محمد قدري حلاوة يكتب: الولايات المتحدة والقتل بشعار الحرية
كل تلك التسميات التي أطلقها السادة المكتشفون علي الأعراق التي وجدوها علي الجانب الآخر من المحيط .. وكانت تلك التسميات في حقيقتها مبررا ورخصة لقتل الآخر وإبادته.

ترامب (صورة أرشيفية)
رحلة كولومبوس ورفاقه
في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي إكتشف “كولومبوس” ورفاقه الأمريكيتين.
كان هذا الإكتشاف ” صنوا ملاصقا ومرادفا للإبادة والقضاء علي الشعوب الأصلية الملونة الهمجية المتوحشة .
كل تلك التسميات التي أطلقها السادة المكتشفون علي الأعراق التي وجدوها علي الجانب الآخر من المحيط .. وكانت تلك التسميات في حقيقتها مبررا ورخصة لقتل الآخر وإبادته.
حتي أن لفظ الإكتشاف ذاته هو خاص بأصحابه الذين أكتشفوا بقاعا مجهولة بالنسبة لهم بينما كانت الشعوب القاطنة بتلك البقاع موجودة وراسخة منذ آلاف السنين ولها ثقافة وحضارة وتاريخ.
نسج الأساطير حول المكتشفون
ولكن لأن ” التاريخ برمته أبيض ” كما يصدمنا “روبرت يونج” في كتابه الشهير “أساطير بيضاء” فقد تم نسج الأساطير حول المكتشفين العظماء وطمرت تماما قصة حضارات أبيدت وافنيت قصرا.
كان الفنانون والرسامون في العصور الوسطي يرسمون قاطني تلك البقاع المكتشفة بأجساد بشرية ورؤوس حيوانات وربما ذيول
التمهيد لإبادة الحضارات
ولم يكن الأمر بالطبع نوعا من الفنون السيريالية أو مدرسة تجريبية شطحت فيها قريحة الفنان، لكن الأمر كان متعمدا حتي يتم نزع الصفة البشرية الإنسانية عن قاطني تلك البقاع.
فهم يشبهون بعض صفات البشر أشباه بشر علي أفضل تقدير، وتم تعبيد الطريق وتمهيده للإبادة و القضاء المبرم علي أعراق وحضارات.
ترامب يعلن وقف قصف إيران لمدة أسبوعين
ترامب يعلن هدنة مشروطة مع إيران
“الهنود الحمر”تسمية الأوروبيين لأهل أمريكا الأصليين
ولم يفت الغرب الرؤوم بضميره القلق دائما أن يحتفظ بفنون وتماثيل وهياكل تلك الشعوب المبادة ويزين بها متاحفه.
كما مارس الغرب عادته كمكتشف في إعادة تسمية تلك الشعوب – والأماكن أيضا – و أطلق عليها إسم ” الهنود الحمر”
ولا يغيب عن الذهن بالطبع أن إعادة تسمية الشئ تمنح ضمنا حق إمتلاكه، فمن أطلق الإسم يعطي الوصف والكينونة، ويشير من طرف خفي أنه لم يكن موجودا من قبل وأن المكتشف الجسور قد أسبغ عليه هذا الوجود.
تجارة العبيد واستجلاب الرقيق من أجل إعمار الأرض الجديدة أمريكا
ولما كانت المساحات المكتشفة شاسعة وعدد الأوربيين المهاجرين للأمريكيتين لا يكفي لإستثمار و إستغلال تلك المساحات ولما كان من العسير أيضا تسخير قاطني البقاع المكتشفة و إخضاعهم لرغبة السيد الجديد.
فقد تفرغ السادة الجدد لإبادتهم ووجدوا البديل في تجارة الرق و إستجلاب الرقيق من القارة الإفريقية كأيدي عاملة مسخرة للعمل بمزارع و أراضي السادة البيض.
زادت أعداد الرقيق وبدت مظاهر تململ وتمرد من هنا أو هناك.
ولاحت آمارات ” الثورة الصناعية” تبشر بعصر الآلة.. وتقسيم العمل.
وبدا ذلك الفائض من الأيدي العاملة السمراء عبئا ومشكلة ينبغي حلها والتخلص منها،وخصوصا كلما غامت السماء أكثر فأكثر بسحابات مراجل أدخنة المصانع وتطورت الآلات.
وهنا لاحت طيوف فضائل الغرب المحلقة وضميره القلق وأنسانيته المفرطة.
العبيد المحررون من أمريكا يستعمرون ليبيريا
بدت بقعة قصية هناك على الجانب الآخر من المحيط في “أفريقيا” ( ليبيريا) حلا أنسانيا رؤوما.. عمليا وسحريا في أوانه وحينه وموقعه.
تنقل لنا موسوعة ويكيبيديا المعلومات الآتية نصا عن دولة “ليبيريا”
“ليبيريا هي واحدة من اثنتين فقط من البلدان الحديثة في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء من دون جذور في النزاع الأوروبي على أفريقيا.
ابتداء من عام 1820 استعمر المنطقة العبيد المحررون من الولايات المتحدة بمساعدة من جمعية الاستعمار الأمريكية.
وهي منظمة خاصة اعتقدت بأن العبيد السابقين سيحصلون على المزيد من الحرية والمساواة في أفريقيا “
لاحظ دائما تلك الأهداف الأنسانية السامقة التي تعمل من أجلها تلك المنظمات الخاصة”
تحت شعار الحرية تخلصوا من الرقيق
الحصول على المزيد من الحرية ” ولا يذكر أحد أبدا أنهم يرغبون في التخلص من تلك الأعداد الزائدة من الرقيق في عصر يتجه نحو سيادة الآلة بقوة وتزيدنا” ويكيبيديا ” علما عن تلك الدولة الناشئة “
وهو أصل تسمية البلاد بليبيريا المستمدة من كلمة ليبرتي والتي تعني الحرية.
كما أرسل العبيد المحررون من سفن العبيد هناك بدلًا من إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
في عام 1847 أسس هؤلاء المستعمرون جمهورية ليبيريا وأقاموا حكومة على غرار نظيرتها في الولايات المتحدة وسموا العاصمة مونروفيا تيمنًا بجيمس مونرو خامس رئيس للولايات المتحدة ومؤيد بارز للاستعمار.
احتكر المستعمرون والمعروفون أيضًا باسم الليبيريين الأمريكيين القطاعات السياسية والاقتصادية في البلاد على الرغم من أنهم لم يشكلوا سوى نسبة ضئيلة من السكان “
عقلية الرجل الأبيض
هم إذن عادوا عبيدا محررين ناجين بالجسد وإن ظلت وتوطنت بداخلهم عقلية السيد الأبيض مالكا للرقاب ومستعمرا للعقل والتصورات.
فأسم العاصمة أسم رئيسهم و سيدهم الخامس، وعلمها هو ذاته علم” الولايات المتحدة الأمريكية ” وأن كللته نجمة واحدة تبرز وسط الخطوط الحمراء.
استعبدوا اهل ليبيريا (الحرية)
وعندما ذهبوا دولتهم الجديدة التي تعني” الحرية ” سادوا أهلها وتحكموا في المناصب والأرزاق صار لهم خاصتهم من العبيد.
وأنتشر حفدتهم من صنائع الغرب – السيد – في كل ربوع القارة السوداء المنكوبة، يتحكمون في الرقاب والعباد.. ينتهكونها فسادا ونهبا.
ومضت ديكتاتوريات القارة تفعل فعل المستعمر وأسوأ.. رغم ظلال التاريخ وبشاعة الماضي، والأمل المتوهج في التحرر.
رغم الملامح والسمت واللون، ربما هو “الأبتلاء بالتغرب” كما أوجزه العنوان المعجز للسردية المبهرة ” لجلال آيت أحمد”
الحرب الأهلية الأمريكية
بعد منتصف القرن التاسع عشر بعقد تقريبا، وفي ذروة الثورة الصناعية نشبت الحرب الأهلية الأمريكية، والتي كانت في حقيقتها حربا إقتصادية في المقام الأول، بين ولايات الشمال الغنية والمتقدمة صناعيا، وولايات الجنوب المعتمدة علي الزراعة.
كانت مرحلة تحول بين الإعتماد علي الأيدي العاملة الكثيفة وبين الإعتماد علي تقسيم العمل والتخصص و إقتصاد الآلة كما سبق سرده )
حرب اقتصادية وصراع رأسمالي
الشمال يريد التخلص من الأيدي العاملة الزراعية الكثيفة وتحويلها إلي أيادي تعمل بالصناعة.. والجنوب يريد الإحتفاظ بالأيدي العاملة الزراعية الكثيفة الرخيصة.
استخدموا العبيد في الحرب بين الشمال والجنوب
وحتي يتم إطلاق هالة أثيرية إنسانية عريضة مجددا تثير الفخر والزهو والإعجاب وتبقي مضيئة في كتب التاريخ ووثائقه وتبقي ملهمة للأجيال من بعد فقد أعلن ” أبراهام لنكولن” أنه علي رأس أهداف الحرب هدف تحرير العبيد.
آمن العبيد بدعاية الحرب وحاربوا بجانب ولايات الشمال بجسارة وبسالة إلا أنه بعد إنتصار الشمال و إخضاع الجنوب وبعد أن بدأ العبيد المحررين يطالبون بحقوقهم وحرياتهم .
ولما تبددت أوهامهم، زادت معدلات الهجرة إلى ” ليبيريا”
كانت الرسالة بإختصار أنك إذا أردت أن تحصل علي حريتك وحقوقك فلا بأس في الأمر ولكن هناك في ليبيريا وليس هنا علي الأرض الأمريكية التي دفن فيها أجدادك وماتوا في السخرة والرق، وضحى فيها أحباؤك في الحرب الاهلية الأمريكية.
إلا أن تلك القصة أيضا قد طمرت في سراديب قصص المسكوت عنه من روايات التاريخ.
وبقيت الصورة المضيئة الباهرة عن “لينكولن “محرر العبيد ليبقي إسمه خالدا مضيئا لامعا كالحجر الثمين في عقد أسطورة ” الآباء المؤسسين “
أكذوبة لينكولن محرر العبيد
وقد يكون من المفيد ان نستكشف آراء ” لينكولن” الحقيقية تجاه قضية تحرير العبيد، يرصد لنا” هوارد زن ” في كتابه الوثيقة” التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية ” بعضا من تلك الآراء “أثناء حملته الانتخابية في عام 1858.
وفي حديثه في “تشارلستون بجنوب إلينوي صرح لينكولن قائلا : لست أذن ولم أكن في يوم من الأيام من المؤيدين بأية طريقة من الطرق للمساواة الأجتماعية والسياسية بين البيض والسود ( تصفيق)
لينكولن ضد المساواة بين الأبيض والأسود
ولست ولم أكن يوما من المؤيدين لأن يكون هناك ناخبون أو محلفون من الزنوج.
كما أنني لا أؤيد توليهم المناصب أو زواجهم من بني الجنس الأبيض، وطالما أنه ليس بأمكانهم أن يعيشوا كالبيض ( حكم جازم)بينما يتمسكون بالبقاء سويا ( رذيلة!!)
فلابد ان يكون هناك مرتبتان للأعلى والادني، وأنا كأي أنسان آخر أرى أن تكون المرتبة الأسمى للجنس الأبيض.
وبعد أن أطلق السيد لينكولن أحكامه الجازمة بخصوص تفوق العرق الأبيض يعود للقول لرئيس تحرير إحدى الصحف الأمريكية في” أغسطس / آب ” عام 1862 موضحا نهجه وسياسته
الهدف إنقاذ الاتحاد وليس نظام الرق
” لم يكن قصدي أن اترك شكا لدي أحد إن هدفي الأكبر من هذا الكفاح هو أنقاذ الأتحاد وليس أنقاذ أو تدمير نظام الرق، فلو كان بأستطاعتي أن أنقذ الأتحاد دون تحرير أي عبد لفعلت.. ولو كان بأستطاعتي إنقاذ الأتحاد عن طريق تحرير كل العبيد لفعلت.
ولو كان بأستطاعتي أن أحقق هدفي – أنقاذ الأتحاد – عن طريق تحرير بعض العبيد وترك الباقي منهم لفعلت أيضا “
الهدف أذا براجماتي نفعي بحت، ويتضح الأمر أكثر فيما يذكره” هوارد زن لما قام لينكولن في سبتمبر / أيلول العام 1862 بأصدار الإعلان التمهيدي لتحرير العبيد.
إعلان تحرير العبيد
كان ذلك خطوة عسكرية حيث منح لينكولن أربعة أشهر لأنهاء التمرد ( تمرد ولايات الجنوب في الحرب الأهلية الأمريكية)
وذلك بتحرير عبيد سادة الجنوب إذا أستمروا في تمردهم، وواعدا بعدم المساس بنظام الرق في الولايات التي تعلن أستسلامها للشمال.
ومن ثم فعندما صدر إعلان تحرير العبيد في الأول من ” يناير / كانون ثان العام 1863كان ذلك يعني تحرير العبيد في تلك المناطق التي كانت في حالة حرب مع الأتحاد.
وهي مناطق حددها الإعلان بكل دقة، بينما لم يذكر شيئا عن العبيد في المناطق الأخرى التي تساند الأتحاد”
المقولة التي تقول” التاريخ يكتبه المنتصر ” مقولة صادقة تماما.
وما نجح فيه المنتصر أنه كان شديد الحذق في إخفاء آثار الدماء التي تقطر من يديه وتغطي ثوبه، و أسبغ علي ذاته صورة ملهمة براقة أثيرية،
تلك الرواية السابقة قطرة من بحر ” عبء الرجل الأبيض “ّ والذي حمله علي كاهله مختارا لينهض بالشعوب المتخلفة ويأخذ بيدها نحو التقدم
ذابت فيها وتبخرت قطرات أخري من بحر من الدم والعرق ودموع” الآخر”
و طغت القطرة الأولي على القطرات الثانية و أخفتها ببراعة ،
فإياك يا صديقي أن تصدق يوما روايات ووثائق تاريخ المنتصر،
وأنت تلمح مداد الدم قد خطت به كلماته وحروفه وأفعاله، فذلك التاريخ المروي يواري من جانب آخر ذكريات ثانية لأستعباد العالم جسدا وموارد وعقلا,
ثقافة وأقتصادا ومخيلة.. ثقوب سوداء خافتة مهلكة، لا تلوح وسط نجوم العلم ” الأمريكي” المغروس في قلب ضمير العالم.. في الماضي والحاضر والمستقبل.





