مقالات
محمد قدري حلاوة
محمد قدري حلاوة

كاتب مصري وقاص

1977 العام المر ( 2)

الخوذ" المعدنية تشي بالترقب والقلق.. قابضين على الدروع " البلاستيكية والعصي الخشبية في انتظار الأمر بالتحرك.. تقدم رفيقي نحوهم قابضا على يدي هاش الوجه وخاطب أحدهم قائلا " ممكن نعدي؟

مشاركة:
حجم الخط:

(البدايات التي لا تهم أحد)

(4)

ماذا أفعل الآن؟.. ” عم عيد” لن يأتي اليوم سوي الساعة الخامسة. .أختفت فجأة وسائل المواصلات.. لم يكن هناك مفرا من إن أعود للمنزل راجلا.. قطعت شوارع حي ” المنيل” مرورا بكوبري ” فم الخليج” و ” القصر العيني” ثم اختصرت المسافة قاطعا شريط قطار حلوان.. الأمور تبدو عادية حتى الآن لولا ازدحام ملفت في حركة السيارات.. دلفت إلى شارع ” المبتديان” وعند ” دار الهلال” علمت ورأيت كل شيء.

معركة تدور بين جموع من المتظاهرين وبعضا من جنود الشرطة

الحجارة تنطلق من كل مكان.. الغضب يكسو الملامح.. والوجوه تسفر عن السخط.. البعض يحطم واجهات العرض الزجاجية للدار.. مجلدات ” ميكي”و ” سمير” تطأها الأقدام.. سيارات تحترق.. بدا أن الغضب يأكل كل شيء في طريقه.. لماذا هذا الحرق والهدم؟ . ومن يفعل ذلك؟.. هل ثمة شيء يبرر الغضب الدمار؟.. عندما يشعر المرء بغياب الحق والعدالة وافتقاد الهدف والتوجه يمكنه أن يفعل أي شيء..

لا محل للسؤال والجواب فقط رائحة الدخان ولون الدم وهتافات الغضب.. هم وجوه سمراء متشابهة.. قطرات العرق والعروق النافرة توحد الملامح.. جذور السخط ومرارة العيش جمعتهم ووحدتهم على طريق.. توقفت للحظات مرتبكا متوجسا.. انحنيت محتميا بإحدى السيارات مهشمة الزجاج.. أتى أحدهم سريعا وقد قذف ” طوبة” كان يقبض عليها قائلا ” قوم معايا يا حبيبي.. انت ساكن فين.”.. وعندما أخبرته بموقع حارتنا المتفرعة من شارع ” مراسينا” أخذ يعدل هندامه ويمسح عرقه مستردا بعض أنفاسه وأمسك بيدي مشيرا إلى زملاؤه بالتوقف عن الكر والفر للحظات..

عساكر الأمن 

على بعد مائة متر كانت عساكر الأمن واقفة متحفزة تصنع ” كردونا” يمنع اقتحام الميدان وقسم” السيدة زينب “.. نفس الوجوه وذات الخيوط من العرق.. نفس الملامح وذات السمرة.. النظرات المتوجسة من خلف ” الخوذ” المعدنية تشي بالترقب والقلق.. قابضين على الدروع ” البلاستيكية والعصي الخشبية في انتظار الأمر بالتحرك.. تقدم رفيقي نحوهم قابضا على يدي هاش الوجه وخاطب أحدهم قائلا ” ممكن نعدي.. إحنا مروحين البيت “.. أفسح لنا الجنود ثغرة ننفذ منها.. كانت ملامح القلق تطغى على ملامحي.. ابتسم إلى ضابط صغير مربتا على رأسي هامسا” متخافش يا حبيبي “..

أطمأن رفيقي إلى توصيلي إلى مدخل الحارة.. سرعان ما عاد أدراجه.. وقفت على ” الناصية” أراقبه.. وجدته قد أنحني ليلتقط بعض الأحجار.. وهرول سريعا نحو شارع “قدري” منضما إلى مسيرة قادمة نحو الميدان وقد علا صوتها الآتي كصوت الرعد الداوي…

(5)

كان يوما ليس له مثيل

لم تهدأ الأحداث أبدا.. كنت أنظر خائفا مرتعدا من بين خصاص” الشباك”.. جمع من البشر أخذوا يرجون ” الترام” رجا حتى سقط على جانبه وتكفل أحدهم بإشعال النيران فيه .. كانت الحمم تتصاعد من سينما ” الأهلي”.. لابد أن مقعدي المفضل قد تفحم الآن…

الغضب يذهب بالعقل والمنطق.. يصبح الفعل ورد الفعل في آن.. لا يجدي أن ترصد ظواهره ولكن أبحث عن المسببات.. التلفاز يعرض مسرحية” مدرسة المشاغبين”.. الإلهاء ثم الإلهاء.. فقط سلب العقول وجذبها نحو مناطق أخرى بعيدة عن الحدث والحديث.. أكاد أحفظها.. لماذا لا أضحك اليوم مع ” منصور “؟.. ولم لا أتعاطف مع ” أحمد” شاعر الإسكندرية؟.. لا أدري.. هل هو الخوف؟..

( استطراد :الخوف.. تلك المساحة المظلمة المتوغلة في الوجدان.. عندما كبرت علمت أنها ليست فقط تلك البادية على الملامح أو سفور الحواس.. ليست مجرد جحوظ العينين وشهقة الرعب.. هي أشد وأنكي.. إنها الانضباط الذاتي الذي يقيد الفعل ويخرس الصوت.. الكلمة المحذوفة وأنت تكتب.. الرأي المسجون خلف جمر الضلوع.. قل ولا تقل.. السلاسل التي تشل أقدامك، اللسان الذي يلوك ولا ينبس.. الشفاه المطبقة عن زفرات الغضب.. الخوف يتشظى مخاوف.. خوف من الحاضر.. من الغد.. من البشر.. من المجتمع.. ” الغول” الذي كنا نخاف منه صغارا صار غيلانا بشعة.. للكلمة ثمن وللموقف مغرم…دثار الخوف دفء وأمان …النطق والإقدام عرى وبرد.. أي منطقة ملعونة من العالم تعتصرنا.. تشوه ذواتنا.. تسرق أعمارنا.. طعام وشراب وتناسل.. ماذا يريد المرء أكثر من ذلك؟ .. أنت عربي إذا بكل تأكيد) ..

سقط رجل عجوز أمام” فراشة نصار”.. ما الذي أتى به في تلك الساعة إلى آتون المعركة؟ .. لا أحد يعلم… إنحنى نحوه أحد جنود الأمن آخذا بيده وأدخله خلف السور المرتفع… يضمد جروحه بمنديله.. الاثنان يلهثان.. لحظة هدأة وراحة من تلك المعركة الخاسرة .. من ضد من؟..

السادات في أسوان

أنباء عن أن الرئيس الراحل “السادات ” غادر استراحته في ” أسوان”.. كاد المتظاهرون ان يقتحموا أسوارها.. كان الرئيس يتأهب لمقابلة ” تيتو” الزعيم ” اليوغسلافي”.. وأثناء حوار يجريه مع صحفية لبنانية في شرفة الاستراحة مدخنا غليونه مستمعا بجو أسوان الدافئ.. لاحظ صعود عمود من الدخان في السماء.. و تساءل ما هذا؟.. أجابته الصحفية ببساطة ” ربما أن المظاهرات في القاهرة.. وصلت إلى هنا”.. تساءل الرئيس مندهشا ” أية مظاهرات؟ “.. كان الرئيس آخر من يعلم.. يسمع عن الحدث لأول مرة!!..

أنور السادات

(6)

طار الرئيس الراحل بطائرته الهليكوبتر فورا نحو القاهرة…(ترددت أنباء عن استعدادات طارئة تم اتخاذها لكي يغادر الرئيس البلاد متوجها لإيران حال تطورت الأمور للأسوأ.. وكانت المفارقة أنه بعد عام بالتحديد من هذا الحدث.. كان الشاه هو الذي يفر لمصر ويستقبله ” السادات” في المطار!!).. َرغم أن الدكتور ” القيسوني” قد ظهر في ندوة ليلتها على التلفاز المصري معلنا إلغاء قرارات رفع الأسعار.. إلا أن الأمور لم تهدأ.. وبدا أن الزمام قد بدأ يفلت.. ولاح أن نار الغضب ستحرق في طريقها كل شيء…

لم ينس ” السادات” ذلك اليوم أبدا.. كان يرى أنه بطل الحرب وصاحب قرارها _ وذلك حقه بالتأكيد لا يمكن أن يجحده منصف . وأنه هيأ المناخ للديموقراطية _وإن كانت محدودة.. وأتاح حرية غير مسبوقة الصحافة… فضلا عن أنه نجح في تحجيم التيارات اليسارية.. والحقيقة ان الرئيس الراحل قد بدأ ينعزل عن الشعب أكثر فأكثر هاربا نحو استراتيحيته العديدة.. متخذا العديد من القرارات الفردية وليدة اللحظة من بنات أفكاره دون استشارة أحد.. صار نجما مشهورا في الصحافة الغربية.. وتفاقمت تلك الحالة تفاقما شديدا ولا سيما بعد تخاذه قراره ” بمبادرة السلام”..

تحولات سياسية جسيمة

في التحولات السياسية والأحداث الجسيمة المفاجئة يكون أمام أي نظام أحد طريقين لا ثالث لهما.. إما المراجعة والاعتراف بالأخطاء وتصويبها.. أو إلقاء التبعة على عاتق ” نظرية” المؤامرة.. الطريق الأول وهو الأصعب يحتاج إلى رشد وفضيلة الإقرار بالخطأ ودائرة محيطة قادرة على التقييم والجهر بالرأي دون خوف أو وجل أو ارتباطات مصالح.. أما الطريق الثاني وهو الأيسر والأقل كلفة لدائرة السلطة بطبيعتها وتشابكها ومصالحها هو الحديث عن” المؤامرة”.. ويفضل أن تكون داخلية وخارجية.. هنا يشعر المواطن البسيط المنهك في طاحونة الحياة بالخطر.. وتعي الطبقات العليا المنتفعة من وجود هكذا سلطة ونظام بخطورة ورعب أشد.. ماذا لو تمكن الرعاع؟ وبكل أسف كان الطريق الثاني هو الممهد والمتبع.. ونجح بلا شك على المدى القصير.. إلا أن نهاية هذا الطريق وصاحبه وسالكيه تصبح محتمة كلما مر الزمن وانقضت الأعوام..

كان لابد من التراجع إذا عن القرارات التي فجرت الأحداث.. وبدأت الأدوار تتحدد وتتوزع والخطط ترسم للقضاء على ” انتفاضة الخبز”.. في البدء يجب أن تركز الصحافة على المؤامرة ” الشيوعية” و ” الماركسية” المدفوعة والممولة من قبل ” الاتحاد السوفيتي”.. ويتحتم أيضا نزع الصفة السامية عنها من أنها هبة وانتفاضة شعبية تلقائية لتصبح كونها ” انتفاضة حرامية” مع التركيز على حوادث النهب التي صاحبتها… وأفسح الرئيس “السادات” المجال أكثر للجماعات المتسربلة برداء الإسلام لتتوغل في مسام وأعصاب المجتمع بصورة أشد.. بعد تحجيم وتطويق واعتقال عناصر اليسار “الملاحدة” الذين أرادوا هدم الوطن..

شارك المقال: