مقالات
محمد قدري حلاوة
محمد قدري حلاوة

كاتب مصري وقاص

1977 العام المر (4) رحيل حليم

أنا أيضا بكيت، كانت الإذاعة تذيع أغانيه والتلفاز يعرض فيلم " حكاية حب" أنا من جيل إرتشف آخر قطرات من رحيق الأصالة جيل الموهوبين والقامات الفكرية والعظماء، إستسغنا حلو المذاق ليباغتنا علقمه بعد حين.

مشاركة:
حجم الخط:

 البدايات التي لا تهم أحد (10) 

مارس حيث يأتي الربيع تفتح النبات وعودة الخضار، رحيل الشتاء وقدوم الصيف، رياح الخماسين وشم النسيم،  الربيع الذي يهب الحياة خطفها تلك المرة.

أسقط آخر ورقة خضراء من على غصن زمن الفن الجميل والطرب،  الثلاثين من مارس عام ١٩٧٧، وفاة ” عبد الحليم حافظ” بدا الخبر صاعقا لعشاقه ومحبيه، ودع الحياة أثناء رحلة علاجية في ” لندن” حالة من الحزن والبكاء والنحيب، فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها تذهب لمنزل ” حليم” للعزاء.. تتسلل نحو نافذة مفتوحة في الصالون، وتلقى بنفسها منتحرة حزنا على وفاته..

أنا أيضا بكيت، كانت الإذاعة تذيع أغانيه والتلفاز يعرض فيلم ” حكاية حب” أنا من جيل إرتشف آخر قطرات من رحيق الأصالة جيل الموهوبين والقامات الفكرية والعظماء، إستسغنا حلو المذاق ليباغتنا علقمه بعد حين.

جنازة عبد الحليم حافظ 

يوم الجنازة.. كانت المرة الأولى التي أتسرب _ أزوغ _فيها من المدرسة.. تم ذلك بالإتفاق مع ” عم عيد” الذي كان أشد عشقا ” للعندليب”.. كان مذهولا يحبس فيضانا من الدموع.. عيناه محمرة كأنه لم ينام منذ دهر.. هو رفيق دربه كل يوم يلطف عليه بشدوه وعثاء الطريق وعناء العيش .. صديق لياليه وأحلامه بقصة حب خالدة تكلل بالزواج.” في الحلال” . كان يقول دائما ” هوه ده الوحيد اللي بيهون على التعب والأيام”.. عليك الآن يا صديقي أن تحمل عبء الشقاء والهم على كاهلك وحدك..

تركنا السيارة في ” باب اللوق” ودلفنا نمضي في الشوارع الجانبية وصولا إلى ميدان ” التحرير”.. كان ” عم عيد” يقبض على يدي بقوة خوفا من أضيع منه في الزحام.. طوفان من البشر وموجات متلاطمة تودع” حليم “.. كدت أسقط تحت الأقدام المذهولة المسكونة بالحزن والأسي.. جذبني ” عم عيد” ووقفنا على الطوار نراقب المشهد.. ظهر نعش ” حليم”.. الناس يتخاطفونه بأيديهم.. إنفجر” عم عيد” في البكاء وكأن شلالا يتدفق من مقلتيه . أخذ يلوح بمنديله ” مع السلامة يا حليم… مع السلامة يا حليم “..و بدا جسده ينتفض من النحيب والنشيج.

الصمت يحيط بالجميع 

الصمت.. الصمت فقط هو صاحبنا في طريق العودة.. عندما وصلنا الحارة.. لم يودعني أو يضحك مطلقا ويطلق طرفاته المعتادة.. توقف في إنتظار نزولي.. ثم عقد ” فوطة صفراء ” على العداد وأنطلق في طريقه وعمودا من الدخان والعادم ينفث من مؤخرة السيارة.. أستمرت أحزان” عم عيد” بضعة أيام.. ثم عادت الحياة سيرتها الأولى…ضحكاته.. إبتسامته.. تفاؤله.. إن كان ” صاحبه” قد مات فعلي الأقل بقى صوته يرافقه ويؤنسه ويربت على أيامه وأحلامه..

لم أكن حينها أعرف عن ” حليم” سوي أغانيه العاطفية

بضعة أغاني وطنية قليلة سمعتها له.. “عاش اللي قال”.. ” صباح الخير يا سينا”.. كانت أغانيه في المرحلة الناصرية ممنوعة آنذاك.. لم يكن من المطربين المفضلين في عصر ” السادات”.. ربما لأن الكثيرين يعتبرونه إبنا شرعيا للمرحلة “الناصرية”.. والحقيقة انه كان أحد أدوات القوة الناعمة والمشروع القومي ” لعبد الناصر”..ولهذا السبب تحديدا لم يسلم” حليم” من الهجوم الضاري.. ربما لأنه غني” لناصر”.. وتناسوا أنه غني للمصانع والمزارع والثورة ومكتسباتها كما غني ” لناصر”.. وكانت التفرقة بين ” ناصر” و مشروعه القومي عسيرة بل تكاد وأن تكون مستحيلة.. والدليل أن مشروعه دمر عن عمد بعد وفاته وأنقضي بإنقضاء أجله.

حاسبوا عبد الحليم على أغانيه الوطنية

أتهموه حينا آخر بأنه روج للأحلام والأوهام التي غيبت عقول الشعب ولم يستفق منها سوي على نكسة (١٩٦٧).. ” تماثيل رخام على الترعة وأوبرا”.. هل يمكن محاسبة الخيال وتقييد الحلم؟.. كان الحلم أكبر من الإمكانية وتلك هي المحصلة النهائية لعصر “عبد الناصر” في واقع الأمر.. وبقي الحلم نبيلا رغم كل خطايا وأخطاء عصره.

لم يحاسب أحد ” أم كلثوم” و ” محمد عبد الوهاب” الذين غنوا للثورة و” ناصر ” بل و” لفاروق ” أيضا.. ربما لأن اغانيهم الوطنية في عهد الثورة لم تكن بذات التأثير والرواج.. وتضائلت الأغاني الوطنية في عصر السادات _ بإستثناء مرحلة حرب أكتوبر _ بل وتصاغرت لتختزل في شخص الرئيس.. وكانت أغنية ” ياسادات يا حبيبنا ” للفنانة الراحلة” فايدة كامل” هي الباقية في الأذهان من عهده.. ولعلها تمثل دليلا رمزيا على مرحلة الإنتقال من المشروع إلى الشخص.. مات حليم والإتهامات تحاصره _ منها أيضا انه كان يحارب المطربين الآخرين والذين لم يحققوا مجدا من بعد وفاته _ لم يغير ذلك في الأمر من شئ.. وبقيت أغانيه خالدة في القلوب والوجدان.

 

شارك المقال: