مقالات
محمد قدري حلاوة
محمد قدري حلاوة

كاتب مصري وقاص

1977 العام المر (6) السادات وجماعات التكفير

ظل الرئيس الراحل يرى في تلك التيارات والجماعات حليفا يمكن السيطرة عليه والصبر على نزقه ومروقه.. وأغمض عينيه تماما وصم أذنيه عن الحوادث المتكررة للفتنة الطائفية وخصوصا في محافظات الصعيد.

مشاركة:
حجم الخط:

الثالث من يوليو عام  1977 

جماعة ” التكفير والهجرة” تختطف الشيخ ” الذهبي” وزير ” الأوقاف” الأسبق من منزله بحي ” حلوان” وتقتاده إلى مكان مجهول.

كانت الجماعة قد بدأت تتعرض لتضييق الخناق عليها من قبل أجهزة الأمن وقبض على بعض أفرادها.. ورأت الجماعة في الشيخ الذهبي هدفا مثاليا.

هو لا يتمتع بالحراسة الامنية بعد خروجه من الوزارة، وكذا هو عالم شهير يمكن المساومة به للإفراج عن أفراد الجماعة المحتجزين، والأهم من كل ذلك أن الشيخ الشهيد كان يقاوم ويحارب فكرهم التكفيري بضراوة.

مقتل الشيخ الذهبي 

في السابع من يوليو عثر على جثة الشيخ مضرجة في الدماء في إحدى الفيلات المفروشة بالهرم.

توالي القبض على أعضاء الجماعة وزعيمهم ” شكري مصطفى” وقدموا للمحاكمة العسكريةز

كانت دلالة الحدث أكبر من أن تمر مرور الكرام، وأثارت العديد من التساؤلات، أشارت الواقعة بوضوح إلى تفشي تيارات التكفير في جسد المجتمع.

خطة السادات السحرية ضد اليسار 

وكانت الخطة والوصفة السحرية التي إنتهجها الرئيس الراحل” السادات” بإطلاق العنان ودعم الجماعات المتسريلة برداء الإسلام للقضاء على التيار اليساري قد بدأت تخرج عن نطاق التحكم والسيطرة

( لعل حادث الكلية الفنية العسكرية في ١٨ إبريل ١٩٧٤ ومحاولة تنظيم ” صالح سرية” الإستيلاء على الحكم بإنقلاب عسكري كان كفيلا بتنبيه نظام السادات.

السادات لم يستوعب حادث الفنية العسكرية 

لكن النظام لم يستفد من الدرس بل وحاول إستغلال الحادث في التخلص من حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية حينها بإلصاق تهمة قيادة التنظيم له لخلافاته مع الرئيس الراحل السادات.

ونجح بالفعل في التخلص منه في العام التالي وأتى بحسني مبارك نائبا له

ظل الرئيس الراحل يرى في تلك التيارات والجماعات حليفا يمكن السيطرة عليه والصبر على نزقه ومروقه،  وأغمض عينيه تماما وصم أذنيه عن الحوادث المتكررة للفتنة الطائفية وخصوصا في محافظات الصعيد.

تغافل السادات عن توغل الجماعات 

بل وغفل أيضا عن تعدد تلك الجماعات، أسماء وتوجهات، وإيغالها في التطرف والتفكير،وبدأ الحديث عن ” المجتمع الإسلامي” يقابله الحديث، عن ” الشعب القبطي” في الجانب الآخر، بدأ الوطن ينقسم بالفعل في غفلة عن أعين الحاكم.

لم يشأ الشهر الساخن _ يوليو _ أن يمر سوي بعد أن عقد مؤتمر ” الهيئات والجمعيات الإسلامية” تحت رعاية الشيخ” عبد الحليم محمود” “شيخ الأزهر” الأسبق.

مؤتمرات إسلامية ومسيحية 

بدا أن المؤتمر قد كان ردا على مؤتمر الكنيسة المصرية القبطية السابق إنعقاده في يناير من نفس العام (1) ومؤتمر” ملبورن” الذي عقده اقباط المهجر في الفترة من 26 يونيو حتى 3 يوليو 1977، والتحركات النشطة لهم في أستراليا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا.

ولاح أن الوطن ” مصر” قد صار وطنين، والشعب الواحد شعبين ،طال التشدد في الخطاب الجميع، وتوغل التعصب والتطرف في العقول والقلوب، وأستخدم الجميع كل أسلحته المتاحة في المعركة ليحقق النصر المزعوم.

ولم يدرك أحد أن الهزيمة ستطال الجميع، ربما رصد الرئيس الراحل كل ذلك،  لكن ذهنه كان مشغولا بقفزة مفاجئة أخرى من مفاجآته ستغير وجه المنطقة لعقود قادمة.

 إستطراد

الغريب أن التيارات اليسارية في مصر لم تكن لها قاعدة شعبية عريضة ممتدة، ولا تستطع جذب فئات كبيرة يعتد بها من جموع الشعب..

لعل ذلك يمكن إيعازه إلى خطابها الثقافي ” المتعال” الذي لا يصل سوي لمجموعة محدودة من المثقفين” الألفاظ الجزلة مثل” الديالكتيك “..” البروليتاريا “..” البرجوازية ” لاتعني جموع البسطاء ولا يعونها.

خطاب اليسار والناصريون 

إلا أن خطاب اليسار عن العدالة الإجتماعية والقومية العربية والمجتمع المدني هو ما كان يخيفه _ السادات _في الحقيقة وخصوصا أنه كان مهيمنا في العصر” الناصري “

كان خطابهم في ذات الوقت رغم عدم إنتشاره بين الجموع والعامة مؤثرا وفاعلا وصوته مسموعا نظرا لوجودهم القوي والمهيمن في أوساط الطلبة والعمال والصحافة والنقابات والمثقفين، والذي بات يؤثر على خطاب السلطة وتوجهاتها ودعايتها بمواجهته – الخطاب – ودحضه وتفنيده والرد عليه والطعن فيه أحيانا بما أصبح يحاصر ذلك الخطاب ودعاويه ويضعف من فاعليته وتأثيره وإمتداده.

جمال عبد الناصر الزعيم المصري الذي قاد حركات التحرر لوطني

سياسة الرئيس الإحلال 

فما كان من الرئيس الراحل سوي أن أتبع سياسته “الإحلالية”_ إن جاز التعبير _ فأطلق مارد الجماعات المتسربلة برداء الإسلام لتحل محل قوي” اليسار” في المجتمع وبصفة خاصة في دوائر تأثيرها .. بل وهيأ لها المنابر والدعم _ الجماعات _للقضاء على هذا التيار المزعج من ” الأرذال ” _ كما كان يحلو للرئيس الراحل وصف طبقة المثقفين والأفندية-

إلا أن عداء تلك الجماعات وحربها المقدسة لم تقتصر على” اليسار” فحسب ولكنها تجاوزتها إلى كافة تيارات المجتمع وطوائفه وفئاته.

توغلت في الجامعات وتمكنت في النقابات وتسللت في كافة مفاصل أجهزة الدولة ومؤسساتها متمتعين بالحرية ظنا منها أنها تملك الحق المطلق.

أليست تتكلم بإسم الدين وتفسر نصوصه وتحدد ناصية الحق والباطل؟ كما أن السلطة تركت و أفسحت لهم المجال أكثر وأكثر

توغل الجماعات في المجتمع 

فتوغلوا في أعماق المجتمع وصاورا يقدمون الخدمات زهيدة السعر مثل ” المستوصفات” و ” الجمعيات الخيرية” والمساعدات المادية والعينية _ وخصوصا في المناطق الفقيرة والقرى والنجوع.

وحلوا محل الدولة ودورها في تقديم تلك الرعاية والخدمات والتي لم تمانع  الدولة في الأمر مزيحة تلك الأعباء عن كاهلها متخلية عن دورها.

طالت عنق الرئيس 

فأصبح لهم قاعدة عريضة وإنتشار أكبر ومنتمين ومتعاطفين ومستفيدين فتعاظم حجمهم وتضخمت فاعليتهم.

ولم يستطع الرئيس الراحل السيطرة عليهم بعد ذلك فتمادوا وتمددوا وأستفحل خطرهم لتلتف خيوط اللعبة بعد ذلك نحو عنقه ويدفع حياته هو شخصيا على أيديهم بعد ذلك ثمنا لقراره وسياساته.

بل وظلت الأجيال التالية تدفع ذات المغرم الباهظ لعقود.. وتجاوزت سياسته _ عصره لعصور أخرى قادمة.. وقيدتها وحكمتها بالصراع الدامي المهلك المستمر منذ ذلك الحين..

شارك المقال: