مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

حسن مدبولي يكتب: الملك العاري!

يبدو الملك وهو يتمايل في موكب مهيب، منتشيًا بأزياء لا وجود لها إلا في مخيلته، بعدما أقنعه محتالون بأنهم نسجوا له ثوبًا سحريًا لايمكنه هو نفسه رؤيته.

مشاركة:
حجم الخط:

منذ أن كتب الأديب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن حكايته الشهيرة «ثياب الإمبراطور الجديدة» عام 1837، لم يعد الأمر مجرد سردية أدبية عن ملك مخدوع.

أو حاكم يبحث عن أى طريقة لإستنواق وتدجين أتباعه، بل تحولت القصة إلى واحدة من أكثر الصور الأدبية تعبيرًا عن ظاهرة إنسانية تتكرر في كل زمان ومكان، حين يرى الجميع الحقيقة، ثم يقررون تجاهلها، أو المشاركة فى تزييفها خوفا وطمعا.

في تلك الحكاية، يبدو الملك وهو يتمايل في موكب مهيب، منتشيًا بأزياء لا وجود لها إلا في مخيلته، بعدما أقنعه محتالون بأنهم نسجوا له ثوبًا سحريًا لايمكنه هو نفسه رؤيته.

وكذلك لن يراه إلا الأذكياء والمخلصون لعرشه وسلطانه والمؤمنون بحكمته، وبينما الملك يسير بخيلاء، ويتفحص الوجوه لاكتشاف من لايرون الزي،ولا يعترفون بعظمته.

إصطف على جانبي الطريق الوزراء والوجهاء والجماهير ، يتسابقون جميعا في الإعجاب والإشادة، ويتنافسون في وصف روعة ثوب لا وجود له .

المؤسف أن الكل كان يرى الحقيقة ذاتها، أن لا ثوب هناك، ولا معجزة، ولا شيء يستحق كل هذا الاحتفاء.

ومع ذلك استمر التصفيق

تعالت الهتافات، وتواصل الكذب الجماعي حتى بدا وكأنه حقيقة راسخة لا يجوز التشكيك فيها.

المأساة الحقيقية لم تكن في الثوب الوهمي الذى ارتداه الملك، بل كانت في الخوف، الخوف من الاعتراف بما تراه العيون.

والخوف من مخالفة الجموع، والخوف من أن يقول الإنسان ما يعتقده حقًا فيُتهم بالجهل أو التمرد أو الخروج عن الصف.

لكن مع هذا ووسط ذلك المشهد العبثى، ظهر طفل صغير لا يملك سلطة ولا نفوذًا ولا مصلحة، نظر بعينيه المجردتين إلى ما يراه الجميع، واصابته الدهشة من تعليقات الجموع المهللة للثوب القشيب فقال ببساطة:

«إنني لا أرى أية ملابس ، إنى أرى الملك عاريًا»

لم يكتشف الطفل بذلك سرًا خفيًا، ولم يزح الستار عن حقيقة مجهولة. فكل ما فعله أنه نطق بما كان يعرفه الجميع ويخشون الاعتراف به.

لهذا بقيت العبارة حية حتى اليوم، تصف بصدق أى وهم ينجح في ارتداء ثوب الحقيقة.

تعري كل خطأ يتحول بالتكرار إلى مسلّمة، وتتصدى لعلو أى مشهد عبثي يشارك الناس في تضخيمه والاحتفاء به حتى ينسوا حقيقته البغيضة الماثلة أمامهم.

فيتحول الخطأ إلى احتفال جماعي، و يصبح الاعتراض عليه جريمة تستحق الادانة والنبذ والسخرية والاستهجان.
على كل حال ستظل عبارة «الملك عارٍ» أكثر من مجرد جملة في قصة قديمة.

إنها صرخة في وجه النفاق الجماعي، وتذكير دائم بأن الحقيقة لا تتغير بكثرة المصفقين، وأن الوهم، مهما حشد حوله من مديح وهتاف ورقص وتطبيل ، سيظل وهمًا.

شارك المقال: