مقالات
محمد قدري حلاوة
محمد قدري حلاوة

كاتب مصري وقاص

1977 العام المر  (1)

البدايات التي لا تهم أحد محمد قدري حلاوة (١) السابع عشر من يناير عام 1977 نهار بارد كالمعتاد من نهارات الشتاء لم يلوح انه ذو فرادة خاصة .. إلا أنه…

مشاركة:
حجم الخط:

البدايات التي لا تهم أحد

محمد قدري حلاوة 

(١)

السابع عشر من يناير عام 1977 نهار بارد كالمعتاد من نهارات الشتاء لم يلوح انه ذو فرادة خاصة .. إلا أنه لم يكن يوما رتيبا مكرورا في سيرورة الأيام، تقافزت على قوالب الطوب بسرعة وخفة ماضيا في الحارة الموحلة حاميا رأسي من الأمطار بحقيبة المدرسة وقفت في مدخل شارع ” مراسينا” بحي ” السيدة زينب” في انتظار قدوم سيارة ” عم عيد” المتهالكة زاحفة بنا نحو المدرسة.

أتى بسرعة مهللا كعادته يزعق بالبوق المزعج ضاغطا على الفرامل بقوة بقدمه الحافية، ضغطة كانت كفيلة بغمرنا بشلال المياه الراكدة والتي تغرق الطريق، أعتذر لنا ” عم عيد ” عن رعونته المعتادة ونحن نمسح المياه عن أحذيتنا والسراويل، وقال لنا ضاحكا منتفخ الاوداج وهو يلوك ” ساندوتش” الطعمية ” ” اتفضلوا معايا يا اولاد “

بعد” الحصة ” الأولى استدعتنا” أبلة الناظرة ” أنا ومجموعة من الأصدقاء إلى مكتبها، توجسنا خيفة في بادئ الأمر، ماذا فعلنا؟ هل أبلغها أحدنا وشاية ما فعلنا بالأمس في حديقة المدرسة وتسلقنا الأشجار لالتقاط ثمار التوت؟  قالت لنا” الناظرة ” بجديتها المعتادة ” يا اولاد  أنا أخترتكم علشان تمثلوا المدرسة بكرة في لقاء ها يذاع في التلفزيون مع” بابا ماجد”  ها نتفق على زي موحد تلبسوه، وطبعا مش ها اقولكم وأوصيكم، متنسوش إنكم بتمثلوا مدرستكم ، التجمع بكرة في مكتبي الساعة 9 صباحا ربنا يوفقكم”

انصرفنا مشدوهين كأن على رؤوسنا الطير.. هل حقا سنقابل” بابا ماجد ” فارسنا النبيل؟.. هل سنظهر في التلفاز ذلك الصندوق السحري ويشهدنا الجميع؟.. سأتيه فخرا بالتأكيد على أصدقائي.. سأكون علما مشهورا بين أبناء الحارة.. الحدث بالتأكيد سيحدث أثرا أعمق وأشد من ذاك الذي كان عندما فزت بمجموعة طوابع في مسابقة مجلة ” ميكي ” وبرز إسمي مطبوعا مسطورا بها

من الأفضل أن أذهب لعم ” حسن” الحلاق لتهذيب شعر رأسي، يتحتم أيضا الذهاب لعم ” مصطفى”  “المكوجي” لكي البدلة السوداء اللامعة، أعلم أنني سأنتظر بعض الوقت لانشغاله الشديد الدائم وأكوام الملابس المكدسة لديه، لا مانع من الانتظار و الاستماع لحديثه الشائق وحكاياته الممتعة عن” الملك ” و ” عبد الناصر” والحال الذي أصبح غير الحال أذنت الشمس بالمغيب، لم يبق سوي المرور على” عم جرجس” “الجزمجي” وأقف لأراقبه وهو يتناول علبة ” ورنيش الكرة” و زجاجات ” الصبغة يذهب بيده ويجيئ بقطعة صفراء مسودة من القماش على الحذاء، يسعل دائما والسيجارة لا تفارق زاوية فمه.. وجسده الهائل يرتج بشدة.. لكنني شارد اليوم.. تسكنني أحلام الغد الموعود ولقاء صاحب الوجه الجميل الطيب بشعره الأبيض وابتسامته العذبة.. الفارس النبيل..” بابا ماجد”..

(٢)

بعض الأيام تبدو أنها تاريخا شخصيا، إلا أنها أيضا تاريخا للوطن، في ذات يوم البشارة باللقاء الموعود، كان الوطن يشهد أحداثا ساخنة أشعلت ربوعه في برد يناير، عقدت ” الكنيسة القبطية ” مؤتمرا دينيا حاشدا لمناقشة المطالبات الدائرة في” مجلس الشعب ” و مشاريع القوانين المعروضة عليه لتطبيق” الشريعة الإسلامية “و تشريع قانون تطبيق ” حد الردة” .. ودعت” الكنيسة” ضمن مقرارات المؤتمر إلى ” الصوم الانقطاعي من ٣١ يناير وحتى ٢ فبراير”.. في خطوة تصعيدية للاحتجاج لها دلالتها و رمزيتها.

في عهد الرئيس الراحل ” جمال عبد الناصر” لم تبدو ملامح تكاد تذكر للفرقة أو التمييز الديني ناهيك عن أحداث الفتنة الطائفية كان هناك مشروعا قوميا وسمت قيمة المواطنة.. وعندما تولي الرئيس ” السادات” الحكم.. ونتيجة لرغبته في القضاء على التيار اليساري، أفرج عن قادة الإخوان والجماعات ” الدينية ” من السجون وأطلق يدهم في الجامعات والنقابات وكافة مفاصل المجتمع المدني، ناهيك عن هبوب رياح القيم البدوية من شبه الجزيرة العربية مدعومة بسخاء من أموال تشربت برائحة الثروة المتفجرة من ينابيع النفط.. كانت النتيجة حتمية وهي أن تمترس الجميع كل خلف طائفته.

وانتشرت تيارات التشدد من كافة الأطراف.. وغابت المواطنة بغياب المشروع القومي الجامع.. ولعل في الارتداد إلى الأسماء ” الأصولية” _ إن جازت التسمية _ المشتقة من عمق أغوار تاريخ الديانة مظهرا ودليلا.. ولم يكن هذا الارتداد يرنو للاقتداء.. لكنه كان غطاء ووجاء واحتماء بالطائفة والدين، وصار من السهل واليسير إن تفرق بين المصريين وتحدد هويتهم الدينية من اسمهم ولقبهم، بعد أن كان الأمر غير بارزا بتلك الصورة الحادة في العقود الماضية

هناك حدث جلل يمكنه أن يواري حدثا جللا آخر.. هذا تماما ما حدث.. في ذات اليوم المشهود أعلن الدكتور ” عبد المنعم القيسوني” نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية قرارات رفع الدعم عن الخبز والسكر والشاي والزيت والبنزين ونحو ٢٥ سلعة أخرى… لم تبدو تداعيات تلك القرارات للتو فور إَعلانها لكن توقيت صدورها كان يشير إلى مدى قد تعمق الخلل والهوة السحيقة التي تفصل السلطة أحيانا عن جموع المواطنين.. كانت وعود الرخاء بعد حرب ١٩٧٣ تتبخر.. والتصريحات المتوالية عن استمرار الدعم يثبت كذبها وزيفها، وتوهمات رياح الخير المزعومة من تغير التوجه السياسي نحو المعسكر الرأسمالي تتلاشى، فضلا عن أن نتائج آثار سياسة الانفتاح الاقتصادي قد بدأت تطغى على المشهد.

وظهرت ” القطط السمان” أصحاب ” الأرانب” ولاح أن فجوة الفوارق الطبقية تتعمق وتتسع وتبتلع الطبقات الدنيا، ولم تكن الطبقة المتوسطة أفضل حالا بعد أن صارت تنكمش وتتدهور أحوالها، متشبثة بأظافرها كي لا تسقط للأسفل.. أما المثقفون وأصحاب المؤهلات فقد صاروا يراقبون المشهد بأسف وغضب وانعزال وهم يرون طبقة أصحاب الحرف والمهن يصعدون للأعلى بسرعة خرافية ويراكمون الأرباح _ وهو ما عبرت عنه السينما المصرية في بضعة أفلام_ متواضعة فنيا _ وكانت علامات الهدوء التي لاحت لأول وهلة هي النذر التي تسبق العاصفة..

(٣)

الثامن عشر من يناير ١٩٧٧..تبدو الأقدار رحيمة بي في ذلك اليوم.. الطقس لطيف والشمس مشرقة رغم برودة تيارات الهواء.. كانت الأرض قد بدأت تجف بعض الشيء وتلاشت ” برك” المياه الراكدة.. يمكنني الاحتفاظ بلمعة الحذاء البادية ورونق ملابسي، يتبقى فقط توخي الحذر من تهور “عم عيد” وأن أضحى بمباراة الكرة في الصباح قبل الطابور.. الغريب أن ” عم عيد” لم يأتي مندفعا كعادته تلك المرة.. كما بدا التجهم على وجهه لأول مرة..

ما إن ركبنا في السيارة حتى أنفجر في الكلام وقد أحمرت أوداجه قائلا : ” غلوا كل حاجة ولاد الكلب.. أدفع الطاق طاقين في كل حاجة علشان إيه يعني.. هوه أنا بكسب كام في اليوم”.. أخذ صوته يعلو شيئا فشيئا ليغطي على صوت اصطكاك الزجاج المزعج ” بصاج” الأبواب الخالية من قطع الجلد الكاسية.. ” الرحمة بالناس شوية.. هوه مش الحرب خلصت وبقينا حبايب مع أمريكا.. هما مش قالوا الدنيا هتبقى أحلى والخير جاي ” يا عم بص قدامك ” صرخ” عم عيد ” في وجه قائد السيارة المنحرفة تجاهه وكاد ان يصطدم بها..

لم تكن عقولنا الصغيرة منشغلة بهذا الحديث.. كنا نحلم بالحياة ونطلب من متاع الدنيا ما نشاء.. على الأهل أن يتدبروا أمورهم.. الأمر يعني الكبار لا يعنينا نحن.. لا نأبه بحديثهم عن غلو أسعار الخبز واللحم والسكر و… و.. هي قضيتهم وحربهم الخاصة التي يقارعون فيها الحياة.. هل لم نكن نشعر بمعاناتهم؟. ربما.. المهم الآن أن تمر تلك الساعات القليلة التي تفصلنا عن لقاء ” بابا ماجد”.. كان الرفاق في الحارة ينتظرون هذا اللقاء والحدث الاستثنائي هل يذاع على الهواء؟.. مسجلا بعد حين؟.. الأمر لا يعنيني. أنا محور الحدث.. وهم المشاهدين.. النجم اللامع في بؤرة الضوء المرتكزة حوله الأنظار بين مغبط وحاسد..

صفق لنا الزملاء في طابور الصباح بعد كلمة مشجعة من ” أبلة الناظرة”.. رددنا تحية العلم في حماس شديد ” والله زمان يا سلاحي.. واشتقت لك في كفاحي”.. لم نكن نعلم بالطبع انه بعد بضعة شهور فقط سيغمد السلاح ويخمد الكفاح ويتغير النشيد ” بلادي بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي”.. الحافلة ستأتي في الساعة الواحدة ظهرا لتقلنا لمبنى” ماسبيرو”  كم تكون دقات الساعة رتيبة بطيئة عندما ننتظر؟ 

الساعة الواحدة الآن مسحت الحذاء بقطعة من الورق.. عدلت من هندامي الذي طرأت عليه بعض الخسائر الطفيفة… أتى أستاذ” عادل” مهرولا يلهث وألقى في وجوهنا القنبلة الصادمة.. ” يا ولاد.. اللقاء أتأجل.. كل واحد يروح دلوقتي.. حاولوا تكلموا أهاليكم يجوا ياخدوكم..”.. وأنصرف مسرعا لينبه ويخبر باقي الفصول بالنبأ الرهيب.. ماذا حدث… لا نعلم باليقين.. وإن كانت النذر قد بدت من حديث ” عم سيد” فراش المدرسة محدثا أحد الباعة الجائلين أمام باب الخروج” يا عم دوم إيه وحرنكش إيه اللي بتنادي عليهم.. الحق روح بيتك.. البلد مقلوبة “

 

شارك المقال: