مقالات
محمد قدري حلاوة
محمد قدري حلاوة

كاتب مصري وقاص

محمد قدري حلاوة يكتب: 1977 العام المر (17)

نحرت الخراف وسألت دماؤها في الطرقات.أخذت أنظر نحو إحداها وقد ظل ينتفض بجسده نفضة الروح الأخيرة، لم يزل رأسه متصل بجسده لم يبتر بالكامل بعد، لكنه َمنحور في عنقه،  شاخص في السديم والمدي، وما أقسى اللحظات الأخيرة وفداحة ألمها.

مشاركة:
حجم الخط:

البدايات التي لا تهم أحد

التاسع عشر من نوفمبر 1977، في الصباح كانت معركة عنيفة خلفت بضعة خدوش وأزرار القميص والأكمام الممزقة.

أراد أن يأخذ ” كيس البلي”  أقسم أنه ملكه، لم يكن يحب الخسارة تلك عادته الذميمة، لكنه طيب القلب وحلو المعشر.

في المساء لم نتذكر حادثة النهار وصرنا نلعب” الأستغماية” ونلهو ونضحك، كانت الخدوش مازالت ملتهبة أتحسسها بين حين لأخر، لكنها مثل كل جراح وأتراح الصغر، تحدث بسرعة، وتلتئم أيضا بسرعة.

جلسنا نلتقط أنفاسنا قليلا.

غدا وقفة عيد الأضحى المبارك، كانت الخراف والغنم مقيدة أمام باب البناية وصوت ثغائها وحركتها الدائبة محاولة الفرار من قيودها تطغيان على المشهد.

شكل الفراء وقد كتب عليه أسماء أصحابها وهي تضع رؤوسها في صحن العلف، هل كانت تعلم مصيرها بعد ساعات معدودة؟ هل كانت تدري قدرها القادم حتما؟

لم تكن أذهاننا الصغيرة بعد مشغولة بالحدث الجلل الآتي بعد ساعات 

1977 العام المر (16)

1977 العام المر (15)

 الزيارة التاريخية للرئيس السادات للقدس

كان أمامنا ما هو أكبر وأكثر أولوية،  إنهاء الواجب المدرسي الثقيل صبيحة يوم الوقفة أثناء ساعات الصيام.

موضوعا للتعبير عن إنتصار أكتوبر العظيم، إنطلقت في سرد البطولات والتضحيات، وكسر إسطورة العدو، وحتمية إستمرار المعركة حتى تحرير الأرض.

في المساء كانت الأنظار كلها شاخصة نحو جهاز التلفاز والرئيس الراحل أنور السادات  يهبط من سلم الطائرة في  تل أبيب،  بأناقته المعهودة محييا المستقبلين بإشارة من يده.

حرس الشرف مرتص في إستقباله، والموسيقى تعزف السلام الجمهوري و رموز إسرائيل ” بيجين” و ” موشي ديان” و ” جولدا مائير” فى إستقباله.

كنا كمن نشاهد كائنات فضائية تهبط على كوكب الأرض، الدهشة والصدمة لم تمنع من أن نشاهد ترقرق الدموع في عيون الكبار.

كانت عقولنا مشغولة في إنتظار الصباح ، لبس العيد، و صلاته و العيدية

أذاع التلفزيون في الصباح صلاة العيد من المسجد الأقصى وسلطت الكاميرات على  الرئيس ” المؤمن” وهو يجلس في خشوع.

رتل الشيخ ” مصطفى إسماعيل” آيات من الذكر الحكيم، نحرت الخراف وسألت دماؤها في الطرقات.

أخذت أنظر نحو إحداها وقد ظل ينتفض بجسده نفضة الروح الأخيرة، لم يزل رأسه متصل بجسده لم يبتر بالكامل بعد، لكنه َمنحور في عنقه،  شاخص في السديم والمدي، وما أقسى اللحظات الأخيرة وفداحة ألمها.

مضى العيد، لم أهتم أو أعي حينها كثيرا بخطاب الكنيست

كان اللحم والثريد والمسدس الذي يحدث صوتا مزعجا يستحوذان على إهتمامي،  في ” الحصة” الأولى في المدرسة كلفتنا ” أبلة ماجدة” بكتابة موضوع تعبير عن الزيارة الشجاعة للرئيس الراحل  السادات  لصنع السلام _ علمت بعدها أن الحصة الأولى في كل مدارس مصر قد خصصت لهذا الغرض _

ووجدت القلم ينطلق في وصف حكمة الزيارة وأهمية السلام مع ” الجيران” وإنهاء الصراع وحقن الدماء.

لم يبالي أحد بموضوع التعبير الذي كتبته عن حرب أكتوبر.

ولا بسردي للإنتصار العظيم، طويته في حقيبتي، وضاع مثل كثيرا من الأشياء التي ضاعت من حينها.

كيف أصابني هذا التحول ومتى؟ إنها الأسئلة الملعونة المؤرقة الباحثة عن يقين وجواب.

حصلت على الدرجة الكاملة وبضعة نجوم، وبرأت الخدوش وأختفت تماما، ومازالت الرأس معلقة بالجسد، لا هي مبتورة ولا هي موصولة.. ومابرحت الدماء تنز نازفة.

هنختار رائد الفصل و الخمسة الأوائل في كل فصل من سنة خامسة وسادسة.

لازم كلكم تكونوا بكرة من الساعة سبعة ونصف في المدرسة وكلكم لابسين الزي والكرافتات” هكذا أخبرنا أستاذ ” كامل” وكيل المدرسة، عن المهمة الموعودة.

كنا في نهايات نوفمبر شتاء عام 1977، وكنت أبلغ من العمر حينها عشرة أعوام وبضعة شهور،  كانت المهمة المرتقبة هي إستقبال الرئيس أنور السادات فى موكب ذهابه لإلقاء خطاب بمجلس الشعب – 26 نوفمبر – بعد عودته من” القدس، و زيارته لإسرائيل.

ولأنني كنت من الخمسة الأوائل في الصف الدراسي السادس الإبتدائي حينها، فقد كان على أن أستعد وأتهيأ للموكب المنتظر.

كان التلفاز والراديو يلحان أيامها بالأفلام والأغاني 

من عرض فيلم ” الناصر صلاح الدين” إلى أغنية ” ياسادات” للمرحومة” فايدة كامل” و إستدعاء أغنية الراحلة ” أم كلثوم” ” بالسلام إحنا بدينا”

وإنتشرت لافتات التأييد في الشوارع وإعلانات الدعم والمديح في الجرائد والمجلات، وعرائض المباركة المكتوبة بالدم!!

وظل الشيوخ والقساوسة يعظون عظات السلام وحرمة الدم.

كنت أشاهد أحد التحولات التاريخية في الفكر والتوجه

وكنت شاهدا على محاولة تغيير الوجدان الشعبي وتحول الخطاب وتبدل الحال دون أن أعي حينها أو أنتبه ودون أن أعرف أيضا أنني سأشاهد وأرى هذا الأمر كثيرا فيما بعد، كلما شببت ومضت بي الحياة وتغيرت توجهات ووجوه وسياسات.

شعرت حينها بثقل المهمة الملقاة على عاتقي، وتأنقت بعد أن ربط لي والدي ربطة العنق ( أمقتها وأتخلص منها فور إنتهاء المناسبة التعيسة التي تحتم على التعلق بمشنقتها)

توجهت إلى المدرسة وأستقللنا الحافلة التي ستنقلنا إلى ميدان ” الجيزة” حيث سيمر موكب الرئيس.

وزعوا علينا حال صعودنا في الحافلة يومها أعلاما صغيرة لمصر، ولافتة طولها حوالي مترين مكتوبا عليها ” معلمي وطلاب مدرسة النيل القومية المشتركة يؤيدون مبادرة السلام ومكتوبا تحتها بخط عريض السادات بطل الحرب والسلام”

من أين أتوا بالأعلام واللافتة بتلك السرعة رغم ضيق الوقت المتاح لتنفيذ المهمة؟

كانت الإجابة تستدعي أن يكبر المرء بضعة سنوات وعقود ليعرف ويعي كيف يستطيع الجهاز الحكومي البيروقراطي تدبير هكذا أغراض في تنظيم تلك الإحتفاليات وإستقبال الرؤساء و الزعماء.

والرؤساء سرعان ما تستبدل الصحافة ووسائل الميديا صفتهم سريعا ويصبحوا زعماء.. كلهم زعماء.

وقف الأستاذ ” كامل ” فى مقدمة الحافلة بعد أن فهم كل منا مهمته.

بينما الأستاذ ” ناجي” يجلس في أول الحافلة متجهما لا يكاد ينطق، كانوا يقولون أن الأستاذ ” ناجي” مثير للمشاكل دائما.

وسمعنا همسا أنه  شيوعي” كافر” وكانت جريدة ” الأهالي” التي يصدرها “، حزب التجمع” والتي يتأبطها تحت يده كل أربعاء وشعر رأسه الطويل ولحيته غير المهذبة كفيلة بتثبيت التهمة عليه.

وأخيرا وصلنا إلى المكان المخصص لوقوفنا مع بضعة مدارس مختارة أخرى وجولت ببصري حينها وإنتبهت إلى أن عمال المصانع والشركات وموظفي كافة القطاعات والهيئات والوزارات قد إصطفوا جميعا بجوارنا وعلى إمتداد الطريق يحملون أعلامهم ولافتاتهم، الكل مؤيدون، الجميع مرحبون.

ظللنا على هذا الحال نحو ثلاث ساعات كاملة بلا حراك.

وجلس بعضنا على الطوار كي يستريح، بينما عساكر وضباط الشرطة بزيهم الأسود الصوفي الثقيل يقفون أمامنا متشابكي الأيدي مكونين جدارا بشريا بيننا وبين قارعة الطريق المفترض مرور موكب الرئيس خلالها.

بينما الأستاذ ” ناجي” مرتسمة على ملامحه ملامح الضجر وهو ينفث دخان سجائره وقد رسم حوله غلالة جعلته جديرا بالصورة المرتسمة في أذهاننا كشيطان رجيم مارق.

بدأت بعض الصيحات ترتفع مطالبة بالنظام والإصطفاف.

لقد إقترب موكب الرئيس من المرور، ووقفنا تلوح بالأعلام وقد حمل بعض زملائنا لافتة التأييد.

وأرتفعت الحناجر بالهتاف للزعيم  ” بالروح بالدم نفديك يا سادات”

( مع مرور العمر وتقدمه وتتابع السنون ظل الهتاف ثابتا مترددا لم يتغير فيه شيئا سوي الأسماء).

ومرت المقدمة من راكبي الدراجات النارية أمامنا ونحن نشرئب بأعناقنا محاولين رؤية لحظة مرور الزعيم.

وأخذ الحشد يتموج مثل موج البحر متقدما نحو الطريق َ منحسرا عنه وقد شكلت أيادي رجال الشرطة المتشابكة حاجزا لتلك الأمواج البشرية.

ومر أخيرا موكب الرئيس من أمامنا.

وإستطعت بصعوبة وبسبب قصر قامتي في هذا الوقت تبينه والتفرس في ملامحه، كان الرئيس يتحرك في سيارة مكشوفة وقد وقف مشدود القامة، بادي الأناقة، يرسم إبتسامة جذابة على وجهه الأسمر وقد أخذ يلوح لنا بيديه بوقار، محاطا بحرسه الشخصي من كل إتجاه.

و أستطاع البعض الإنفلات من حاجز الشرطة والجري وراء سيارة الرئيس بينما حرسه الشخصي وضباط الشرطة يلاحقونهم ويعيدونهم إلى أماكن المستقبلين بهدوء.

كان الحرس الشخصي حينها أكثر سماحة، إلي درجة أن أحد المنفلتين من الجدار البشري قد أستطاع مصافحة الرئيس شخصيا.

أنفض الموكب وأخذ الجميع يعود إلى حافلته.

وصعدنا جميعا يتملكنا الإجهاد وأستلقينا على المقاعد، وأخذ الأستاذ ” كامل” يحصي التلاميذ بيده و بصوت منخفض وصاح بنا ” حد ناقص يا أولاد”.

ثم إنطلقت الحافلة في طريقها للعودة بنا إلى المدرسة بينما الأستاذ كامل يمر علينا لجمع الأعلام واللافتة ( تمهيدا لإستخدامهم في مناسبة أخرى وإستقبال آخر)

ووزع ” الوجبة” المخصصة للمشاركين في الإستقبال، وأخذنا نتناولها في نهم.

بينما صوت الأستاذ ” ناجي” يتصاعد من أول الحافلة محدثا الأستاذ ” كامل” وعم ” رياض” السائق قائلا بغضب” بالذمة مش ده كلام فارغ،  إيه لزمتها المصاريف دي كلها”

تأكد لي حينها ما سمعته عن الأستاذ” ناجي” بأنه   شيوعي  ليس هذا فقط بل ” شيوعي” خطر أيضا.

في اليوم التالي وقف جميع التلاميذ والمعلمين ركاب الحافلة وسط الطابور الصباحي حيث قامت” الناظرة” بتكريمنا.

وقامت بإلقاء كلمة طويلة عصماء جزلة عن الزعيم” بطل الحرب والسلام” مستشهدة بالتاريخ والشعر والأقوال المأثورة.

ذاكرة إيانا جماعة وحشدا في جملة واحدة وفقرة مختصرة ” صقفوا لزمايلكم والأساتذة اللي راحوا وقفوا في إستقبال الرئيس البطل “المؤمن” محمد أنور السادات. 

ورغم الألم الذي أصاب أقدامنا من طول الوقوف بالأمس في إستقبال الرئيس واليوم في كلمة ” الناظرة” المسهبة.

إلا أننا شعرنا حينها بأننا كالنجوم البارزة وكبار المشاهير الذين تهتف لهم الجماهير وتلتهب أكفهم بالتصفيق لتحيتهم، ألم نلوح للزعيم ونراه رؤيا العين؟

هل هناك فخر وتميز أكبر من ذلك؟

وإنتهي الطابور الصباحي وعزف النشيد الوطني ” والله زمان يا سلاحي.. وإشتقت لك في كفاحي”

وأخذنا نردده بحماس وبصوت عال، بدا ما تزعق به حناجرنا غريبا في تلك المناسبة ( ردده الأستاذ ” ناجي الشيوعي بحماس وغضب) 

وهو ما تنبه إليه المسئولين بعد حين يسير، ونحي النشيد الوطني القديم جانبا وصرنا نردد نشيد

” بلادي.. بلادي.. بلادي.. لك حبي وفؤادي “

 

شارك المقال: