها، إلي أبسطها، وكان حظي أن ذلك الرجل الطيب يجذبني إلي سيارته الأجرة ” القردة ” كما كنا نصطلح علي تسمية السيارة الفيات 1100.

أعتذر الرجل بعد أن حشرني حشرا في المقعد المجاور ، وقال لي مجاملا أنه بالطبع كان يتمني أن تكون معه مرسيدس أو حتي نصر 128 تليق ببطل صاعقة ، ولكنه يثق أنني لن اتركه لسيارة أخري .

ظننت في البداية أنه تسابق علي اصطياد الزبائن العائدين المرهقين من الجبهة، لعلمهم أننا تلقينا مرتبا مضاعفا، فضلا عن مبلغ قيل أن القذافي قدمه للمقاتلين المصريين.

ولكن خلال الطريق فهمت من السائق، أن كل تلك السيارات التي تجمعت عند الكيلو اربعه ونصف، تخص متطوعين يقفون ليلا ونهارا في انتظار أن ينالوا شرف توصيل الأبطال العائدين إلي منازلهم اينما كانت في كل محافظات مصر، وكان من حين لآخر يعانقني وهو يطريني بكلمات طيبة.

وبعد الوصول لمنزلي، رفض رفضا جازما أن أدفع أي مليم ، بل رفض أن يصعد معي للمنزل كي يتناول بعض الطعام ، وقال لي بفرح أنه يريد العودة لنفس المكان كي ينقل بطلا آخر.

كان استقبالاً لا أنساه ، ولا أظن أن من عاشه يمكن أن ينساه ، وكلما تذكرته طفرت الدموع في عيني وأنا أتذكر ذلك الإنسان المصري رقيق الحال الذي جعلنا نفرح فعلا بما أنجزناه.

تلك عبقرية التلقائية المصرية الملهمة .

شارك المقال: